كفى بك داءً

كشفت السيدة آمنة ضرار، وزيرة الموارد البشرية، ورقها لمجلس الولايات في تقرير ضاف نقلت منه الصحافة الثلاثاء الماضي. خلاصة التقرير أن البلاد تنزف كوادرها المؤهلة من مهنيين وحرفيين بمعدلات متضاعفة إذ غادر البلاد خلال الخمس سنوات الماضية 58484 من الحرفيين و54100 من عمال الزراعة والرعي وتربية الحيوان و11226 من الفنيين و1002 من أساتذة الجامعات و5028 من الأطباء، 91% منهم إلى المملكة العربية السعودية. ارتفع معدل الهجرة بحسب تقرير الوزيرة بما يفوق الستة أضعاف هذا العام قياسا على العام 2008، حيث اغترب 75361 من السودانيين في 2012 مقارنة مع 10032 في 2008، لا يوازيه سوى "ازدياد معدلات التدين" الذي فاخر به نائب الرئيس على عثمان محمد طه ضيوف مؤتمر الحركة الإسلامية في خطاب الختام.
أرجعت الوزيرة سيل "المتخارجين" هذا إلى ضعف الأجور وقلة فرص العمل وتزايد العاطلين بجانب انفتاح ومغريات سوق العمل في دول الهجرة. كل ذلك صحيح لكن ينقصه توضيح أن "العمل المهاجر" يمثل في واقع الأمر سلعة الصادر المؤتمنة في البلاد وباب الحكومة لتحصيل العملة الصعبة دون مشقة تذكر، وذلك منذ تجريف الاقتصاد الإنتاجي على يد دولة النميري في سبعينات القرن الماضي، تجريف أشرف عليه صندوق النقد والبنك الدولي تحت عنوان الإصلاح الهيكلي واستمر على يد المؤتمر الوطني لهثا وراء استثمارات أجنبية تأتي ولا تأتي كما الحداثة في قول عبد الله علي إبراهيم. فوق ذلك، لا يضر الحكومة أن ينصرف عنها المهنيون برطانتهم السياسية، فمن جهة يخلو لها المسرح بتضعضع الاتحادات والنقابات والأحزاب، مداخل أصحاب المواهي إلى المطالب الاجتماعية والسياسية، ومن أخرى تمثل حوالاتهم شبكة تأمين لأسر ممتدة في مراكز البلاد الحضرية فتخف عن الحكومة نقة المعاش وإن لم تصمت، أما الهوامش فالبندقية أقدر عليها.
لم أجد أنجض من حكم أمين حسن عمر على الاقتصاد السياسي لحكومة حزبه المؤتمر الوطني، ولعله اهتدى بماركسية علقت به فرأى ما غاب عن إخوانه. نشر أمين كلمة في الرائد الموءودة في عيد الإنقاذ الماضي بعنوان "الاقتصاد السياسي للإصلاح" عاب فيها على "أهل السودان عامتهم وخاصتهم الحاكمة والمعارضة" تعلقهم باقتصاد الريع، وشرحه كما يلي: "أن يأتي مستثمرون فيخرجون من باطن الأرض بترولها وغازها وذهبها ونحاسها فيأخذون نصيبهم ويعطوننا نصيبنا". أضاف أمين: "والمثل الذي يتطلع نحوه الجميع هو المثال الخليجي الذي وضع ميسمه على فكرنا الاقتصادي وعلى تقاليد استهلاكنا وعلى معمارنا وأسماء أحيائنا وبدأ في تغيير أسماء أبنائنا"، ليتساءل "هل اقتصاد الريع هو الأنموذج الذي سيخرج بلادنا بعشرات ملايين سكانها من الضيق إلى السعة ومن العسر إلى أحد اليسرين أو كلاهما؟". جمع أمين غمار الناس والطبقة السياسية في كوم واحد، وذلك تدليس ظاهر فاقتصاد الريع هو منتهى فتاكة البرجوازية الصغيرة، والدولة دولتها، أما "العامة" في زعمه فليهم الله والتعدين الأهلي. 

Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]