أثار انتكاس انقلاب الفريق هاشم عبد المطلب، رئيس الأركان المشتركة وهو القيم على القوات المسلحة بحكم منصبه، ردود أفعال شتى وافقت في أغلبها الرواية الرسمية للمجلس العسكري، أن الانقلاب من تدبير طرف من الحركة الإسلامية يهدف إلى استعادة توازن القوى السابق لانقلاب اللجنة الأمنية في ١١ أبريل على عمر البشير تحت ضغط القوى الجماهيرية. لذا استقبل قسط من الرأي العام خبر الانقلاب الفاشل باشمئزاز مبرر، فقدر البعض أن الانقلاب يدخل في باب سياسة "أبو القدح بيعرف محل يعضي أخو" والخير الذي ساقه الله ما دامت تداعياته الاعتقالات التي طالت قيادات عسكرية وأخرى من راية الحركة الإسلامية. طغت في كل حال المغصة المزمنة مع "الكيزان" وسارع المجلس العسكري إلى التسويق لهذه الرواية لأمر في نفسه وهو المتهم كذلك بمهادنة الإسلاميين، فبطش المجلس بالإسلاميين بالقوة العارية صار له شهادة تزكية ومدخل للقبول الشعبي وهو الوالغ في دم الثوار حتى قال بعضهم أن نصرة قائد المليشيا حميدتي في هذه الواقعة فطنة سياسية ما دام العدو مشترك. جاء آخرون بعقيدة المراحل فحلف اليوم مع حميدتي تبرره المصلحة المشتركة في كسر شوكة الإسلاميين ومتى جاء الغد الخالي منهم تيسر هزيمة الأخير بضربة أخرى للثورة وماشين في السكة نمد. اختصرت هذا الاشمئزاز الدكتورة مروة بابكر بجمع مدردم الجيش والأمن والمليشيا والإسلاميين في ليمون واحد عمدته "الجنجكوز" وكفى.

في هذا السياق لم يفز الفريق هاشم بأذن تسمع مقاله وأحرجته ستارة الماركازيت شبه الشفافة المعلقة على الشباك خلف مقعده وضوء عمود النور الأصفر الذي تسرب عبرها أكثر. خاب معاونو هاشم في صناعة الصورة في عصر المشهدية هذا وقد صارت مقياسا للفضل لا العبارة. برر هاشم انقلابه بتلكؤ المجلس العسكري برئاسة زميله عبد الفتاح البرهان في تحقيق أجندة ثورة ديسمبر التي انحازت إليها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وفق ما جاء في بيانه. ووعد بتصحيح هذا المسار الذي كاد يعصف بالسلم الاجتماعي في عبارته بخطوات تبدأ بتولي القوات المسلحة مقاليد الحكم وحل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة البرهان وتكوين عسكري انتقالي جديد يحل مكانه ومجلس تشريعي يضم حكماء البلاد وشباب الثورة يشاركه الحكم عدا "مكون النظام البائد". وعد هاشم بحل المؤتمر الوطني وأيلولة دوره وماله لجهاز الدولة وأعلن في فقرة منفصلة "لا إقصاء أو عزل سياسي أو فكري أو عقائدي أو إثني لأحد إلا ما تقتضيه إجراءات العدالة والمصلحة العليا للوطن" كما وعد ضمن قائمة طويلة مأخوذة من الخير والإيمان السياسي بإعادة هيكلة جهاز الأمن الوطني والمخابرات ومراجعة كافة القوانين المقيدة للحريات بما في ذلك قانون الجهاز وتحقيق السلام مع الحركات المسلحة وإرساء دعائم الدولة المدنية وتحقيق التنمية المتوازنة إلى آخر القائمة التي طابقت أدب معارضة الإنقاذ من لدن مواثيق أسمره. غابت عن القائمة الورعة مقاصد الشريعة والذي منه، مفاهيم أطاحت بها ممارسة الحركة الإسلامية مبنى ومعنى وصارت في الوعي العام صنو الفساد والاستبداد الذي يقع وزره على "الكوز" في أي عباءة جاء.

سربت قوى الحكم للرأي العام مشهدا من مساءلة دارت بين الفريق هاشم ومحقق محجوب الصورة، عرف الناس من صوته أنا غالبا قائد المليشيا حميدتي، في مكتب الأول كما يبدو. حلل الفريق هاشم بالقسم الغليظ قيادات في الحركة الإسلامية من مسؤولية الانقلاب وذكر منهم علي كرتي والزبير محمد الحسن ونافع علي نافع. قال بلغهم خبر الانقلاب و"ضربوا لي" يصرفونني عنه لخطره والدم الذي قد يسيل من جراءه. قال هاشم عن نفسه في التسريب أنه "حالف" حركة إسلامية منذ أن كان ملازما، وانتهى ما لزم الجمهور هنا من المقابلة. لم يشرح المجلس العسكري للرأي العام كيف أتيح لمن هم في حبس كوبر الإلمام ببواطن الصراع في الثكنات ثم الاتصال برموزه لإثنائهم عن سكة المغامرة الخطرة. تصب كل هذه الدلائل المنتقاة في التفسير الكيزاني للتاريخ فالصراعات داخل الجيش والأجهزة الأمنية بهذا التقدير استمرار لديالكتيك الرئيس والحبيس و"مفاصلة" تلو الأخرى في تراكيب أميبية مبهمة لا طائل من فضها والأحسن أن تعصف بأطرافها جميعا داهية واحدة والسلام. الوجه الآخر لهذا التفسير الأحادي هو أسطورة المدفعية عطبرة، وجوهرها الأمل في كتلة من الضباط الأفذاذ لا بد من وجودها، ينهضون في ساعة الحارة كما الأولياء لمهام الفداء. لكن المدفعية عطبرة كما حملة إنقاذ الجنرال غردون تأتي ولا تأتي، وإن أتت، متأخرة، وترتد على عقبيها. أراد الفريق هاشم ربما أن تتحقق تحت قيادته الأسطورة وتعيش بعدها البلاد في ثبات ونبات. أليس هذا هو وعد كل انقلاب بما في ذلك انقلاب البشير نفسه ثم انقلاب اللجنة الأمنية التي أطاحت به وبينهما انقلاب ود إبراهيم في ٢٠١٢؟

على سلامة كثير من حيثيات التفسير الكيزاني التاريخ قد لا تكفينا بمفردها في فهم المسارات التي اتخذتها "بولتيكا الثكنات" بعبارة الدكتور عبد الله علي إبراهيم وقد أفرخت فينا المليشيا كحقيقة اجتماعية وسياسية وعسكرية. صح استنكار هذه الحقيقة وقد حاصرت المليشيا المدينة الثائرة وقابلتها بالرصاص لكن ليست مما يزول بالأماني على طريقة انقلاب جنجكوز على آخر كما قالت الشاعرة والحصيلة المرجوة صفر السلامة. ليست مليشيا حميدتي هي الأولى لكنها الأعظم والأكثر نجاحا والتي استطاعت اختراق الدولة المركزية حيث فشلت قوى متمردة على سلطة الخرطوم. أوكل ضباط عظام مثل هاشم منذ ثمانينات القرن الماضي القتال ضد القوى المسلحة التي خرجت على الدولة لمجندين جاءت بهم ضرورات البقاء وتناقضات الاقتصاد السياسي للريف الحربي إلى الجندية بالمشاهرة. من ذلك القوات الصديقة من النوير التي جندها ضباط نميري لقتال الحركة الشعبية لتحرير السودان في أعالي النيل والتكوينات القتالية التي نشأت بين المسيرية في منتصف الثمانينات ردا على هجوم الحركة الشعبية على القردود في جنوب كردفان وكذلك بين الرزيقات في جنوب دارفور ثم توسعت بتمويل وتسليح من حكومة الصادق المهدي وضمها الدفاع الشعبي تحت السلطة الجديدة بعد انقلاب ١٩٨٩والجيوش المضادة للحركة الشعبية لتحرير السودان، مليشيا الفراتيت بقيادة التوم نور دلدوم التي تولت تأمين واو ومدن شمال بحر الغزال على أساس ميثاق مع القوات المسلحة أجازته الجمعية التأسيسية في ١٩٨٧ والمنداري الذي حرسوا شريط النيل لضمان سلامة البوارج بين بور وجوبا.

سلف حميدتي الأقرب بهذا التقدير هو جنرال الخلا باولينو ماتيب، قائد قوة دفاع جنوب السودان، التي تولت عن القوات المسلحة حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان و"إخلاء" مناطق أعالي النيل الغنية بالبترول من السكان بعمليات "الأرض المحروقة" الممنهجة. بينما كان ماتيب طرفا أساسيا في الحرب لم يجد مكانا في طاولة المفاوضات التي وسعت فقط حكومة السودان والحركة الشعبية لكن اندرج لاحقا في رابط خصمه الجيش الشعبي عبر إعلان جوبا عام ٢٠٠٦. مثل إعلان جوبا المقتضب في واقع الأمر قاعدة السلام الموؤد في جنوب السودان حتى انفجر الحلف بين طرفيه مرة أخرى في الحرب الأهلية الجنوب-سودانية في ديسمبر ٢٠١٣، حرب الثكنات بعبارة الدكتور محمود مامداني. تمكنت الخرطوم بفضل استقلال جنوب السودان من التخلص من عبء المليشيات الجنوبية التي ترعرت تحت إمرتها لتنافس ما استطاعت على السلطة في الدولة الجديدة.
في مقابل ذلك، انتصرت مليشيا حميدتي في حربها ضد الحركات المسلحة في دارفور وكالة عن ضباط الخرطوم وقد استوعبت الدرس الماثل في مصير سابقاتها وأطاح حميدتي بمنافسه موسى هلال لتستقر لديه والحاشية الأسرية المحيطة به القيادة. فوق ذلك، استطاعت مليشيا حميدتي بفضل حرب اليمن اكتساب زبائن اقليميين جدد وانفتحت لها خزائن المال الخليجي بعدما شح ريع البترول في الخرطوم بانفصال جنوب السودان. فوق ذلك، وضعت المليشيا يدها على الجيوب الربحية في الاقتصاد الريفي البالي الذي تهاوت قطاعاته الإنتاجية جراء الإهمال المتطاول ثم الصراع المسلح، ما تعارفنا عليه باختصار التهميش، وحل محلها النشاط الريعي، بالدرجة الأولى تعدين الذهب. كما صار لها احتكار الابتزاز المسلح بمد سيطرتها على خطوط التجارة العابرة للحدود ومسارات تصدير الماشية من كردفان ودارفور إلى الجوار الإقليمي. مثلت هذه التحولات في الاقتصاد الريفي، ربما، الأساس المادي لعلاقات الاعتماد التي نشأت بين المليشيا وفئات من التجار خلف الستار السياسي للزعامة الأهلية ومن دخل حلفهم من المثقفين والمحترفين السياسيين. تقف هذه الكتلة اليوم في مقابل طبقة الحكم القديمة في الخرطوم، من ورثوا الدولة الاستعمارية بفضل رأس مالهم الرمزي والحلف السابق مع الرأسمالية الزراعية على عهد الحزبين الكبيرين ثم الرأسمالية التجارية في دولة البشير.
ليس حميدتي بهذا فريق خلا والسلام بل علم لتحولات في الاقتصاد والاجتماع فاقت قدرة ضباط الجيش على الهندسة الاجتماعية وقد كان اعتمادهم الأساس في ذلك على عقيدة صمدية في مبدأ "فرق تسد". تفوق الضباط على أنفسهم في هذا السبيل حتى تفرقوا هم وزالت سطوتهم سوى النشيد السمج بقومية القوات المسلحة ولم يرعوها حتى بلغت أزمة التجنيد مبلغا جعلت وزير الدفاع الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين، يشكو إلى البرلمان تسرب الجنود إلى مناطق التعدين. قال الوزير في مايو ٢٠١٤ أن القوات المسلحة اضطرت لسد النقص في صفوف الضباط والأفراد في القوات المسلحة من قوات الدفاع الشعبي مقرا بعجز في التجنيد بسبب ضعف أجور الجنود وجذب التعدين. ما لم يقله الوزير وقتها أن لأزمة التجنيد جذر سياسي واجتماعي في الحروب الأهلية المتطاولة فالجندي مطالب على الدوام بالبطش بأهله في مناطق النزاع المسلح. كما لم يذكر أن المليشيا، وكيلا عن الحكومة كانت أو في معارضتها، تطرح على المقاتل علاقات عمل تبز القوات المسلحة درجات، أول ذلك ربما المشاهرة المرنة والموسمية التي تسمح بالجمع بين سبل شتى لكسب العيش والمساومة المستمرة على ثمن كل مهمة وشروطها. امتنع الوزير وقتها عن تقديم نسخة من بيانه لنواب المجلس وبرر ذلك بحساسية الشؤون الدفاعية وتخوفه من تسرب معلومات أمنية وعسكرية.
يسهل بطبيعة الحال تسفيه المليشيا كملوث دموي للحياة الحضرية وردها إلى ريف فقد رشده وسكن العنف عقله الجمعي. لكن هذا التقدير الرائج يحجب الحقيقة الاجتماعية للمليشيا ونشأتها في التحول السكاني العنيف من الريف إلى الحضر. مثال ذلك سيرة محمد حمدان حميدتي نفسه. انتقل محمد الصغير في معية أسرته من بادية أهله المهارية ناحية كتم إلى نيالا بدفع انهيار الاقتصاد المعيشي في شمال دارفور جراء المجاعة التي ضربت كردفان ودارفور وشرق السودان منتصف الثمانينات ضمن موجة الجفاف التي أصابت الساحل الافريقي والتمدد الجارح للاقتصاد السلعي. تحولت فئات واسعة من المهارية من الرعي المعيشي إلى زراعة الدخن في نواحي مليط كما انتشرت فئات أخرى في دول الجوار، بخاصة ليبيا وتشاد، تسعى الوسائل للاندماج في الاقتصاد السلعي من خلال التجارة والعمل المأجور والإنتاج الصغير، ومنهم حميدتي نفسه. تقول تقديرات أولية أن ٤ من كل ١٠ بيوت في مليط صدرت أحد أفرادها الذكور للعمل في ليبيا. اخترق التسليع الاقتصاد المعيشي للمهارية وعالمهم الاجتماعي وأصبح رواد هذا الاقتصاد الجديد بينهم تجار ماشية عابرين للحدود الدولية، ومن هؤلاء أيضا حميدتي الشاب. بذلك ليس من الدقة رد حميدتي إلى بادية المهارية وكفى، والأقرب أنه من شحم نيالا المدينة والسوق الدولي التي صارت بحسب الإحصاء السكاني الأخير ثاني أكبر مركز حضري في البلاد بعد العاصمة الخرطوم. لا غرو إذن أن صعد نجم حميدتي السياسي أول ما صعد في مدينته نيالا وفيها جند عام ٢٠٠٣ طلائع المليشيا الخاصة به.
لم يكتشف حميدتي المليشيا كصيغة ربحية لتنظيم العمالة المسلحة في جغرافية دارفور الحربية فقد سبقه إلى ذلك غريمه موسى هلال وبطبيعة الحال الحركات المسلحة المناوئة للسلطة المركزية في الخرطوم. لكنه استطاع بمهارة المساومة في السوق السياسي، مفهوم اجترحه آلكس دو فال لتمييز الزبائنية الحربية، وبحاسة المستثمر أن يستخلص من محاولات سابقيه، الصيغة الأصفى للمليشيا المدرة للدخل متعددة الأغراض والزبائن في بيئة جيوسياسية أصبحت فيها القوات المسلحة شريكة للمليشيا وليس قوة مهيمنة عليها. لم تكن مواجهة حميدتي مع الفريق هاشم في القيادة العامة بدعة في سيرته، ميزتها أن تناقلتها الشاشات، فقد وقف ندا لضباط عظام من قبل وعركهم. واجه ابن عوف وقت كان قائدا للاستخبارات يطلب رتب القوات المسلحة وهيكلها الراتبي لجنوده، وواجه عمر البشير يطلب قسطا من السلطة يوازي ما نالت حركة مناوي في ٢٠٠٦. ثم كاد أن يتمرد عندما تلكأ القصر وعسكر بجنده في محيط نيالا معتزلا القتال حتى عاد بشروطه في حصار حركة العدل والمساواة للفاشر عام ٢٠٠٨ وكان وقتها عماد الدين عدوي قائدا لحاميتها.
انعكست هذه الندية في تركيب اللجنة الأمنية، اختراع حكومة عمر البشير لتنسيق عمل الأجهزة القسرية، وهي هيكل هرمي من قيادات القوات النظامية من مركز السلطة حتى أدنى مستوياتها المحلية، وعبرها تجري عمليات اتخاذ القرار بخصوص الأمن الداخلي، كان يرأسها في قمة الهرم البشير وفي كل ولاية الوالي وفي المحلية المعتمد. بدخول قادة الدعم السريع اللجان الأمنية نفذت المليشيا إلى هيكل الدولة القسري وانكشف لها المستور الذي فضل الوزير عبد الرحيم أن يحجبه عن برلمان "الملكية". جيرت اللجنة الأمنية منذ عهد البشير الحزب الحاكم فصار لها فرعا للتوجيه المعنوي في أفضل الأحوال ومخزنا للسياسيين ثم لفظته وتنكرت في انقلاب ١١ أبريل ترمي عليه كل رذائل الإنقاذ إلا اللمم القليل من شاكلة "حدس ما حدس". على كل، يبدو من تصريحات رجال اللجنة الأمنية الذين اهتبلوا السلطة أن خطتهم تطويع قوى الحرية والتغيير لتلعب ذات الدور الذي كان يلعبه المؤتمر الوطني تحت قبة السيادة الأمنية. في هذا الخصوص أبدى الفريق البرهان على سنة سلفه الضباط الحكام من لدن الحاكم العام تأففا من الحكم البرلماني الذي اعتبره ردة إلى ماض من الصراعات الحزبية غير ذات الطائل.
لكن أليست لجنة البرهان الأمنية أو مجلسه العسكري الانتقالي ذات صيغة الحكم التي أفرخت انقلابا تلو الآخر بما في ذلك انقلاب الفريق هاشم وأليست هي ذاتها الصيغة التي أنجبت المحاصصات الإثنية والقبلية تحت حكم البشير وأليست هي التي أفرخت المليشيا كتكنولوجيا لإدارة قوى العمل الفائضة في الاقتصاد الريفي المتهاوي؟ وأليست هي المسؤولة عن تزكية الحلول الأمنية لكل أوجه الصراع الاجتماعي في البلاد بما في ذلك مظاهرات تلاميذ المدارس في الأبيض هذا الأسبوع وأليست هي التي أحلت دم مواطنيها في الريف والحضر متى خالفوا لها أمرا، فالرباط الذين بين الدولة والمواطن عندها ينعقد وينحل بالرصاص. اتخذ الفريق هاشم في واقع الأمر ذات طريق البرهان ومن قبله البشير فوعده الذي لم يحسن التعبير عنه هو التحرير من المليشيا التي لم يأت على ذكرها حين عرف سلطته المأمولة. قال الفريق هاشم في بيانه أن القوات المسلحة، دون غيرها من أطراف اللجنة الأمنية، هي التي استلمت السلطة بالانقلاب الرقمي الذي قاده واندحر. لكن، أيمكن هيكليا التحرر من سلطة اللجنة الأمنية، أو قل جهاز الدولة القسري، بموالاة طرف على آخر أو بنصرة ضباط الكلية على ضباط الخلا أو ضباط الحركة الإسلامية على ضباط "المدفعية عطبرة" الأسطوريين؟ إذا كان القياس رابطة النطفة والعلقة ربما جاز تفضيل ياسر العطا على عبد الرحيم دقلو باعتبار الأول من رحم هاشم سيد الاسم والثاني من فصيل "العقل الرعوي" بعبارة النور حمد. لكن أليس هذا قياس مؤتمر الخريجين الذي أورثنا طريق الآلام من لدن "السودنة" وما اكتفى فعاد اليوم والحال ثورة على البالي والقديم ينادي بالكفاءة لا السياسة؟
إن عبرة التجربة مع سلطة الجهاز القسري للدولة في تخريجاته المختلفة أنه معاد للحرية ولو كان بابها ضيقا مثل الذي نفذن منه تلميذات الأبيض؛ وأنه معاد للوطنية التي صدح بها الآلاف في الشوارع فقابلهم بالمدافع الرشاشة؛ وأن قراره رهين بالقوى الدولية التي تمد له وتصون كيانه بالتمويل والتسليح، أكانت الولايات المتحدة ومصر على عهد النميري، أو كشكول تحالفات البشير أو السعودية والإمارات في عصر البرهان/حميدتي الراهن؛ وأنه مكمن للفساد المالي ومعمل لشراء الذمم كما تشهد عليه تقارير المراجع العام لسنوات مضت متى حضر فيها ومتى غاب بتمنعه على التدقيق وكما تشهد عليه قوائم الشركات المنتفخة بالعقود الحكومية التي كلما طردها من الباب قرار سياسي عادت بالشباك أكثر عددا تناسل منشطرة ومنقسمة الواحدة عن الأخرى؛ وأنه غير مؤتمن على حفظ حياة الناس ومعاشهم يواجه كل خلجة، ولو نملة احتجاج في شارع طرفي في حي قصي، بفأس العنف المميت ليس لديه سواه؛ وأن مكوناته ولو تنافرت تتماسك الحزز متى طال التهديد احتكارها السلطة ووسمها اليوم "السيادة".
لربما أدرك الفريق هاشم ورفاقه وقد دارت عليهم الأيام فقام عليهم فريق خلا يأمر وينهى ويقيل ويعين ويعتقل وثار عليهم الجند مفضلين المليشيا الخصوصي وحوافزها على الميري العمومي وقواعده أن الضباط قد أفسدوا مهنتهم. تسرب من بين أيديهم احتكار العنف والسلاح وزال عنهم "شرف الكاكي" بل تدهورت حتى رتبهم وازبليطاتهم وما إلى ذلك، فالفريق منهم اليوم في مرآة الرأي العام شاويش الأمس يزيد أو ينقص، كبرت المكاتب وتواضعت المراتب. إن أراد ضباط الجيش الانتصار لأنفسهم فالطريق لا يمر بالقصر وكبرى الانقلاب وإنما بالشعب وشارع الحرية، عليهم الاستماع إلى النشيد المدوي الذي يتردد في كل شارع أمس واليوم وفي غد، "مدنياااااو" ونصرته؛ عليهم شفاء ما بهم بانتشال مهنتهم من سخام السياسة السلطوية والوصاية على شعب حر صاحب قرار فحريتهم من حرية شعبهم؛ عليهم الانقياد للإرادة الديمقراطية التي تتجلى بالمدافعة في ميدان السياسة وتحت رقابة الرأي العام وليس في حجاب الثكنات. صلاح القوات المسلحة، إن كان من عبرة تستقى من ورطة ضباطها، في فتح الثكنات وملفاتها ودفاتر حساباتها إن وجدت واتفاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية لضوء التداول الديمقراطي الكاشف وليس في "ممنوع الاقتراب والتصوير". لقد انكشفت البخرة وانتهى الامتحان فيا جيش: أرفع يدك فوق التفتيش بالذوق!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.