عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


دكتور غازي صلاح الدين، بدايات تعاملي – كصحفي- معه لم تكن مشجعة، كنت أظنه سياسياً يصعب بناء جسر للتواصل معه، في تعابير وجهه صرامة تقترب من القسوة،  يتحدث باقتضاب، يشعرك بأنه يبذل مجهودا مقدرا لاحتمالك لدقائق معدودة فقط!

ورغم إجرائي عدة حوارات معه في ذلك الوقت، فقد كان واضحا بالنسبة لي أنه لا يحبذ طريقتي في الحوارات الصحافية التي تقوم على الأسئلة المختصرة الضاغطة والتي تفرض إجابات محددة وواضحة وقليلة الكلمات وذلك عبر قطع الاسترسال بالمداخلات.

وكان كثيراً ما يطلب مني مراجعة الحوار قبل النشر، ورغم ما في ذلك من إهانة مهنية مستبطنة وتشكيك غير مباشر في المقدرات والنوايا، لكنني لم أكن لأفوت فرصة حوار مع دكتور غازي، فهو من السياسيين الذين لكلماتهم وزن ومقدار في الميزان السياسي.

ورغم أن علاقتي الصحافية معه تطورت وتحسنت حتى أصبحت علاقة شخصية متميزة،  تغلب عليها الزيارات والمناسبات الاجتماعية والمناقشات السياسية والفكرية والاتصالات الهاتفية، الا أننا منذ البدايات إلى اليوم ظللنا نعاني كثيراً في التعامل مع التصريحات الصحفية لدكتور غازي.

فهو من أكثر السياسيين تصحيحاً وتصويباً للصحافة السودانية، كان زملينا الأستاذ/ البدوي يوسف مدير تحرير العزيزة (الرأي العام)،  تجنباً للنفي والتصحيح والتوضيح من مكتب دكتور غازي، ينصحنا بوضع عبارات الدكتور كما هي، دون تدخلات صياغية، وكنا نحتج ونقول للبدوي: (غازي يتحدث  في السياسة بلغة المفكرين والمثقفين، والصياغات الإخبارية لا تحتمل هذا النوع من الحديث، لابد من تبسيط حديثه وتقريبه للقارئ العادي)!

ورغم الجدل والنقاش كنا لا نستطيع تجاوز محددات البدوي في التعامل مع تصريحات دكتور غازي. وللزميل محمد عبد القادر رئيس قسم الأخبار في ذلك الوقت،  أسلوب خاص في تحرير الأخبار، لا يخلو من المغامرات المهنية الماهرة والماكرة أحياناً!
في مرة التزم محمد تماماً بوصية البدوي ولكنه اختار كلمة محددة داخل التصريح فوضعها بين قوسين!

في اليوم الثاني جاء إلى مكتب الصحيفة بالخرطوم غرب  شخصان من مكتب دكتور غازي صلاح الدين وزير الإعلام وقتها، بمهمة محددة، وهي تحرير الكلمة التي وضعها أبوحباب بين قوسين عبر بيان ممهور بتوقيع الدكتور، يقطع بالقول :(لم أضع هذه الكلمة بين معقوفتين) !

لم أجد وصفا دقيقا لشخصية دكتور غازي صلاح الدين مثل ما ورد في كتاب الوزيرة النرويجية هيلدا جونسون حيث قالت: (الكثيرون كانوا يظنون أنهم يمكنهم التعامل معه بسهولة ويسر، إلا أنه اتضح فيما بعد أن العديد من السياسيين والمسئولين الغربيين الكبار قد اخطأوا فهم الدكتور غازي وهم قد فعلوا ذلك في الماضي وما زالوا يخطئون، فإنه من الممكن أن يظن الواحد أنه براغماتي إلا أنه إسلامي حتى النخاع، وهو شديد الولاء للقيم والمبادئ التي قامت عليها الجبهة الإسلامية القومية السابقة أو حزب المؤتمر الوطني الحالي).

بالأمس أرسل العتباني تصحيحا معمما لكل الصحف التي نقلت أو لم تنقل حديثه للصحافيين بالبرلمان. الغريب - بالنسبة لي- أن ما جاء في التصحيح لا يختلف عن ما ورد في الصحف!

لا أعرف ما الذي دعا دكتور غازي لتصحيح ما هو صحيح أصلاً، واذا كانت هناك صحيفة لم توفق في النقل أو وضعت بعض كلماته بين "معقوفتين" كان بالإمكان تصحيحها دون غيرها.

الواضح بالنسبة لي أن دكتور غازي أراد توضيح موقفه هو، لا تصويب ما تناقلته الصحف، تصريحات غازي بالبرلمان كان بها قليل من الغموض الذي يحتمل قراءتها على وجهين مختلفين.

لم أوفق في معرفة دوافع دكتور غازي في إثارة هذا الجدل القانوني الآن، الدستور أصلاً سيُلغى أو يُعدل قبل الانتخابات والرئيس البشير أعلن على الملأ عدم رغبته في التجديد!

ودون معرفة قانونية واسعة بإمكاني القول إن المادة 57 من الدستور الانتقالي لعام 2005 التي جاء فيها : (يكون أجل ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات تبدأ من يوم توليه لمنصبه، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب)!
مربط الفرس في المادة 57 جملة "إعادة انتخابه" وهي تعني  ضمناً أنه انتخب من قبل وأن تولي الرئاسة المقصود تولٍّ عبر الانتخابات لا عبر شرعية الاتفاقية، لأن الإعادة تعني تكرار ما حدث من قبل، والتكرار في النص للانتخاب وليس للتولية!

//////////////