كفى بك داء

لم تذق جريدة الميدان حبر المطبعة منذ أكثر من مائة يوم بأمر السلطات الأمنية إلا أن فريق تحريرها داوم على إصدارها في نسختها الالكترونية لمن استطاع إليها سبيلا في مكابدة شديدة، فالميدان قبل المنع وبعده محاصرة كأنها فرقة متمردة، محدودة التمويل قليلة التوزيع متواضعة التصميم، لا يتجاوز عدد محرريها أصابع اليدين. لم تعصم هذه النواقص الميدان من كبت جهاز الأمن، فظلت منذ أن عاودت الصدور هدفا للقمع الحكومي، لا ينفك أسرها إلا ليتجدد، والهدف كما يبدو تغييبها بالكلية، هدف استعد له فريق الميدان ولسان حاله "الفورة ألف" بعبارة البشير الرئيس.
الميدان، لمن يقرأها، ليست استثناء صارخا عن الصحافة السودانية من حيث الشكل أو المحتوى، فلا الأخبار على صفحاتها غير مسبوقة ولا الآراء المنشورة فيها تجرم أصحابها بموجب القوانين السارية، بل قد تقرأ في دارج الصحف نقدا ألذع للسلطة ولسياساتها بما في ذلك تحقيقات حسنة التوثيق عن فساد أجهزة حكومية ومسؤولين مرموقين واتهامات تطال وزراء ذوي اعتبار. فوق ذلك، لا تمانع السلطات إذا ما نشرت هذه الجريدة أو تلك حوارا مع أحد قيادات الحزب الشيوعي، صاحب الميدان، أو بيانا من هيئاته القيادية، من ذلك الحوار المنشور مؤخرا على صفحات جريدة المجهر السياسي مع السكرتير السياسي للحزب، الأستاذ محمد مختار الخطيب.
ما العلة إذن، وما التمرد الذي تنطوي عليه هذه الجريدة فاستحقت به الاعتقال المتطاول. الميدان، بخلاف الصحافة السارية، متمردة على السوق، وهنا "الكنتة"، لا يجرفها الربح وشروطه، السياسي منها أو التجاري، ولا تقعد بها الخسارة، عمادها رابطة طوعية على شاغل الشعب، وهي بذلك مثلها والنقابة تقيم صلبها بعافية المبادرة. إن القديم المتجدد الذي تطرحه الميدان على قرائها ليس بالضرورة متن الخبر والتقرير والرأي بل هذا الانشغال بالوطن بغير ثمن، هذا الاستعداد للائتلاف الطوعي على قضايا "خاسرة" إذا جاز التعبير، لا تباع ولا تشترى.
قال المرحوم التجاني الطيب بابكر في كلمة له بمناسبة العيد الخمسين لنشأة الحزب الشيوعي أن من أسسوا الحزب في الأربعينات من القرن الماضي "اقتحموا مجهولا بالنسبة لهم وبالنسبة للمجتمع السوداني وأسسوا حزبا من نوع جديد دون تجربة سابقة" ولعله قصد هذا الائتلاف الذي لا تحده الهويات، ذات ما قصد المرحوم عبد الخالق محجوب في كلمته أمام مؤتمر المائدة المستديرة وهو يبشر بأن أحفاد الزبير باشا قد أدركوا تقدم النقابة يريدون الشفاء من إرث الاسترقاق. هذه هي مسؤولية هذه الجريدة وهذا عبئها فقوموا إلى ميدانكم يرحمكم الله.
Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]