عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أصدقكم القول، لقد أصبت بحالة من الحزن والأسى. بل بحالة من التقزز والرغبة في الغثيان. وأحد الزملاء يعرض عليّ عبر موقع اليوتيوب تطبيق حكم بالجلد في أحد مراكز الشرطة بالخرطوم، على فتاة في العشرين من عمرها او يزيد، لا أعرف ماذا فعلت ولا بأي ذنب جلدت؟ ولكن ما رأيته مشهد لا تراه في أي مكان فيه احترام للانسان أو لقيم العدالة ومقتضياتها الاخلاقية.

في ساحة مركز الشرطة او المحكمة التي تجاور استاد الخرطوم، جلست الفتاة على ركبتيها في انتظار حكم الجلد، عدد من رجالات الشرطة كانوا ضمن الحضور، وعلى أسوار المبنى مجموعة من المواطنين وضعوا رؤوسهم على السياج الحديدي، يشاهدون السياط تنهال على الفتاة، ليس هناك مكان محدد للجلد، السوط يعبر على كل الجسد، الظهر والرأس والبطن، وصرخات الفتاة تشق جموع الحضور،
لتمتزج مع ضحكات رجال الشرطة. وأصحاب كرفتات وأقمصة بيضاء ضبطتهم كاميرا التاريخ داخل هذا الحدث المأساوي، وكاميرا مشاغبة كانت تسجل حالة الانفلات القانوني وذلك للتسلية فقط. وأحدهم يستدل بنص قرآني مقدس: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
ما حدث وتم توثيقه بكاميرا الهاتف السيار لا يثير جدلاً حول عقوبة الجلد ولكنه يوضح مدى الاستهانة بالضوابط القانونية والفقهية المرعية في العقوبة، بكل مقاييس الدين ومذاهب الفقهاء لا يمكن وصف ما يتناقله موقع اليوتيوب بأنه ممارسة تتقرب بها الدولة وأجهزتها العدلية إلى الله، الله طيب ولا يقبل الا الطيب من الأفعال والأقوال المنسجمة مع الطبيعة الانسانية والمتوافقة مع الفطرة السليمة.
ما اثبتته تسريبات ويكيليكس أنك لا تستطيع أن تفعل شيئا في هذه الكرة الأرضية وانت على ثقة كاملة بأنك في مأمن من الكشف والافتضاح، هي ثورة المعلومات والاتصال، ثورة في الأساس مضادة لسياجات التستر والاختفاء.
كثيرون يصيبهم بريق المنصب والنفوذ بحالة خدر، تجعلهم لا يشعرون بفداحة ما يفعلون، فتذهب سيرهم الى مضابط التاريخ حاملة معها آثار ما اقترفوا من آثام وما وقعوا فيه من أخطاء في حق الآخرين.
امريكا بكل قوتها وجبروتها وترساناتها الحمائية لم تستطع أن تحمي خطاباتها الداخلية، من دقات معدودات على الكيبورد بأصابع الشاب الأسترالي جوليان أسانج.
يستطيع أي شخص بجهاز هاتف سيار صغير أن يوثق لجرائم كبيرة، يهتز لها الرأي العام، وذات الجهاز يمكن استخدامه لإيذاء الأشخاص والأسر والحكومات.

من الافضل للجميع محاصرة الأفعال الشائنة بالامتناع عنها لا بإخفائها، فعين التاريخ يقظة لا تغيب عن راداراتها لا صغيرة ولا كبيرة (أنْ تعبد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
مشهد الفتاة وهي تجلد بتلك الطريقة الوحشية من قبل اثنين من رجال الشرطة، على مقربة من استاد الخرطوم، وبحضور اصحاب الكرفتات والأقمصة البيضاء والتسلي بالمشهد عبر ممارسة هوية التصوير، والضحك على صراخ امرأة، كل ذلك يحدث في الهواء الطلق ويثير كثيراً من الاستفهامات حول ما يحدث داخل الأسوار والحراسات وبعيداً عن استادات كرة القدم وعدسات كاميرات الهاتف السيار!!
أين قادة الجهاز القضائي؟! وأين رجال ما تسمى بوزارة العدل؟! وماذا سيقول الفريق هاشم ومولانا عادل العاجب (يوم العرض) يوم لا ينفع الكاكي ولا تجدي الأوسمة والنياشين؟!!