كفى بك داءً

أفتى نائب الرئيس على عثمان محمد طه الإثنين الماضي فتوى فذة؛ قال في نقل جريدة الجريدة "لو لم يكن هنالك قابلية في المجتمع لنزع الحرية لما قامت الأنظمة الديكتاتورية"، ذلك ضمن محاضرة له عن الشباب والنهضة على هامش مؤتمر الاتحاد الوطني للشباب، تنظيم الشباب الحكومي، بقاعة الصداقة. حث النائب الأول الشباب على مقاومة الديكتاتورية باعتبارها من مثبطات النهضة مقرا في ذات الوقت بفشل الأنظمة الاسلامية وداعيا إلى فقه سياسي جديد ومتجدد كما قال. نادى النائب الأول: "علينا أن نقدم الإسلام السياسي في صورته الحقيقية التي لا تعني إقصاء الآخر أو مواجهته أو صدامه"، وانتهى إلى نفي سؤال الهوية من المقرر فقال لا طائل منه ولا نفع ليعلن بعدها بثقة الهوية الجمة: "نحن مسلمون وأفارقة وعرب وأمميون،" وبنصلح السرااايير!
فتوى "قابلية القهر" التي يدين بها علي، وتساعده ربما على هضم تاريخه السياسي، بين مجلس نميري وقصر البشير مرورا بكبري الترابي، رائجة في أكثر من نسخة، منها الأكاديمي كمثل الزعم بوجود عقل عربي محدد الخصائص وآخر إسلامي وافريقي في مقابل العقل الغربي، ومنها الدارج كمثل قولنا "أصلو السودانيين ديل...". في هذا الخصوص، لم ينفرد علي بشئ بقدر ما عبر عن مزاجه الطبقي إذا جازت العبارة، سبقه في ذات المضمار مؤخرا غازي صلاح الدين العتباني الذي أفتى هو الآخر أن الأزمة التي تعاني منها البلاد أزمة فكر في المقام الأول، أو في صيغة أخرى أزمة "العقل السوداني".
تفوقت على الإثنين أمل هباني التي كتبت قبل أيام كلمة في جريدة التغيير بعنوان "التغيير لن تصنعه الأكثرية غائبة الوعي"، أعلنت فيها أنها أقتنعت بالرأي القائل "أن الأكثرية المسحوقة وغائبة الوعي لا يصنعون ثورة التغيير" وجعلت محلهم "تيارات الوعي والاستنارة من النساء والرجال" الواعين بحقوقهم على خلاف المواطن السوداني الذي يبتعد عن هذه الحقوق "آلاف السنين الضوئية" كما عبرت. الأكثرية، عند أمل، لا يعون ولا يعرفون لأنفسهم حقوقا شاهدها في ذلك أن "الأغلبية الخائفة والأكثرية الغائبة والمغيبة الوعي" لم تنتفض على الحكومة القائمة منذ أكثر من عشرين سنة وهي "تقدل من فشل لأفشل ومن سئ لأسوأ"، بما في ذلك القرار المرتقب برفع الدعم عن المحروقات.
للشاعر الشيوعي برتولت برشت قصيدة غراء بعنوان المخرج تقول: بعيد انتفاضة 17 يونيو وجه سكرتير رابطة الكتاب بتوزيع منشورات في جادة ستالين جاء فيها: "بما أن الشعب قد أهدر ثقة الحكومة فيه فلا سبيل لاستعادتها سوى العمل المضاعف".أليس أهون أن تُسَرِّح الحكومة شعبها وتختار لها آخر! يبدو أن الشعب قد أهدر ثقة الحكومة فيه وكذا الصفوة "الواعية"، لخبط المشروع الإسلامي حتى صار ديكتاتورية لا تستتر بشهادة علي، وأشاح عن الفكر حتى استفحلت أزمته بزعم غازي، ثم نام عن حقوقه لا يلوي على شئ حتى فقدت أمل الأمل. قال المرحوم محمد ابراهيم نقد لصحفي مرة "شوية ماركسية ما بتضر"، وربما نفعت الثلاثة في قلب منطقهم الواقف على رأسه. (يتبع)



Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]