عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بحسابات يمكن تفصيلها.. الخطوة التي اتخذتها الحكومة بإطلاق سراح الدكتور حسن عبد الله الترابي تعتبر خطوة مُوفقة.
حتى إذا لم يكن الغرض منها تدعيم سياسة الانفتاح على الآخر المحلي أو تأمين سلامة وضعه الصحي..!
السبب الأساسي الذي يعطي الخطوة قيمةً ووزناً، هو أن خط الحكومة في مُواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية، يعتمد على محاكمة أخلاقية، تشكك بقوة في عدالة المحكمة، لأنها تميز بين الدول والرؤساء بالمقدار والوزن وطول الذراع..!
ولا تكتمل حجة الحكومة ولا يستقيم منطقها، إذا كانت ممارستها في الداخل مع خصومها، تقوم على ذات النهج الذي تعترض عليه في تعامل الآخرين معها..!
الحكومة اختارت الطريق الصحيح.. عندما اتجه خطها السياسي للاقتراب أكثر من معارضيها، مع اظهار ما تُحظى به من سند شعبي في العاصمة ودارفور، سند شعبي يرى في مذكرة الجنائية مشروعاً لصناعة فوضى لاتسعد  بها سوى طيور الشؤم..!
تصريحات عبد الباسط سبدرات وزير العدل  للـ (بي. بي. سي) أمس ربما قدمت ملامح لسياسة جديدة.. الرأي وحده لا يمثل جريمة.. من حق الترابي وغيره إعلان مساندتهم للجنائية. ولكن الحكومة لن تسمح باستغلال تلك المظلة للقيام بعمليات تخريب أمني أو سياسي يهدد سلامة البلاد.
من الواضح أن الحكومة وصلت لقناعة قاطعة، بأن من يتبنى خيار مسايرة الجنائية، سيعود ذلك الموقف عليه بخسران جماهيري، سيكون حزب المؤتمر الوطني - الشريك الأكبر في الحكم - أسعد الأحزاب به في الانتخابات المقبلة.
يان برونك المبعوث السابق للأمم المتحدة بالسودان أدرك ما ستفضي اليه مذكرة الجنائية.. فقد قال لصحيفة «التلغراف» الهولندية : (لن تتم محاكمة الرئيس السوداني في لاهاي، لكونه يعيش آمناً في وطنه. وهو قليل السفر للخارج، وحتى إذا قرر الرئيس السفر لدولة أفريقية فلا خوف عليه.. فكل دول الإتحاد الأفريقي تقف من خلفه. كما وأن صدور أمر القبض في حق الرئيس السوداني قوّى من موقفه داخلياً وأفريقياً).
نعم.. برونك له معرفة واسعة ودقيقة بالسودان ويعرف كيف تتشكل قناعات الجماهير في تلك البلاد، التي عمل بها لأكثر من عامين.. وانتقد برونك في ذلك الحوار لويس مورينو أوكامبو الذي  بدلاً من أن يجعل من المحكمة الجنائية أداة من أدوات العدالة حوّلها لسلاح من أسلحة الصراع..!
الحكومة الى الآن تدير معادلاتها الداخلية بمهارة.. وان كان مسعاها الدبلوماسي لا يزال يعاني البطء والارتباك.. ومسارها القانوني يواجه تحديات بالغة التعقيد.
ولا جدوى للدراسة التي يجريها وكيل وزارة العدل لمقاضاة الجنائية أمام محكمة العدل الدولية..لأن أول سؤال سيواجه مولانا زمراوي - قبل ان يقوم من مقامه ذلك - ماذا إذا جاء قرار محكمة العدل بصحة اجراءات الجنائية.. هل ستمتثل الحكومة..؟!!
ليس من المنطق أن يختار البعض مواجهة المحكمة الجنائية بفتح بلاغ ضد أوكامبو بقسم شرطة الخرطوم شمال.. ولن يلحق ضرراً بسلامته الشخصية.. إذا أصدرت كل المجالس الدينية فتوى بإهدار دمه..!
نائب الرئيس الاستاذ علي عثمان حدد في مؤتمره الصحفي الاخير ميدان المعركة السياسية المقبلة.. وقال إنه بالخارج في مجلس الأمن.. قال ذلك لأنه يدرك تماماً ان الحلول الضائعة يتم البحث عنها في المكان الذي يفترض وجودها فيه لا تحت (أعمدة النور) بشوارعنا الداخلية، حيث نتمنى أن تكون هنالك..!