عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كانت التجربة بالنسبة لي جديدة تماماً، إجراء مناظرات تلفزيونية مع عدد من أطراف الساحة السياسية السودانية، يتم ذلك في وقت عصيب، ودرجة توتر عالية، وحالة استقطاب حادة بين كل الأطراف!

عندما اتصل بي الزميل والصديق وليد مصطفى مدير إدارة الأخبار بالتلفزيون القومي يدعوني لتقديم هذه المناظرات، وشرح لي الهدف من فكرة البرنامج، استحسنت الفكرة تماماً، خاصة وأن التلفزيون يفتقد لمثل هذه البرامج الموجودة في عدد من القنوات السودانية الأخرى.
كانت لي تجربة سابقة في إعداد البرامج السياسية مع البروف عبد اللطيف البوني حيث كنا نعد برنامج (الخط الساخن) الذي يقدمه الصديق خالد لقمان، والبرنامج بعد حلقتين ساخنتين وارتفاع صوت الاحتجاج من قبل بعض المسؤولين الذين لا يحتملون المحاكمات التلفزيونية أصيب البرنامج بها السكت.

فكان سؤالي للزميل وليد عندما طرح علي فكرة المناظرات عن مدى الحرية المتاحة في اختيار الضيوف وتناول الموضوعات لأن الحوارات الإعلامية (تلفزيونية أو صحافية أو إذاعية) في حاجة للصدق والوضوح وطرح التساؤلات التي تدور في ذهن الجمهور والمخالفين وفحص مواقف الضيوف، ولنا تجربة مميزة مع الزميل الطاهر ساتي والأستاذ الكبير الزبير عثمان في تقديم برنامج (مؤتمر اذاعي) بإذاعة أم درمان يحظى بدرجة عالية من الاهتمام والمتابعة لما فيه من جراءة في طرح الأسئلة ورحابة في استضافة الضيوف من كل ألوان الطيف السياسي.
بعد تلقي التطمينات من الزميل وليد أبديت موافقتي على تقديم البرنامج ووضعت خطة مع الزميلين محمد خير مسؤول الدائرة السياسية بالتلفزيون وسناء عباس منتجة البرنامج لاستضافة عدد من الضيوف من كل القوى السياسية.

كانت الحلقة الأولى مناظرة بين البروف إبراهيم غندور الأمين السياسي للمؤتمر الوطني والسيد أتيم قرنق القيادي بالحركة الشعبية بحضور واسع للصحافيين المختصين بتغطية ملف الشراكة، حظيت الحلقة بمشاهدة عالية من الجمهور.

كانت الترتيبات المطروحة استضافة دكتور نافع علي نافع نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب والسيد باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية.
 لم تنجح الاتصالات مع دكتور نافع لمشغولياته العديدة، لكن باقان وافق بشرط أن يكون دكتور نافع هو المناظر له لا غيره.
 تم النقاش بين فريق البرنامج على استضافة باقان مع مجموعة راجحة من مناصري "الوطني" من الصحافيين. وأخيراً تم الاتفاق على جعل بعض رؤساء التحرير مناقشين لباقان.
ومضى الترتيب للحلقة ولكن دون سابق علم أو إخطار يصل الأستاذ غازي سليمان لمباني التلفزيون للمشاركة في البرنامج.
قلت لطاقم البرنامج "أنا كمقدم ومعد للبرنامج لم اقترح مشاركة غازي، من الذي فعل ذلك من وراء ظهري؟!"

اشتد النقاش بيننا وانتهينا بأن يجلس غازي مع المشاركين من رؤساء التحرير.
وحينما اتجهت مع الضيف إلى منصة البرنامج، فاجأني وجود كرسي ثالث، وحينما سألت عن الكرسي الثالث عرفت انه وضع لغازي سليمان ليجلس في مناظرة باقان!
 غادرت المكان وذهبت لمحمد خير وقلت له بوضوح "ليس من الذوق ولا الكياسة أن تضعني والضيف في مواجهة ثالث دون علم مسبق.. إذا لم تراعِ لشخصي فيجب مراعاة الاتفاق الذي تم مع الضيف" ، وبعد نقاش وجدال من قبل محمد خير الذي يبدو أنه شعر بعدم توازن الحلقة فأراد أن يعالج الوضع بهذه الطريقة الشائهة، بأن يأتي بغازي في مقابل باقان وأراد مفاجأة الجميع بالخطوة حتى لا تكون هنالك مساحة للمراجعة أو المعالجة على سياسة الأمر الواقع ويُخرج نفسه من الحرج الوظيفي.

قلت لمحمد خير إذا لم تسحب الأستاذ غازي مع الاحترام لشخصه من البرنامج فسأنسحب، لأن ما تم لا فيه احترام لي كمعد ومقدم ولا للضيف ولا للأستاذ غازي الذي تم إخطاره بأنه سيكون في مناظرة مع باقان،وهذا غير متفق عليه.
 تدخل بعض الأخوة وتم الاعتذار لغازي الذي خرج غاضباً. ويبدو أنه اتصل بالزميلة (الانتباهة) وقال لهم إنه منع من مناظرة باقان. وغازي معذور في ذلك لأنه لم يكن يعلم أنه مدعو لمعالجة وضع خاص بتخوفات إدارية. لذا فقد سارع بالوعيد والتهديد بأنه سيكتب مقالا ليروي ما حدث له.
اتصلت بغازي وشرحت له كل الملابسات، وتفهم وجهة نظري التي لم تكن تستهدف شخصه الكريم.

البرنامج شهد لحظات توتر أخرى إذ أن المناقشات في موضوع غازي أضاعت جزءاً كبيراً من زمن البرنامج الذي كان على موعد مع الهواء المباشر حتى تبقى زمن محدود.
وكانت هنالك عوامل أخرى لا داعي لذكرها، فعرضنا على باقان أن تُسجل الحلقة لتبث لاحقاً ، أصر باقان على البث المباشر لأنه لا يثق في التلفزيون، بعد نقاش وتعهدات بعدم السنسرة وافق على التسجيل.
كانت هنالك مشاكل واضحة في الصوت أثناء التسجيل، الأمر الذي أدى لإيقاف الحلقة عدة مرات.

انتهى البرنامج بعد حوار ساخن ومواجهة مفتوحة بين باقان والمشاركين، احتمى فيها الضيف من الهجوم الكثيف بالتاريخ، وعدم التعامل مع الأسئلة الملغومة والالتجاء للعام والمطلق وهي تكتيكات يجيدها الرجل جيداً.

وبعد نهاية الحلقة، علمت من بعض الفنيين والزميلة سناء عباس أن الجزء الأخير به مشاكل فنية بالصوت ولكن توجد إمكانية للمعالجة، الغريب أنني لم أجد الزميل محمد خير في انتظارنا فقد غادر المكان وأغلق هاتفه النقال.
ويبدو أن الريبة تسللت للسيد باقان وأعضاء مكتبه خاصة الأخ والزميل عاطف كير، الذي لعب الدور الأكبر في الحصول على موافقة باقان بالمشاركة في الحلقة، فاتصل بي هاتفياً وطلب مني إبلاغ إدارة التلفزيون بعدم رغبتهم في بث الحلقة. وحاولت إثناءه عن القرار، لكنه كان مصراً على موقف منع البث، أخطرت الزميل وليد بذلك وقال لي بأن قرار البث أو عدمه ملك للتلفزيون وأن الحلقة "ستبث غداً".

وفعلاً بُثت الحلقة ونقلت إفادات باقان الأساسية بالكامل وتم حذف الجزء الذي انقطع فيه الصوت وهو مداخلات الحضور وتعليق باقان عليها.
وقال لي وليد إن ما حُذف لا يتجاوز الدقائق السبع، قلت له كان من الأفضل أن تبث كاملة مع عدم الصوت وألا تحذف هذه الدقائق لأن ذلك سيفتح الباب أمام شكوك الضيف، الذي كان يتابع بهدوء ثلجي تداعيات الكواليس.
المهم انتهت الحلقة وتم بثها بعد أن كادت أن تفسد علاقتي بالأستاذ غازي سليمان ونُجرح في مصداقيتنا أمام أنفسنا أولاً ثم مع الآخرين.