فينيق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

في تنويره الأخير لمجلس الأمن الدولي (27/04/09) وصف رودلف أدادا، قائد القوة الأممية الافريقية المشتركة في دارفور، الصراع في مرحلته الحاضرة بأنه "منحفض الوتيرة"، الأمر الذي ساء بعض أعضاء المجلس، ثم ميز قوله بتقرير أن الصراع أضحى "حرب الكل ضد الكل" فالحركات المسلحة تقاتل بعضها البعض، وأطرافا في القوى الأمنية التابعة للحكومة ترفع السلاح ضد بعضها البعض، والجيش السوداني يحارب الحركات المسلحة، والجميع يقتل المدنيين. بحسب إحصاء الأمم المتحدة بلغ عدد ضحايا القتال في الفترة من 01/01/08 حتى 31/03/09 ألفي شخص ثلثهم من المدنيين، بالإضافة إلى 569 شخص قضوا في "نزاعات قبلية".

 

إن النتيجة التي توصل إليها أدادا تعيدنا إلى تشخيص البروفسير آدم الزين (جامعة الخرطوم) لصراع دارفور بأنه "أم كواكية"، أي فوضى عارمة ينال فيها الناس من دماء وأعراض وممتلكات بعضهم البعض "غُصُب كي"، ما يدعى في عبارة راهنة "انهيار الدولة" كمؤسسة تحتكر سلاح القوة ولا تعمله إلا سيفا للعدالة. وليس أقوى دليلا على هذا الزعم من الانتشار الوبائي للنزاعات "القبلية" المسلحة في الاقليم حول المكسب الأساس فيه، أي الأرض، حتى كادت كل "قبيلة" تشكل دويلة في ذاتها، لها حدود تدافع عنها بالقوة المسلحة في وجه "العدوان الخارجي". على سبيل المثال انتشب قتال ضاري بين الفلاتة والهبانية (ديسمبر08 – فبراير09) في منطقة التومات جنوبي مرام منشأة الخلاف على "ترسيم الحدود" بين المجموعتين نهضت فيه "يوناميد" بواجب الوساطة. كذلك اقتتل الهبانية والرزيقات في مارس الماضي وتجدد القتال بين الفلاتة والهبانية لذات الدواعي: حقوق الأرض.      

 

بطبيعة الحال تلقى الدعوة لوقف إطلاق النار بين حركة العدل والمساواة والقوات الحكومية احتفاء شديدا وقد أبرزها الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير المقدم إلى مجلس الأمن حول انتشار قوة اليوناميد في اقليم دارفور (14/04/09) باعتبار الصراع بين الطرفين، إلى جانب سوء العلاقات السودانية التشادية، المهدد الأمني الأول في الاقليم، ولا تثريب، فالنزاع في تصوره البسيط والمباشر بين القوات الحكومية والحركات المسلحة. لكن، السلام في الاقليم ليس وقفا على هذين الطرفين، إنما رهن بإعادة بناء الدولة.

 

انتهت "الأمكواكية الأولى" في دارفور (1874 – 1916) بحلول مُغتصِب أكبر هو السلطة الاستعمارية البريطانية ومكسيمها الذي لا يجارى بأسه سلاح "وطني"، لكن في "الأمكواكية" الراهنة لكل مكسيم، ولا تفوق للقوات الحكومية على منازعيها، والأطراف المقتتلة، سوى بآلة الطيران والموت الماطر من السماء. هنا نقطة الخلاف بيني والبرفسير آدم الزين، فهو يدعو إلى ترميم "عادل" للإدارة الأهلية، مدللة الاستعمار ووسيطه الذي ما استقامت له السلطة إلا بتهديد المكسيم البريطاني، ووسيط السلطة المركزية الحاضرة، بحسبان أن دارفور تتشكل من مجتمعات "عشائرية"، وبذا يناسبها شكل الحكم العشائري.

 

لكن، أليس صراع دارفور في مستواه القاعدي عرض لتداعي السلطة العشائرية بما في ذلك من تدهور لعلاقات الأرض الموروثة عن الحكم البريطاني وتناقضها مع حوجات سكان متنامي العدد يطلبون مادة الحداثة بالكلاشنكوف؟

 03/05/09