كفى بك داءً


أنكر الرئيس البشير في غمرة النشوة باسترداد القوات المسلحة السيطرة على أب كرشولا، أخت العباسية سيدة تقلي الدولة، مواطنة مسلحي الجبهة الثورية السودانية وعدّهم محض مرتزقة ارهابيين كما قال، ثم عفى "النوبة" بعبارته من مسؤولية التمرد مستشهدا بالسيدة تابيتا بطرس التي شقت صف الرجال خلفه لتهز بساعد النصر. بذات النشوة، أعلن الرئيس عدم استعداد الحكومة للتفاوض مع الحركة الشعبية قطاع الشمال أو حركة تحرير السودان لمني مناوي أو العدل المساواة لجبريل ابراهيم منفردة أو مجتمعة في الجبهة الثورية. أعاد حسبو عبد الرحمن صياغة إعلان الرئيس بتأجيل التفاوض حتى السيطرة على كاودا، معقل الحركة الشعبية في جنوب كردفان.
بشقه المواطنة إلى بينة للموالين ومشكوك فيها للمناوئين يكون الرئيس قد ماثل الحجة القائلة بتفوق "الافريقي" على "العربي" في ديار السودان، الأول ساكن أصيل والثاني مهاجر ملتبس الهوية، وهي حجة راجت عن الحرب في بلادنا باعتبارها نزاع بين عرب وأفارقة حتى ميس "الإبادة الجماعية". طال الاتهام مسلحي الجبهة الثورية في أب كرشولا أنهم قتلوا المدنيين بالهوية العربية، الأمر الذي ذكّر به الرئيس في خطابه، لكنه بدل أن يشير إلى منجى سلمي من وطأة هذا الدواس بالعرق بين أخوان في الوطن بعبارة الصادق المهدي تردى بالدولة التي يرأس إلى فصيل غالب بين فصائل متنازعة على جغرافية، كل يحشد من يليه لساعة القتال.
سقط في معمعة التحرير والتحرير المضاد قتلى لا يعرف حسابهم أحد، كلهم مواطنون سودانيون، وأشد من ذلك وأخطر تهديد الحياة المشتركة لأهل الجبال الشرقية وسهلها المجاور بأي هوية تسموا، وبينهم نسيج قديم من الاجتماع نشأت منه مملكة تقلي صنو سنار والفور. جبال النوبة ليست ثغرا أو منطقة تماس بل مستودع حضارة وتاريخ كما جرى القول على لسان المرحوم محمد ابراهيم نقد وهو يتحدث عن الحرب المركبة في دارفور قبل سنوات. تركت المعارك جثثا متجاورة محل الاجتماع، واستقطابا محوره العرق بين الناجين وريفا أحدث ما فيه السلاح لا وسائل الإنتاج.
تخوفت "حركة التغيير الآن" في بيان ناصح لها مشفق بتاريخ 16 مايو أن ترجيح الخيار العسكري في حل أزمة البلاد سيهوي بالدولة والوطن إلى حرب شاملة وخلصت إلى موقف متسق ضد أي بندقية يتضرر منها المدنيين في كل بقاع السودان وشعار سليم يقول "الدم السوداني واحد ولا نقبل له أن يراق من قبل أي من الأطراف". أول ذلك الاعتصام بحبل المواطنة لا نفي منها بهوية، فمتى طارت المواطنة طار الدم لا تحبسه ذمة، والأمثلة كثير، ليست روانده الهوتو والتوتسي أولها ولا سوريه العلويين والسنة آخرها.

Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]