عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قصتي مع وثيقة الجواز السوداني مثيرة ومضحكة، وكانت لفترة مصدر تندر أصدقائي وأسرتي، فقد كنت حريصاً ألا يعلم بها بعض طوال اللسان وقليلي الإحسان من الأصدقاء، ولكن بعد أن أصبحت القصة شائعة بين أولئك، يضيفون إليها من توابل سخريتهم الكثير، لا مانع الآن أن أشركك فيها عزيزي القارئ. فلن تكون أكثر قسوة منهم ..!

في زيارتي الأخيرة للدوحة كنت في ضيافة عدد من الأصدقاء من الإعلاميين السودانيين. والسودانيون في الخارج أولي كرم وشهامة يمكن أن تصل حد الإضرار بصحتك ووقتك وجواز سفرك!

في اليوم الثاني للزيارة فقدت جواز السفر. بحثت عنه في كل مكان محتمل. ولكن دون جدوى. أقلقني هاجس إحتمال أن يكون الجواز قد سرق!

تذكرت قصص الجوازات المزورة وإستغلالها من قبل شبكات الإجرام العالمي والتنظيمات الإرهابية. الأصدقاء بالدوحة سعوا معي في فتح البلاغ، المهم في الأمر أنني لم أجد جوازي الضائع حتى الساعات الأخيرة للسفر.

لم يعد أمامي سوى إستخراج وثيقة سفر إضطراري من قبل الأخوة الكرماء بالسفارة. حينما نظرت للوثيقة قلت للأصدقاء البدوي يوسف والزبير نايل والطاهر المرضي بقناة الجزيرة: (أشك أن تكون هذه الورقة في زمن إختطاف الطائرات وفوبيا المطارات ان تكون قادرة على منح السماح لشخص بطولي وعرضي بأن يصعد الى طائرة في مطار دولة مهمة مثل قطر).

وفي يوم السفر وفي صحبة الأصدقاء ذهبت للمطار. وبعد الوداع وصعود الحقائب، تأكدت توقعاتي. فبعد الإطلاع على الوثيقة تغيرت طريقة تعامل رجال الجوازات، وتم إبعادي سريعاً عن بوابة الدخول. وبعد إتصالات وتلفونات جاء الكلام الأخير ليفيد، بأن هنالك إجراءات تكميلية يجب أن تضاف للوثيقة وأن ذلك لا يمكن ان يحدث إلا في اليوم الثاني.

في اليوم الثاني أكملت الإجراءات ومضيت داخل صالات مطار الدوحة الدولي، ثقيل الخطى، سريع دقات القلب، في كل لحظة انتظر صوتاً يرجعني للوراء، لإبداء ملاحظة أو تسجيل إعتراض.

الغريق قدام عزيزي القارئ. صعدت إلى الطائرة بفرح وسرور. وفاضت سعادتي بوجود الدكتورة ناهد ابنة أستاذي ومدير مدرستي بالمناقل الثانوية الأستاذ محمد الحسن فضل، أحد علماء بخت الرضا ،وناهد الطبيبة المثيرة للجدل كانت زميلة شقيقي دكتور معتز بطب الجزيرة، بدأت بيننا الونسة والنقاش في الأدب والشعر وروايات باولو كويلو، واثناء ذلك حكيت لها قصة ضياع الجواز وأطلعتها على الوثيقة. مسكت الورقة بيدها، وبدأت على الطريقة السودانية تروي لي قصصاً مماثلة. أثناء ذلك اختلطت وثيقتي الإضطرارية مع ورق دكتورة ناهد والتي عند هبوط الطائرة أدخلت كل الورق بحقيبتها، وافترقنا عند السلم.

وعند وقوفي امام شرطي الجوازات طفقت ابحث عن الورقة الإضطرارية فلم أجدها.

وجدت صعوبة كبرى في شرح قصتي لمسؤول الجوازات عن فقدان الجواز ثم فقدان ورقة الفقدان..!!

المهم اخيراً أخبرتهم بما حدث. كان من الصعوبة عليهم تصديقي. بدأت حركة بحث شاملة داخل الطائرة وفي أرضية الهبوط وبالصالة دون جدوى اخيراً تعرف علي عدد من الضباط واختلط عندهم الضحك المتعاطف بالإبتسامات الساخرة بعبارات الإحترام والتقدير!!

تمت معالجة الوضع وخرجت من المطار. وأنا في العربة تلقيت إتصالاً من الدكتورة ناهد تقول إنها وزوجها دكتور شمس الدين لم يرياني عند الخروج، أخبرتها بالقصة. تذكرت الدكتورة أنها وضعت الورقة- التي أصبحت غير ذات جدوى- بحقيبتها، ضحكنا وانتهت المكالمة.

بعد شهر من تلك الوقائع اتصل بي كفيلي بالدوحة الصديق فوزي بشرى، وقال لي ضاحكاً مع شعور بالحرج: (لقد وجدت زوجتي الفضلى جواز سعادتكم بدولاب غرفتنا. الظاهر انو اثناء ما أنا بكمل ليك اجراءات السكن في شقق قناة الجزيرة قمت ساهياً بوضع جوازك بجيبي، وعندما عدت الى البيت قامت زوجتي بوضع الجواز بالدولاب).

بعد أن أرسل لي الصديق فوزي بشرى جوازي الذي أخذه سهواً كما يفعل مع مفاتيح أصدقائه الذين يروون عنه قصصاً وحكاوي في (النسيان) غير قابلة للتصديق، كحال كثير من المبدعين، اذ أن كتابة التقارير الرائعة مثل تقرير تنصيب أوباما التي تعتبر بشهادة الجميع الأميز في كل القنوات العربية، لاتترك في ذاكرة فوزي مساحة للأشياء الصغيرة!! حمدت الله على عودة الجواز، وبدأت في إجراءات رفع الحظر الذي صدر بالدوحة وأرسل الى الخرطوم. اقترح علي البعض أن ألغي جوازي القديم المحظور أصلاً، وأن استخرج الجواز الاليكتروني الجديد. وبالفعل قمت بذلك ووضعت الجواز القديم في إرشيف الذكريات.

قبل أيام وأنا أستعد للسفر لأمريكا اطلعت على خبر بالصحف يفيد بأن السفارة إلامريكية ترفض التعامل مع الجواز الاليكتروني الجديد لملاحظات فنية عليه. وتردد على نطاق واسع كذلك، أن بعض الدول عبر سفاراتها بالخرطوم قد قامت بتسجيل اعتراضات عليه!!

قمت بالإتصال ببعض الاخوة بالسفارة الامريكية بالخرطوم، وعلمت منهم أن التحفظ الأساسي هو على كتابة الاسم رباعياً باللغة العربية، وكتابته ثنائياً باللغة الإنجليزية. وقيل إن بعض الدول العربية اعترضت على عدم وجود مهنة صاحب الجواز.

وكان الغريب جداً بالنسبة لي التصريح الذي صدر من اللواء أحمد عطا المنان مدير الإدارة العامة للجوازات الذي نفى تسمية ما بالجواز من إشكاليات بالأخطاء، واختار كلمة مخففة جداً وهي أن لبعض الدول الغربية والعربية (ملاحظات!!) على البيانات الواردة في الجواز! وأن وفداً من إدارة الجوازات سيسافر لألمانيا للجلوس مع الجهة المنفذة لمعالجة كل (الملاحظات!!).

من المعلوم أن الإدارة الحالية للجوازات ليست مسؤولة عن هذه الأخطاء أو ما اسماها سعادة اللواء (بالملاحظات)، ولكن من الواضح ان هناك جهة بالداخلية في فترة محددة، تعاملت مع هذه الوثيقة المهمة والخطيرة بعدم مبالاة،وهي عادة سودانية كان أوضح تجلياتها في الإنتخابات الأخيرة في قصة بطاقات الإقتراع وما حدث فيها من (أخطاء) أو (ملاحظات) كانت سبباً مباشراً في إعادة الإقتراع في عدد من الدوائر!

ويبدو أن الإتكالية وتفويض الصلاحيات مع الإحتفاظ بالإمتيازات على طريقة: (كل شئ تمام يا أفندم) ،هو السلوك الغالب في كثير من أجهزة الدولة.

خاصة وان (ملاحظات) تلك الدول قيل إنها وصلت للداخلية السودانية في مرحلة إعداد الجواز.

ألم يكن من الممكن أن تكون الاسماء رباعية أو ثلاثية في الكتابة العربية والإنجليزية معاً، إما بتصغير البنط أو زيادة حجم الجواز، مع زيادة ثمنه كذلك إذا كان الإعتبار إعتبار تكلفة؟!

ألم يكن من الممكن ألاخذ بتجارب عدد من الدول إذ يختصرون الأسماء. ففي حالة وجود شخص مثل (عمر عبد الغني أحمد الحسين) فهم يستخرجون له جوازاً باسم (عمر عبد الغني الحسين) وتكفي المساحة المخصصة لأنهم يستخدمون لغة واحدة..

وبالنسبة لبعض الدول التي تستخدم لغتين رسميتين أو أكثر، فإن جوازات السفر بلغة واحدة هي الإنجليزية، كما يحدث في الهند وجنوب افريقيا وإريتريا وإثيوبيا.

الجواز وثيقة للتعامل مع الآخرين لا للتعامل داخل الحوش الوطني، فتقديرات وملاحظات الآخرين يجب الأخذ بها، لا توجيهات المسؤولين العابرين على المقاعد، والباقين فينا بأخطائهم العظام!!