عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
قبل انتهاء 24 ساعة من مقال أول  أمس، والذي جاء تحت عنوان (إلى ود الخضر..احترس أمامك لغم) وقبيل أذان المغرب خرج (طارق طنان) وهو موظف بمحلية الخرطوم يتبع لإدارة النظام العام بالمحلية على رأس حملة ضمت عدداً من أفراد الشرطة لتنظيم السوق المركزي ومكافحة بيع الخضر والفاكهة بواسطة الباعة المتجولين بالطرقات وعلى الشوارع  الرئيسية، وكانت الحملة على متن عربتي دفار تتبعان للمحلية، وصلتا إلى منطقة السوق المركزي وشرعتا في تنظيم السوق وضبط المخالفات وحجز بضائع المخالفين برفعها على متن الدفار.
وبعد مدة من الزمن كان الدفار قد امتلأ تمهيداً للعودة إلى المحلية، بينما كان (طارق) يجلس في الدفار الآخر والذي كان خالياً لا يحمل أي بضائع. كان يجلس قرب سائق الدفار، وفجأة ودون سابق إنذار، تفاجأ طارق بشخص يقترب من الدفار ويقوم بفتح الباب وتسديد طعنة عاجلة، قصد بها أن يصيب طارق في مقتل، ولكن نسبة لارتفاع الدفار حيث يجلس طارق أصابت السكين أعلى البطن ولم يشعر بعدها طارق بما حدث حوله، ولاذ صاحب الدرداقة بالفرار!
وعلى إثر ذلك أسعف طارق إلى مستشفى الأطباء، وظل معتمد المحلية اللواء أمن/ عمر نمر مرابطاً بالمستشفى إلى الساعات الأولى من الصباح.
وكنا في ذات اليوم تحدثنا على وجه الاعتراض والتنبيه من التعامل مع مهمة تنظيم وتنظيف الخرطوم وإزالة مخالفات الأراضي والأسواق باعتبارها مهمة أمنية عسكرية يستعين فيها والي الخرطوم بلغة الحرب والمعارك الطويلة!
وقولنا إن ظواهر السكن العشوائي والفوضى والمخالفات والأوساخ وعدم النظام وعدم المسؤولية، كل هذه الظواهر هي مترتب طبيعي لانهيار الريف السوداني واحتضار المدن الولائية، فهي ظواهر تحتاج لمعالجات وإصلاحات وحسن إدارة وطرح بدائل، لا (لسكين وفرار،وأمسك لي وأقطع ليك).
وقلنا  إن أخطر ما في تحويل مهمة الإصلاح والتنظيم بالخرطوم إلى واجب حربي، هو أن ذلك سيعطي القائمين بالتنفيذ شعوراً زائداً بالسلطة، قد يفضي لاستخدام القوة غير اللازمة، مثل ما حدث في كجبار وأمري!
والأكثر خطورة هو خلق تحفز عدائي للمستهدفين من الباعة والمخالفين يجعلهم أكثر عدوانية تجاه الإجراءات، مثل الذي حدث في سوبا قبل سنوات وراح ضحيته ما يقارب العشرين شرطياً على أيدي المستهدَفين بالترحيل!

حينما قلنا ذلك لم نكن نقرأ الفنجان، أو نضرب على الرمل، بل كنا ندرك أن مهمة إصلاح وتصحيح الأوضاع تحتاج لأساليب أكثر حكمة وكياسة حتى لا يترتب عليها ما هو أكثر خطورة من ما هو قائم!
المعلومات تقول بتعرض (5) موظفين للاعتداء من قبل الباعة المتجولين خلال (10)أيام فقط، آخرهم (طارق طنان)!
من حق السلطات المحلية أن تقوم بتصحيح وتنظيم الأوضاع ولكن إذا  كان ما يترتب على هذه العملية قطع أرزاق فئة من المواطنين فمن المهم الشعور بحساسية المهمة، والأهم من ذلك أن يتم المنع في إطار طرح البدائل!
الذي اختار لنفسه أن يبحث لأسرته عن رزق حلال، بالجلوس تحت أشعة الشمس وافتراش الأرض، وعدم السير في الطريق المعاكس للمجتمع، عبر السرقة والنهب، من واجب الدولة أن تعينه على ذلك لا أن تفعل العكس!
التنظيم والتجميل يجب ألا يأتيان على حساب معاش ورزق بعض فئات المجتمع التي لا تجد قوت يومها وتخرج كل صباح يوم في طلب الرزق وتعود إلى زغبها الصغار فارغة اليدين يابسة الحلق مهيضة الجناح!
في تونس الخضراء وهي أكثر نظافة وجمالاً من الخرطوم تسببت درداقة با عزيزي في إسقاط النظام وإشعال الحريق!
إذا لم تغير السلطات المحلية بولاية الخرطوم نهجها وأساليبها في معالجة الاختلالات والمخالفات فإن القادم بكل تأكيد سيكون أسوأ..!