عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
حادثة الاصطدام على صفحات الصحف.. بين عثمان نمر المدعي العام لجرائم الحرب بدارفور والوزير أحمد هارون وزير الدولة بوزارة الشؤون الانسانية.. في تأكيد الأول انه أخضع الثاني للتحقيق ونفي الثاني حدوث ذلك.. هذا الاصطدام المفاجئ يجب ان ينبه لأمر مهم.. يضاف اليه التضارب في أرقام المحتجزين على ذمة قضايا حرب دارفور بفارق رقمي غير قليل.
وهو أن من مصلحة الحكومة ألاّ تتبنى استراتيجية في الملف العدلي تتناقض مع استراتيجيتها في الملف السياسي..!
 لا يمكن تصور أن يمضي الخطاب العدلي في اتجاه رفض المحكمة الجنائية - بحجة عدم الاختصاص - ومع ذلك يتم التعامل مع قائمة اتهاماتها..!
كما والحكومة التي تصور عبر خطابها السياسي ملف الازمة في دارفور باعتباره مؤامرة أجنبية عابرة للحدود، تمضي أجهزتها العدلية، في مسار التماهي مع خط الاتهام الذي تتبناه المحكمة الجنائية - بصياغة أوكامبو- الذي يختزل كل ما حدث بدارفور في جرائم بعينها وشخوص بأسمائهم، قائمة  التي لا تبدأ بكوشيب ولا تنتهي بهارون..!
على الحكومة ان تختار واحداً من خطابين.. إما الخطاب السياسي الذي يتعامل مع الجنائية كمكيدة سياسية، أو الخطاب العدلي الذي يختلف مع الجنائية، في مكان المحاكمة - الجنينة أم لاهاي - ويتفق معها في اعتماد قائمتها الاتهامية ..!
الجمع بين المسارين، يضعف القضيتين السياسية والقانونية للحكومة معاً... فالخط السياسي سيتأثر سلباً بالتحركات القانونية التي ترفض الجنائية وتتعامل مع منتجاتها... والخط العدلي  سيصاب «ببلل» الظنون!
الأفضل للحكومة والأفيد لاستقرار الاوضاع في السودان بالحفاظ على اتفاقيات السلام والاسراع بوتيرة التحول الديمقراطي، ان تكتمل العملية السياسية في دارفور وعلى ما يتحقق - من طمأنينة -  تنصب موازين العدالة القضائية والمجتمعية..!
فالحكومة في ظل الأوضاع القائمة بدارفور- بتعقيداتها المختلفة - يستحيل عليها أن تطبق العدالة القضائية بصورتها المثلى، إلا بعد تحقيق السلام، واستتباب الأمن، واذا حاولت ذلك مع استمرار الحرب ستستدير عليها كثيراً من البنادق الصديقة في الداخل، وستشتبه مجهوداتها القضائية في الخارج، بوصفها محاولة ساذجة  للضحك على عقول الآخرين..!
المزاوجة والمزامنة بين السلام والعدالة مضرة بالنسبة للحكومة وللمجتمع الدولي معاً.. فهي تفقد الحكومة سندها السياسي وتجردها من المصداقية العدلية.. وتجعل المحكمة الجنائية - أداة المجتمع الدولي لتطبيق العدالة -  سلاحاً من أسلحة الحرب..!
وأوضح نموذج لذلك امتناع جوزيف كوني زعيم جيش الرب اليوغندي عن التوقيع على اتفاق سلام يكون هو أول ضحاياه..!
 العالم الآن يتابع نتائج الجنائية في يوغندا.. فقد اشتد نشاط جيش الرب وازدادت أعداد الضحايا في شمال يوغندا وشرق الإستوائية في جنوب السودان  وفي الكنغو.. وافادت تقارير أخيرة بانتقالهم الى دارفور!
حدث ذلك واتفاق السلام بين الحكومة وجيش الرب - برعاية رياك مشار وشركائه - لم يبق عليه سوى توقيع صغير، من جوزيف كوني.. ولكن طموحات لويس مورينو أوكامبو - بابتسامته العقابية الباردة - وسعي المحكمة لإثبات وجودها -بأي ثمن -  أهدرت فرص السلام ومددت أزمنة الحرب والاقتتال في يوغندا.. وها هي تنتقل بعروضها إلى السودان!