كتب رتشارد داودن، الصحفي البريطاني المخضرم ورئيس الجمعية الملكية الافريقية، الأسبوع الماضي كلمة ناقدة لام فيها الصفوة السياسية في جنوب السودان على إهمال دروس خمسين عام من الاستقلال الافريقي وتجارب حركات تحرير شتى في القارة تشترك جميعها في ذنب التكالب الدموي على السلطة دون اعتبار لما يجني مواطنيها من صنوف الأهوال جراء مثل هذه المغامرات. قال داودن أنه زار جنوب السودان أوان الحرب بين جناح رياك مشار المنشق عن الجيش الشعبي لتحرير السودان والجيش الأم بقيادة المرحوم جون قرنق أول التسعينات، "حرب المثقفين" أو "حرب الدكاترة" في الذاكرة الجنوبية، فعاد مقتنعا أن جنوب السودان متى حقق الاستقلال ستطحنه الصراعات الداخلية. سأل داودن، ماذا تعلمت أحدث حكومات افريقيا وأحدث حكامها من خمسين عام من الاستقلال السياسي في القارة؟ وأجاب في آخر كلمته "لا شئ."
طرافة كلمة داودن أنها جعلت استقلال جنوب السودان بلا تاريخ سوى التقويم الأميركي، قال أن جنوب السودان شُق بمضع جراحين أميركيين، كشكول مشجعين من الأميركيين من أصول افريقية ومبشرين مسيحيين من أهل الشدة اليمينية بالإضافة إلى سياسيين طموحين، أفلحوا في إقناع في إدارة بوش الإبن ومن بعده أوباما بضرورة فصل جنوب السودان عن السودان. رد داودن هذا النجاح إلى مقولتين شكلتا برأيه عماد الدعوة السياسية إلى استقلال جنوب السودان وجذبت إليها المناصرين، الرق والاضطهاد الديني، استرقاق الجنوبيين الأفارقة بواسطة الشماليين العرب واضطهاد الجنوبيين المسيحيين بواسطة الشماليين المسلمين.
داودن العليم ولا بد بسيرة الاستعمار البريطاني في السودان وجنوبه المستقل بإيده وشديده أهمل سهوا أو عمدا صناعة الدولة في جنوب السودان على يد ضباط الجيش البريطاني المنتدبين للخدمة في الأقاليم الجنوبية، حكاما أسيادا لا يصوب جنونهم عقل ولا يلجم سلطتهم الإمبراطورية على البشر والطبيعة حدود سوى العجز عن فرضها. هؤلاء الأشاوس، من اشتهروا بلقب "بارونات المستنقعات" في "قطيعة" الإدارة الاستعمارية، هم في واقع الأمر أسلاف كير ومشار السياسيين لا مشايخ الدينكا والنوير من محترفي الديمقراطية الشعبية إذا جازت العبارة. من أراد دروس خمسين عام من الاستقلال الافريقي عليه أن يبدأ في حالة جنوب السودان بدروس خمسين قبلها من الاستعمار البريطاني، بعضها مبذول برشاقة في كتاب روبرت كولنز "ظلال في الحشائش: بريطانيا في جنوبي السودان 1918 – 1956" (1983).
اختصر كولنز خطة الإدارة البريطانية لجنوبي السودان في عبارة "الإهمال الرحيم"، وهي عبارة ملتبسة، فقد أهمل البارونات كل شئ عدا البنادق ولم تأخذهم رحمة قط بمن سولت له نفسه تحدي سلطتهم؛ سيرة الحكم البريطاني لجنوب السودان في جلها غزوات حكومية لقمع "الاضطرابات" وأخرى للصيد اللاهي. فرض البارونات على الجغرافية والناس تحت إمرتهم عزلة مجيدة، ليس فقط عن جيرة الجنوب الشمالية بل عن العالم الخارجي وما يجري فيه من تحولات. حكموا في شرح كولنز كأسياد أفراد وتعززت لديهم روح الاستبداد الأبوي تجاه "رعاياهم" نظرا لتدريهم العسكري والمعارف المحلية التي اكتسبوها بالمعايشة الطويلة فميزتهم عن غيرهم من الإداريين في سلك خدمة السودان السياسية. سوى ذلك، ترك الضباط هؤلاء كل ما يتصل بالصحة والتعليم وخدمة الناس إلى متبرعي الجمعيات التبشيرية أما التنمية الاقتصادية فلم ترد في خاطرهم أبدا إلا أعوام قليلة قبل الجلاء، مشوشة فوقية. بهذه السنن أخذت صفوة جنوب العسكرسياسية، بارونات اليوم، ميزانيتهم للبندقية وما عدا ذلك من أغراض الدولة متروك لجيش "النشطاء" من كل نوع، منظمات ومبشرين ومحسنين ومغامرين.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.