كفى بك داءً

لام شباب "التغيير الآن" في بيان لهم حزب الأمة على تنصله من وعد شفاهي منسوب إلى قيادية بالمكتب السياسي للحزب، لعلها رئيسته سارة نقد الله، بإقامة الصلاة على أرواح قتلى مظاهرات نيالا في جامع السيد عبد الرحمن بأم درمان، الوعد الذي أنكره عبد المحمود أبو، أمين عام هيئة شؤون الأنصار، في خطبته الجمعة، ميقات الصلاة. طالب البيان حزب الأمة بالصراحة في الأمر العام وإشهار "المانع" الذي يحبسه عن المشاركة في مثل هذه الأنشطة الوطنية مضيفا أن المصلين بالجامع تفاجأوا بإعلان أبو "ترك الصلاة" دون عذر موجب.
واقع الأمر ألا حرج على قيادة حزب الأمة فقد آثرت السكينة السياسية إزاء العنف المتصل منذ 2003 في دارفور، حيث قاعدة الحزب التقليدية، واحتمت بدارها الأم درمانية "تلت وتعجن" مع المؤتمر الوطني حول منشورات الإمام الصادق المهدي، الأجندة الوطنية والتراضي الوطني وهلمجرا. هذا وقد أعلن السيد الإمام، أكثر من مرة، أنه لا يحبذ المغامرة الجماهيرية في مقاومة سلطان المؤتمر الوطني ويفضل مساومة تحفظ للنادي السياسي قوامه المعلوم وتحول دون تطفل "شذاذ الآفاق" على طاولة الكبار. الحرج لكن على "التغيير الآن"، التي تأمل ربما أن تجد في جبة الإمام غطاءً يكفيها عبء مكابدة الوطن بقوة مستقلة، وهي بذلك كأنها تعيد اكتشاف التحالف بين الخريجين والسيدين أول نشأة الحركة الوطنية، التحالف الذي سعت قوى أكتوبر 1964 لكسر شوكته فالتف على حكومتها التقدمية، حكومة الشفيع أحمد الشيخ وشيخ الأمين، حتى أودى بها.
عرف القنصل الألماني في السودان خلال تلك الفترة أحداث فبراير 1965، الثورة المضادة إذا جاز التعبير، بانقلاب حزب الأمة. قدمت حكومة ألمانيا الغربية وقتها عبر سفيرها في الخرطوم، (البارون) أوسفالد فون ريشتهوفن، ووكيل خارجيتها الدائم والنافذ، كارل كارستن، من أصبح في مرحلة لاحقة رئيسا للجمهورية الإتحادية، المدد لآل المهدي لتمكينهم من "إعادة الأمور إلى نصابها" وتحجيم النفوذ الشيوعي، ذلك بحسب ما أورد كورت كوبرت، القنصل بالسفارة، في مذكراته محدودة النشر. كتب كوبرت: "أجال السفير فون ريشتهوفن النظر في كيفية مساعدة صديقه المهدي فقد كان واضحا أن الشيوعيين يتلقون العون إما من ناصر أو السوفييت... تطلب حشد الأنصار الكثير من الوقت ومال أكثر. بطريقة ما تمكن فون ريشتهوفن من إيصال مخاوفه إلى أصحاب النفوذ فبدأت الأموال في التدفق من مصادر محجوبة. نجح الأمر بطريقة باهرة... نالت سفارتنا بالغ الاحترام حيث استطاع فون ريشتهوفن مساعدة الصادق المهدي قولا وفعلا". بعث فون ريشتهوفن تقريرا إلى وكيل الوزارة كارستن بتاريخ أبريل 1965 قال فيه: "تمكنت الحكومة السودانية، بفضلنا، من كبح القوى اليسارية منذ بداية العام". التقرير محفوظ في إرشيف الخارجية الألمانية، وقد أرشدني إليه وإلى مذكرات كوبرت باحث في العلاقات الألمانية السودانية خلال الحرب الباردة، جزاه الله خيرا.


Magdi El Gizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]