عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(تضرسني) بعض التصريحات التي يدلي بها عدد من المسؤولين، خاصة التي يجانب فيها المقال المقام، أو التي تجدها مفتقدة لحساسية الوضع وتعقيدات الحال!
بل في بعض هذه التصريحات-خاصة العدائية منها- حَوَل تعبيري ، فالأذى المعنوي لا يصيب العدو المستهدف وحده بل قد ينحرف قليلاً أو كثيراً ليصيب آخرين، قد يكون بعضهم ضمن صفوف الموالين أو المتعاطفين!
فكثير من التصريحات تمثل في حقيقتها هدايا للأعداء، ما كانوا لينالوها ولو أنفقوا كثير مال عليها.
لا أعرف ما الذي دفع والي ولاية الخرطوم دكتور عبد الرحمن الخضر، لاستخدام لغة التهديد والوعيد وإعلان الحرب والمعارك الطويلة، في مواجهة ظواهر مجتمعية هي في حقيقتها، أعراض لأمراض، ظلت مستوطنة بالولاية لسنوات وعقود.
ظواهر السكن العشوائي والفوضى والمخالفات والأوساخ وعدم النظام وعدم المسئولية، كل هذه الظواهر هي مترتب طبيعي لانهيار الريف السوداني واحتضار المدن الولائية، فهي ظواهر تحتاج لمعالجات وإصلاحات وحسن إدارة، لا (لسكين وفرار).
نحن لسنا على استعداد لمعارك وحروب جديدة، ما لدينا من حروب يكفي ويزيد!

ليس من الحكمة أن تتحدث بلغة المعارك والحروب قيادات مدنية معنية بمعاش الناس وصحتهم وتجنيبهم المآسي!
الولاة عليهم إدارة الأوضاع والتعامل مع الأزمات بهدوء وثبات انفعالي-على وصف أهل الرياضة- وعليهم ترك المعارك للجيوش!

اللغة ليست وسيطاً محايداً، فهي تحمل ظلالا وطاقة داخلية، قادرة على خلق الأحداث وتحريك الساكن وتسكين المتحرك وصناعة الكوارث.
الحروب هي جهنم الدنيا، ولا تكب فيها الشعوب إلا بأفعال الساسة وحصائد ألسنتهم.

مشاكل الأراضي والحيازات والعشوائيات وفوضى المدن، تحتاج لمعالجات إصلاحية إدارية وتثقيفية لها مقدرة على المتابعة الدقيقة والمثابرة الصابرة على الخطط وتنفيذ البرامج، فهي لا تحتمل المعالجات الثورية الفورية التي قد تخلق أزمات أكبر وأخطر من التي يراد علاجها.

من قبل نجح الباشمهندس شرف الدين بانقا في التعامل بحكمة وذكاء مع ظاهرة معسكرات النازحين، حيث تقدم الإصلاح وفق رؤية استراتيجية على الإجراءات والعقوبات للمتجاوزين.
مشكلة حكومة الخضر انها تتعامل مع تلك الظواهر من منظور أمني فقط، لذا تم اختيار أغلب المعتمدين بولاية الخرطوم من خلفيات أمنية وشرطية!
وحينما تم تكوين لجنة لحماية الأراضي اختير لها عدد من لواءات الشرطة والامن، برئاسة اللواء عابدين الطاهر!
من المهم أن تكون حكومة الولاية جاهزة وعلى استعداد للتعامل مع كل المهددات والتحديات الأمنية، الامريكان يقولون :(تحدث حديثاً ناعماً واحمل في يدك عصاة غليظة)!
والفكرة المركزية في هذه المقولة، أن الحديث الناعم والمهذب هو خيار التعامل مع الجمهور، وإشارة العصا الغليظة الغرض منها إرسال رسالة –
ردعية- محتواها أننا على استعداد لاستخدام خيارات أخرى إذا اقتضى الأمر!
أخطر ما في تحويل مهمة الإصلاح بالخرطوم إلى واجب حربي، هو أن ذلك سيعطي القائمين بالتنفيذ شعورا زائدا بالسلطة، قد يفضي لاستخدام القوة غير اللازمة، مثل ما حدث في كجبار وأمري!
والاكثر خطورة هو خلق تحفز عدائي للمستهدفين، مثل الذي حدث في سوبا قبل سنوات وراح ضحيته ما يقارب العشرين شرطياً على أيدي المستهدَفين بالترحيل!
والسيناريو الأخير هو أن لغة الحرب والمعارك قد تدفع المستهدَفين للتنظيم والتخطيط المضاد، خاصة إذا تسللت أصابع متآمرة للاستفادة من الظرف بإشعال ثقاب الحريق، لتسخين الأجندة السياسية!


///////////////