فينيق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

في بحثهم عن تفسير ناجز لحزمة "التباديل والتوافيق" التي أعلنتها السلطة في طاقمها الحاكم، بالأخص التغييرات الدرامية التي طرأت على قيادة البوليس وهيئاته، أشار معظم المراقبين إلى "ميس" الانتخابات، خط العبور المنتظر إلى حكم "ديموقراطي"، وهي حدث أقل ما يقال عنه أنه من فصيل (make or break)، إما فتحت سهلا من ضيق السياسة الحاضر، أو ألحقت ما تبقى من البلاد والعباد بـ(أمات طه).

 

والانتخابات في العرف "الحديث" لحظة احتدام بين الإرادة الشعبية وسلطة الدولة، يرجى منها أن تصنع للدولة روحا جديدا وتجدد مشروعيتها بالاختيار الطوعي وأداته الاقتراع السري الآمن. قصد التنوير بهذا المعنى السياسي اللامع نشر "معهد الأخدود العظيم"، وهو مؤسسة بحثية غير ربحية يختص بدراسة مجتمعات شرق افريقيا والقرن الافريقي بما في ذلك السودان، تقريرا من 71 صفحة بعنوان "الانتخابات في السودان: التعلم من التجربة" من تأليف جستن وليس (جامعة درهام)، عطا البطحاني (جامعة الخرطوم) وبيتر وودورد (جامعة ردنغ).

 

الإشارة النقدية الأهم في التقرير تتصل بالعقيدة "التسليمية" في طاقة الانتخاب على صناعة التحولات السياسية والاجتماعية، وهي عقيدة راسخة وسط وكالات التنمية الدولية والحكومات المانحة، بخاصة في غرب أوروبا وأميركا الشمالية، حتى أن الاقتراع أضحى في كثير من الأحيان، بالذات في الخبرة الافريقية، إجراءا مسرحيا خاليا من أي محتوى سياسي فعال. والواقع أن هذه هي "السكة الخطرة" التي يدفعنا إليها "المؤتمر الوطني" دفعا، فأهل السلطة حريصون كل الحرص على ألا يضر ميزانهم منافس سياسي، يريدون الغلبة بأي ثمن وبأية وسيلة، لا يعنيهم محتوى المساومة إن تحقق الغرض منها.

 

إن أقبل المؤتمر الوطني على انتخابات "حرة نزيهة" بحسب العبارة الرائجة فهدفه نسف هذا المعنى من داخل والحفاظ على قشرته ليس إلا، وهو الأمر البين في حربائية السلطة وقضايا الحريات، التي ما تنازلات عن هضمها تنازلا واحدا فعالا، كان ذلك بالرقابة المستمرة التي لا تفتر على الصحافة، والسيطرة الإدارية على العمل السياسي الجماهيري بالبوليس والأمن الوطني متضامنين، أو منع التجمهر والاحتجاج والتظاهر وما إلى ذلك. عليه، لا يمكن من وجهة نظر صناعة الوطن أن تنقذنا الانتخابات مما نحن فيه إلا اذا انتصرنا أول الأمر في بعث حياة سياسية وتجديد انشغال الجمهور بالشأن العام وإمكانية التأثير فيه بإرادة الجماعة وإبداعها. وهي مهمة لا تنتظر إلغاء نصوص القوانين المقيدة للحريات بل لا بد تسبقها وتحاصر القانون "البطال" فتهزمه في الممارسة قبل أن يلقى المكان المناسب في سلة مهملات البرلمان!

 

إن أدركتنا الانتخابات ولما نهزم آلة القهر القانونية والأمنية هذه نرث من الاقتراع صناعة الثقة ليس في المؤتمر الوطني كحزب حاكم فقط وإنما في الاستبداد فقها للدولة ومنهجا، ودوننا تجارب كثيرة لديموقراطيات مجاورة لها لباس الديموقراطية التعددية والأمر فيها ملك عضود، "تنبح الكلاب والجمل ماشي"!

 11/05/09