عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


بصدق.. فاجأتني عيناي بدمعتين وأنا استمع في طريقي إلى مباني الصحيفة، للكاتب المصري الرفيع جمال الغيطاني وهو يتحدث عن الراحل الطيب صالح - المصريون دوماً مجيدون في التعبير عن المشاعر السلبية والإيجابية تجاه الأحياء والأموات - تحدث الغيطاني بحب شفيف، ومعرفة عميقة بالروائي ورواياته، وقال إنه تعرف على السودان المجاور لمصر، والمتداخل معها تاريخياً، لا عبر الزيارات، ولكن عبر عوالم الطيب صالح القصصية.

أبلغ وصف للراحل الطيب صالح هو ما أطلقه الدكتور عبد الله علي إبراهيم حينما قال « الطيب، رجل بلا مزاعم».

والغيطاني قال إنه درويش عظيم، تسكنه أرواح التصوف. يأتي إلى أعظم الأفكار عبر أقرب الطرق. وكما هو كاتب بديع هو كذلك متحدث مجيد. لا تستطيع أذن أن تقاوم رغبة الإصغاء لما يقول، فالحكمة تجري على لسانه بسلاسة ويسر كما تجري مياه النيل..!
الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد.. كانت تجمعني به محبة خالية من الأدلجة.. ومحادثات هاتفية - تسر لها شركات الاتصالات - اتصل بي ليلة رحيل الطيب صالح وقال لي: (كتب علينا أن نستقبل مبدعينا في توابيت من خشب.. علي المك وصلاح أحمد إبراهيم. وأخيراً الطيب صالح.. صلاح رثى علي المك والطيب رثى صلاح فمن يرثي الطيب)...؟!!!

قالها نقد وفي صوته وقتئذ أحزان اليسار واليمين.. ومرت الأيام وعاد نقد إلى البلاد محمولاً على تابوت خشبي، مثل الذين كان يأسى لهم!
مقولة الدكتور عبد الله وهي أن الطيب «رجل بلا مزاعم».. هي أفضل تلخيص لوصف كاتب باتساع وعمق الطيب صالح، في وطن تتعالى فيه أصوات المزايدات وكل يضيف إلى ذاته وسيرته كثيرا من ماء الغش، ما اتسع له المجال والمقام من ادعاءات وأوهام .
الدكتور محمد إبراهيم الشوش من أكثر العارفين وأجود المتحدثين عن الطيب صالح، وذلك بحكم المزاملة والمساكنة ببريطانيا، إلى درجة ذهاب البعض سراً إلى أن بعض مقومات شخصيات الطيب صالح الروائية لها نصيب من سيرة الشوش اللندنية..!
الشوش حكى لنا بمباني مجلة «الخرطوم الجديدة» التي يرأس تحريرها الصديق الطاهر حسن التوم، حكى ذكريات تلك الأيام. وألقى وقتها بملاحظة شدّت انتباهنا إلى مداه الأقصى..!
قال الشوش إن أياماً طوالاً جمعته في مسكنٍ واحدٍ بالطيب صالح بلندن - في الخمسينيات أو الستينيات لا أذكر- وأنه - أي الشوش- كان يراقب تصرفات وأفعال الطيب بعينٍ راصدةٍ، تبحث عن التجاوزات والهناّت، التي يوفّرها مناخ لندن البارد لشبابٍ ساخن الدماء..!
ورغبة البحث والترصد مصدرها قناعة راسخة لدى الشوش بأن الاستحالة البشرية تقتضي عدم وجود شخص بمثالية الشاب الطيب صالح. لذا ربما أن الرجل له براعة استثنائية في الإخفاء وكتمان الأسرار..!

وقال الشوش بعد سنوات طوال اكتشف أمراً خطيراً.. وهو أن الطيب صالح تخلّص من نزواته ورغباته عبر شخوص رواياته ونال مصطفى سعيد النصيب الأوفر..
واحتفظ الطيب لحياته الواقعية بكل هذه المثالية والنقاء..!

اكتشاف الشوش هو نقيض ما وصل إليه عبد الرزاق عبد الواحد الشاعر العراقي الشهير، وهو يتحدث في البرنامج الأروع «أيام لها إيقاع» عن صديقه وزميل دراسته الشاعر بدر شاكر السياب.. فقال إن بدر كان في الواقع شخصاً قميئاً كثير المثالب، ولكنه كان حينما يمسك القلم، فارس كلمة لا يشق له غبار..!
عبد الرزاق اختصر صديقه في وصف محكم حين قال:(السياب شاعر بالغ الروعة يعصر نفسه بين السطور ولا يبقى منه إلا الوحل)..!


رحل الطيب صالح قبل أن تتحقّق أمنية ورغبة محيميد. حينما قال: (وقتين طفح الكيل، مشيت لأصحاب الشأن قلت ليهم خلاص.. مش عاوز.. رافض.. أدوني حقوقي عاوز أروّح لي أهلي، دار جدي وأبوي.. أزرع وأحرث زي بقية خلق الله، أشرب الموية من القلة وآكل الكسرة بالويكة الخضرا من الجروف، وأرقد على قفاي بالليل في حوش الديوان.. أعاين السما فوق صافية زي العجب والقمر يلهلج زي صحن الفضة.. قلت ليهم عاوز أعود للماضي أيام كان الناس ناس، والزمان زمان).
//////////