كفى بك داءً

تسلم الثلاثاء الفريق أول ركن مهندس مصطفى عثمان عبيد قيادة هيئة الأركان المشتركة من سلفه الفريق أول ركن عصمت عبد الرحمن في مراسم جرت بحضور القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير عمر البشير ورفيقيه وزير الدفاع الفريق أول ركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين ووزير رئاسة الجمهورية الفريق أول ركن بكري حسن صالح إلى جانب رؤساء هيئة الأركان السابقين وكبار ضباط الجيش، وكذلك مدير عام الشرطة الفريق شرطة هاشم عثمان. انغز في وسط هذا الحشد من الضباط والي جنوب كردفان أحمد هارون بلا سبب ظاهر وغاب عنه مدير عام جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول أمن مهندس محمد عطا المولى عباس بلا عذر معلن.
في رقبتك يا مصطفى قيادة أركان الجيش ومعها مسؤولية ثقيلة عن الدم المسفوح بين بني وطنك، فالسلاح الذي تحت إمرتك مصوب كله نحو صدور وديار سودانية ليس لها الساعة من خير الوطن سوى سلاح مضاد في دورات حرب لا تسكت إلا لتنشط أشد أوارا وأوسع ميدانا، فما تدبيرك؟ لهذه الحروب جذور بعيدة في اقتصاد الوطن السياسي وتركيب الدولة القائمة فيه لا سبيل لجزها هكذا بسكين الجيش مهما طالت أو طارت، وورطة الجيش فيها من ورطته في شأن السياسة. شاهد ذلك أن الجيش لم تسكت مدافعه سوى سنين معدودات منذ ميلاد الوطن المستقل وها هو اليوم في السودان "الجديد" الذي استقلت عنه أقاليمه الجنوبية دولة قائمة بذاتها يحارب ما يزال.
ألا يشغلك يا مصطفى أن الجيش فقد منذ أمد بعيد احتكاره لقوة السلاح، ليس فقط لخروج قوى سياسية محاربة على سلطة الدولة بل لأنه صار موزعا للسلاح يمده لكل مقاتل كيري أو شبه ذلك في أرياف السودان الملتهبة. سلطت ديموقراطية البنادق هذه على مواطنيك في دارفور مليشيات تنافس وحدات الجيش في الشوكة العسكرية حتى صار كل نزاع صغر أو كبر سببا للحرابة والسلاح ذاته قرين للمسبحة والحجاب بل أداة من أدوات الإنتاج ليس من رجل وإلا في عنقه دم آخر. لا عد ولا حصر لمسارح القتال الأهلي هذه، وآخرها داحس وغبراء بني حسين والرزيقات، وبني هلبة والقمر، والمسيرية والسلامات على صاج الموارد الحراقة. لا يغيب عنك بطبيعة الحال أن هذا الاقتصاد الدموي أهلك جزءا مقدرا من رصيد القوات المسلحة التي قال وزير الدفاع أن عددا متعاظما من جندها المحترفين هجروا الخدمة العسكرية إلى معيشة التعدين الأهلي وبالضرورة القتال الأهلي كذلك.
اطلعت ربما يا مصطفى على تقرير مشروع مسح الأسلحة الصغيرة الأخير عن سير عمليات تسريح وإعادة دمج المقاتلين في صف الحكومة والحركة الشعبية (شمال) في جنوب كردفان والنيل الأزرق ففيه ما يهمك. أورد التقرير نقلا عن مسح اجتماعي أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أواخر عام 2012 أن 72% ممن أكملوا إعادة الدمج، أي الذين وجدوا معاشا لأنفسهم وأهليهم وتعليما لأولادهم، لم يعودوا إلى القتال وقد صاح صائحه، آثروا صناعة الحياة في الحيشان على صناعة الموت في مسارح العمليات. انتصر لهؤلاء يا مصطفى ولبني وطنك، الدم في الرقاب لا غسل له.

Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]