كفى بك داء

تساءل مايك ديفيس في مقال بعدد يناير/فبراير من دورية اليسار الجديد إن كانت الانتخابات الرئاسية الأميركية العام الماضي آخر انتخابات "بيضاء" في تاريخ الولايات المتحدة، يقصد الأخيرة التي يستحوذ فيها الأميركيون من أصل أوروبي بفصل المقال في حكم البلاد وتدبير شؤونها. بحث ديفيس في مقاله التكوين الاجتماعي للقاعدة الانتخابية التي أتت بالرئيس أوباما أول مرة إلى البيت الأبيض ثم أعادته إليه. لمس ديفيس من دراسته نموا متصاعدا لتحالف سياسي عابر للإثنيات وجامع للمساكين نشأ مع أوباما واستقوى به، ولا بد سيحدد مسار العملية السياسية في الولايات المتحدة ما بعد أوباما. من جهة أخرى، خلص ديفيس إلى أن ألد أعداء أوباما من القطاعات الأكثر محافظة في الحزب الجمهوري خالصة البياض لم تعد تمثل الأغلبية الناطقة سياسيا، لا هي مستقبل الحزب الجمهوري ولا حتى ماضيه، وإنما في عبارته "غرغرينة" تشهد على تدهور الامبراطورية الأميركية.
ذكرتني قراءة ديفيس للأحوال السياسية الأميركية بنذير الأستاذة فاطمة أحمد ابراهيم لقادة الحزبين، الأمة والاتحادي الديموقراطي، منتصف التسعينات تتنبأ لهم بانقطاع السلطة أبدا، أو كما  نُقل عنها، "ما بشموها تاني قدحة". جريا على قول ديفيس، لربما كانت انتخابات 1986 آخر انتخابات "طائفية" في تاريخ بلادنا إذا جاز التعبير، ولما لا، فقد نهضت منذها قوى اجتماعية وتشكلت قوى سياسية، بالدرجة الأولى في الأرياف الملتهبة، لا سبيل إلى إعادتها إلى البطن الطائفية، أيا كانت سعتها. عليه، أليست أفضل الفرص المتاحة للحزبين اقتراح الرئيس البشير أن يندمجا وحزبه في حلف عريض باسم "مؤتمر الأمة الاتحادي"، وقد تحقق بعض ذلك فعلا بالهجرة القاصدة من الدائرة والجنينة إلى القصر. إذا صح نذير الأستاذة فاطمة للحزبين الكبيرين فهو يصح بالضرورة على مجمل أعضاء النادي السياسي ورثة الإدارة الاستعمارية، سادة وأفندية، بما في ذلك الجيش، القوة (السياسية) المنظمة الأطول بقاءا في الحكم. لمن المستقبل إذن؟
من استمع إلى السيد الصادق المهدي يفسر خروج الآلاف في وداع محمود عبد العزيز لا للجهاد المدني ينتهي ربما إلى أن المستقبل للحواته، فهم بحسب السيد الصادق الدليل الدامغ على فشل المشروع الحضاري للمؤتمر الوطني. ومن استمع إلى قادة الجبهة الثورية تيقن أن المستقبل يبدأ مع "الفجر الجديد"، فحلفه الغالب لا ريب والمؤتمر الوطني ساقط ساقط. شرح ديفيس في مقاله كيف خرجت جماهير غفيرة بفضل حملة أوباما الرئاسية من حال الاستضعاف السياسي، في هذا السياق الصمت الانتخابي، إلى التمكين بالتصويت الجهير. عرف ديفيس هذا الجمهور المقبل على السياسة بتحالف قوس قزح في إشارة إلى تباين هويات مكوناته، أميركيون من أصول افريقية وأوروبية ولاتينية وآسيوية، الرباط بينهم في غالب الأمر العمل. المستقبل في بلادنا ولا بد لمن استطاع أن ينسج من مادة تجاربنا السياسية قماشة تلم غمار الناس وتنهض بهم إلى الكفاءة السياسية، فالوطن صناعة والشعب كذلك، لا جغرافية ولا خارطة، ولا محض سكان.   
Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]