كفى بك داءً

كاد وزير الخارجية، على أحمد كرتي، أن يتحلل من شارة الحكومة وهو يشكو "تحشر" غير ذوي الاختصاص في عمل وزارته إلى مشاهدي النيل الأزرق يوم السبت 3 نوفمبر، لكنه توخى لنفسه وإخوانه العذر متى استطاع، خوفا ربما من أن تهدم الصراحة بيتا شاده أهله بالغمتى.
الحكومة، بشهادة وزير خارجيتها، مجهجهة كل الجهجهة بين حضن إيران، حيث السلاح ألون، وحجر الخليج العربي، حيث كل أمير بنك قائم بذاته. قال كرتي أنه نصح القيادة الرشيدة برفض استقبال بوراج حربية إيرانية في فبراير الماضي فقبلت منه النصيحة. لكن، كما قال، لم يسأله أحد بعد الهجوم الإسرائيلي على مصنع اليرموك للسلاح، فرست البوارج الإيرانية في بورتسودان وغادرت وهو كما الأهالي تنبئه الجزيرة بما لم يعلم. غير ذلك، لام كرتي سلفه على المسكنة إذ قبل أن يمتد التعاون الاستخباري بين الخرطوم وواشنطن دون ثمن ظاهر، أي رفع العقوبات الأميركية على السودان وتطبيع العلاقات بين البلدين.
لم تسعف الوزير الحجة عندما اختبره صاحب البرنامج، الطاهر حسن التوم، بسؤال مغلق الخيارات، أيهما أجدى حلف بكين وموسكو وطهران أم حلف واشنطن والرياض وأخواتها، فتمسك بأن الحكومة تجافي الأحلاف من حيث المبدأ لا ترهن قرارها لغيرها. يطعن في زعم الوزير ما أفصح به من دعاية لدول الخليج وفضلها، وقوله أن الحكومة رفضت استقبال البوارج الإيرانية في فبراير، بحسب ما نصح، حتى لا "تغلط" على الخليجيين. طلب كرتي من قيادة المؤتمر الوطني في أغسطس، كما أكد في البرنامج، الاختيار بين حلف إيران وحلف الخليج محذرا من تداعيات الأول ومبشرا بمطايب الثاني لكن لم تلق دعواه الاستجابة التي رغب.
طرح المفكر الكيني وأستاذ العلوم السياسية على مزروعي على حضور مؤتمر "السودان في افريقيا" الذي انعقد في الخرطوم عام 1968 بترتيب من وحدة أبحاث السودان بجامعة الخرطوم مقولة "هامشية السودان المركبة"، وخلاصتها أن السودان بحكم موقعه الجغرافي وتكوينه السكاني ومزيجه اللغوي هامش في افريقيا "العربية" وكذا افريقيا "السوداء" وليس جسرا بينهما كما في الأمل الرائج. استند مزروعي وقتها في جانب من حجته على الفصام الجنوبي- الشمالي في السودان (القديم) واعتبر هذا الانقسام سببا يحول دون الاندماج والبناء الوطني. خطر لي قول مزروعي وأنا استمع إلى "شلهتة" الوزير يريد أن يوفق بين حوجة الحكومة إلى السند الإيراني وطلبها الاستثمارات الخليجية، وإن لم يحصد عامة الناس من سند إيران سوى الغارة ومن مزارع زائد سوى الباعوض. يفيد رأي مزروعي كذلك في كشف ما بالحكومة من غلب تريد المدد من بكين وتسعى الرضى من واشنطن، لا فازت بتجارة تستحق الذكر مع ماليزيا "المعجزة" ولا تكالبت عليها الشركات الروسية على تكرار الدعوات. هامشية السودان في افريقيا، كما قال مزروعي، وعلى الإطلاق، بشهادة كرتي، لا مخرج منها بالتوكيلات الأجنبية مستترة أو ظاهرة وإنما بصلة أرحام الوطن أول الأمر، ما انقطعت بحروب مستدامة وظلم وطيد.

Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]