كفى بك داءً

فارق الحياة في أغسطس عام 1998 الطالب محمد عبد السلام بابكر في ذمة جهاز الأمن. قال السيد مدير الجامعة لذوي محمد وقتها أن ابنهم توفى ضحية أحداث عنف في الجامعة، والحقيقة غير ذلك. انقض على محمد وهو يتوسد أسمنت سطوح داخلية المناهل جماعة أصحاب كارنيهات فأوسعوه ضربا ثم نقلوه إلى معتقل الأمن حيث لفظ آخر أنفاسه. كان ذنب محمد الأول التنظيم حيث ساهم ورفاقه في الجبهة الديموقراطية بجامعة الخرطوم في تنظيم احتجاجات طلابية على زيادة رسوم السكن الداخلي، وذنبه الثاني والقاتل أنه "ما عنده ظهر"، ولذا استرخص الجماعة حياته فأعدموه كمن يدوس على حشرة هاملة. والد محمد ترزي في سوق مدني الكبير، وسيلة إنتاجه الوحيدة مكنة خياطة سنجر يدوية، فلا رحم ولا جاه ولا نسب يحميه من أظافر الدولة التي نشبت فيه.
كما محمد مات طلاب جامعة الجزيرة، محمد يونس نيل حامد، عادل محمد أحمد حمادي، الصادق عبد الله يعقوب والنعمان أحمد قرشي، في ذمة جهاز الأمن بعد اعتقالهم على خلفية اعتصام طلابي نظمته رابطة طلاب دارفور بالجامعة للمطالبة باعفائهم من الرسوم الدراسية بحسب ما وعدت اتفاقية سلام الدوحة الموقعة مع حركة التحرير والعدالة بقيادة التجاني السيسي. تقول الاتفاقية في مادتها 14(92): "يُعفى جميع الطلبة أبناء النازحين واللاجئين في ولايات دارفور الذين يتم قبولهم في الجامعات القومية من المصاريف الدراسية لمدة 5 سنوات"، وفي مادتها 14(91): "تُخصص 50% من المقاعد المتاحة للقبول في الجامعات القومية في دارفور لأبناء وبنات دارفور طبقا لشروط لجنة القبول. في الوقت نفسه تُنشأ آلية أو لجنة لفحص حالات أولئك المتأثرين بالحرب لإعفائهم من مصاريف الجامعة لمدة 5 سنوات."
وقع الخلاف كما يبدو بين رابطة طلاب دارفور وإدارة الجامعة على تفسير بنود المادة (92). تعشم الطلاب خيرا في اتفاقية السيسي أن ترعى تعليمهم في حرز الوطن بلا إعسار، أما الجامعة فقد شحت نفسها أن تترفق بأبناء دارفور ووقعت في ضلال بيروقراطي عقيم عبر عنه مدير الجامعة بقوله أن أحداث العنف التي انتهت باعتقال العشرات من الطلاب ثم موت أربعة منهم في ذمة الأمن ما كانت لتقع لو تم التعامل مع الأمر بما تقتضيه اللوائح والقوانين. استند المدير في دعواه على قرار وزارة التعليم العالي القاضي بأن يدفع طلاب ولايات دارفور المقبولين هذا العام الرسوم الدراسية ورسوم التسجيل، بلا اتفاقية بلا لمه.
دفع ثمن هذا التهافت البيروقراطي على المصاريف الطلاب الأربعة بأرواحهم، أما العدل الذي يقوم عليه سعادة الوزير دوسة فهو مثل اتفاقية السيسي كلام ساكت، عدل لا يمنع أصحاب الكارنيهات من اقتناص النفوس كمن يصيد الطير في البراري، لا يردعهم قانون ولا تخيفهم محكمة. ضحت لجنة السودنة عشية الاستقلال بالمواطنة عندما حرمت الجنوبيين من الوظائف بدعوى بؤس تأهيلهم، وها هي وزارة التعليم العالي تجافي القسط المطلوب لصنع الوطن بحرصها قصير النظر على الرسوم بينما يغرف أصحاب الظهر من المال العام بالماعون الكبير.
Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]