ما وراء الاخبار

صعدت دون مقدمات النبرة الدينية في خطاب عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان وهو يصف في حديث لـ (البي. بي. سي) قرار المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس عمر البشير بأنها (عدالة السماء)، ولكن من الصعوبة تصور أن ما حدث أمس بلاهاي، يمكن ان تنطبق عليه تلك الصفة. فعدالة السماء لا تطبق بانتقائية تستثني طرفاً وتشد على آخر...!
وربما المثير للدهشة في بيان المحكمة انها لم تصل بعد ليقين قاطع بأن الرئيس البشير قد شارك بصورة (مباشرة او غير مباشرة) - حسب البيان - في الجرائم التي تقول انها ارتكبت في دارفور.
ولخطورة  الخطوة وما يمكن ان يترتب عليها من ما يصعب علاجه بعد اكتشاف الحقائق، كان على محكمة الجنائيات الدولية، ان يكون في يديها من الأدلة ما يحسم ان كان البشير قد شارك فعلاً في ارتكاب الجرائم التي اشارت اليها أم لا؟..
فليس من المنطق ان يتخذ القضاة قراراً بمحاكمة رئيس دولة أثناء فترة حكمه دون ان يتوافر لهم بالقطع - لا الاشتباه - طبيعة وحدود الجرم الذي قام به.
ربما ان العالم أجمع كان في انتظار بعض من الادلة التي تسوق اخضاع الرئيس البشير للمحاكمة، حتى يجد للجنائية عذراً، في تجاهلها لكل التحذيرات التي كانت تنبه لخطورة توقيف الرئيس البشير على مجمل الأوضاع في المنطقة لا في السودان فقط..!
ذلك لم يحدث.. فقد جاء البيان مقتضباً وعاماً لا يصلح كحيثيات أولية لادانة (نشال) بسوق شعبي لا برئيس جمهورية يرعى ويضمن حزمة من اتفاقيات السلام التي لا تخلو من هشاشة.
الطريقة التي أخرج بها قرار المحكمة الجنائية الدولية أمس المتعلق بتوقيف الرئيس البشير، كانت تستبطن في بعض تفاصيلها، ما يوحي بوجود رغبة ملحة لدى المحكمة ومدعيها العام في الانتصار لكيان المحكمة كوجود أكثر من الرغبة في تطبيق العدالة كمهمة.
ربما السبب الأساسي أن هذه المحكمة لأكثر من خمسة أعوام ظلت تتلقى كامل الدعم دون أن تنجز من المهام شيئاً يذكر.
إشارة البيان لضرورة تعاون الحكومة السودانية مع المحكمة في تسليم البشير يحمل رسائل غير حميدة .. فالمعروف أن السودان دولة رئاسية والبشير قائد عام الجيش، فبذا لا يمكن تنفيذ هذا الطلب الا عبر عمل غير مدني..!
كذلك العشوائية التي درج مدعي لاهاي في التعامل بها مع الارقام تعطي انطباعاً قوياً، بأن الرغبة في الإدانة تسبق الأدلة. فقد كرر لويس أوكامبو أمس ان أكثر من خمسة آلاف يقتلون بدارفور شهرياً. وهذا رقم  يصل الى حد المبالغة.. لسبب بسيط جداً. وهو انه منذ ذكر الرقم - أول مرة - وبتتابع رياضي، لكانت خلت دارفور من السكان تماماًً.
اذا لم يكن أوكامبو دقيقاً في الأرقام كيف يمكن تصور دقته في الأحكام..!
كان يمكن أن تكون المحكمة الجنائية الدولية، هي المكان المناسب لمحاكمة الزعماء الذين  يسرفون في استخدام العنف ضد شعوبهم، لولا انتقائيتها الفجة التي تميز بين الدول والرؤساء بالمقدار والوزن وطول الذراع.. فالمحكمة تبدو تماماً كنادٍ أبيض بأذرع ملونة، يسعى لتبرير وجوده بارتكاب أكبر الحماقات..!