أقر مجلس شورى المؤتمر الوطني في اجتماعاته الخميس والجمعة جميع ما كان يتوقع منه، لم يخالف السيناريو المرسوم له ولا في نطق الحروف. أجاز المجلس المكون من ٤٠٠ فرد مقترحا لتعديل نظامه الأساسي يرفع الحرج الإجرائي عن إعادة ترشيح البشير بعد أن كان الحزب الحاكم ألزم نفسه باقتصار أمد قياداته بدورتين. أدخل التعديل المقترح على هذا الإلزام الذاتي استثناءا مفتوحا بيد مجلس الحزب القيادي. من ثم نطق الحزب الحاكم بالمعلوم من نيته وأعلن البشير مرشحه لانتخابات الرئاسة في ٢٠٢٠، الأمر الذي يستوجب تعديل الدستور الساري والذي يحصر بدوره أمد الرئاسة بكرتين. 

 

تغزل الهندي عز الدين، صاحب المجهر، في اجتماعات الوطني ودلل بها على فعالية الحزب الحاكم ونشاط مؤسساته. قال الهندي أن المشهد الذي رأي الناس من الوطني انعدم في بقية الأحزاب، المشارك منها في الحكم والمعارض، فهي غدت في تقديره ”جماعات أو تيارات فضفاضة لا تتقيد بمشروع فكرى..“. بكت الهندي على حزب السيد محمد عثمان لغياب صاحبه الطويل عن البلاد وزاد أن الأحزاب عدمت البديل المقنع الذي تقدمه للناس وأعجزها عن التطور تطاول العهد بقياداتها. لم يخالف الهندي الحقيقة في بعض الذي ذهب إليه لكنه صمت عن كثير في حزبه المفضل فهو كان استثناءا عن السنة التي شرح لكن لم يعد كذلك منذ أن استقر فيه السلطان لرجل واحد يؤشر فيطاع.


وصل المؤتمر الوطني ذات المحطة التي وصف الهندي في كلمته، فحزب الحكومة ظل لصاحبها، اجتماعاته معارض لكي الجلاليب ولف العمم ومؤتمراته مهرجانات للسمع والطاعة، منتهى وظيفتها الصورة الإجرائية فالقوة مهما بلغت تلزمها صيغ إجرائية تعبر عنها ويخزيها العري فتطلب الستر في غلاف الطقوس الجماعية. الملك ميزته الزينة، وقيادات الوطني محض زينة انتهت دورة حياتهم السياسية بطأطأة الرؤوس وتقبيل اليد العليا. شجع الرئيس في خطابه لشورى الوطني الجالسين أمامه على التصريح، وقال لهم اجتنبوا التدليس وتحدثوا بصدق حتى ”نفلفل أمورنا كلها فلفلة“وأعلن الشورى موضع قوة للمؤتمر الوطني وقال قرارات الشورى ملزمة لأفراد المؤتمر الوطني وأجهزته في الدولة والمجتمع.
يعلم الرئيس علم التمام ألا شورى بين يديه وأن سلطانه حبس كل رأي سوى رأيه فمخالفيه المصرحين في مسألة تجديد ولايته غابوا عن شورى الوطني وبثوا شكواهم للأثير. قال أمين حسن عمر، عضو قيادة الوطني المناهض لإعادة ترشيح البشير، أن قرار الشورى مخالف لنظام الحزب وللدستور الحاكم، كتب: ”ليس من حسن العهد تقديم توصيات تخالف دستور الحزب ودستور الدولة“. لم يصرح أمين برأيه هذا في مجلس شورى الرئيس وبين يديه بل اشتكى مثل كل مراقب للأحداث للمعارف والأصدقاء برسائل قصيرة، واتس آب: جك جك، جك جك، بنق!


البشير الذي لا يمل تكرار نفسه أعاد على مجلس الشورى الحديث المعلوم عن استهداف السودان وعن تمنع حكومته على الإملاءات الخارجية. وعد البشير الذي أقر بالأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد بأن حكومته بصدد وضع حل نهائي لمعضلات البلاد في المعاش وقال قريب إن شاء الله. جزم البشير أن الشورى ستكون بداية انطلاقة نفير يؤدي بموجبه كل قيادي في المؤتمر الوطني دوره ساهرا لا ينام في برنامج قصير المدى لمعالجة قضايا الاقتصاد وآخر طويل المدى للنهضة به. كما قال أن السلام في جنوب كردفان والنيل الأزرق لا تفصلنا منه سوى ”شوية سمكرة“ أما في دارفور فقال عدمت ”المتمرد“، لا يضر أمنها سوى ”شوية حرامية“ ستلاحقهم القوى الحكومية أينما كانوا، في جبل أو غابة. طلب الرئيس في آخر كلمته من المستمعين ومن المواطنين ”شوية صبر“ ليس إلا وبعدها السودان دولة عظمى بإذن الله، وقال ذلك وعد الصابرين بعد أن اختلطت عليه الآية الكريمة.


جلس قادة الوطني، نساءا ورجالا، أمام الرئيس الذي بلغ حديثه ١٢ دقيقة مستمعين وقد انعقدت وجوه بعضهم كأنما ينتظرون مفاجأة وتبسم آخرون كأنما الأمر فاصل تسلية على طريقة ”حلاوة رئيس“. قال رئيس شورى الوطني وعريف الحفل، كبشور كوكو، أنهم متشوقون لحديث الرئيس أو كمال قال: ”الأخ الرئيس.. يعني. لم يحدث أن رأينا القاعة ملأى بهذه الصورة. وهنالك يعني مذكرات الناس يحيطون بالقاعة.. يعني..هه.. يعني خارج القاعة يوجد أشخاص كثر يودون الدخول.. يعني..أعتقد أن في حديثك ما هو شيق ومفيد كالعادة فتفضل هه.. هه..هه“. تساءل الرئيس عن الميكرفون ثم بدأ في التكبير والتهليل والأصوات تردد خلفه والسبابات الممدودة تجاري لحنه. الرئيس الذي ربما أدرك طرفا من السخرية الساكنة في حديث كبشور رغما عن المتحدث وجد العذر لنفسه وقال ليس أكثر من التكبير والتهليل تشويقا.


أليس في تركيب هذا المشهد الذي أعجب الهندي فلهج به، عناصر المسرح جميعها، ممثل نجم وجمهور وسيناريو معلوم يحفظه الجمهور ويتنظر من االممثل أن يضيف عليه تنويعا جديدا مبتكرا، طرفة أو حركة أو إشارة مستحدثة ولذا التشويق. جود الرئيس فنه في الحقيقة وأصبح يضيف على كتاب محفوظاته عناصر جديدة كلما استطاع، البركاوي وما إلى ذلك. لا يستر أداء الرئيس المسرحي الحقيقة بل يكشفها شاخصة في صورة كوميدية، فهو كأنه يقلد نفسه، حديثه في مقام السيناريو الهزلى يتسلى به الجمهور، الجالسون أمامه والمحيطون بالقاعة يريدون الدخول. لقد غادر السودان في الواقع محطة البشير منذ زمن وهو لا يقوى سوى على التسلية، تسلية المشجعين مثل الهندي وكبشور والساخرين منه على السواء. أما الحياة التي يريد القبض عليها فتدور رغما عنه وبمقاومة سلطته.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.