الخطاب التفخيخي وردود الفعل المتعجلة نموذجا


الحصاد المر للتفكيك المتعجل والمتعمد للمعارضة السودانية خلق فراغ سياسي ووضع  البلاد في مواجهة غير متكافئة مع نظام دولي فاشل وظالم وباطش

الان وقع المحظور, قرار المحكمة  الجنائية الدولية توقيف الرئيس البشير يعتبر خروج خطير ولامثيل  له علي نص التحولات والصراعات السياسية التي اعتاد عليها السودان بين الحين والاخر في مرحلة مابعد  استقلال البلاد, اعتاد الناس علي ان تكون نهايات الاوضاع وتقلب الاحوال وتغيير الحكومات علي ارض السودان وبارادة سودانية خالصة وقليلة هي التدخلات الخارجية ومحدود جدا تاثيرها في كل العهود والحكومات التي مرت علي البلاد منذ استقلال السودان, واليوم امر اخر فقد جفت  الاقلام ورفعت الصحف, والموقف الراهن لايحتمل العودة الي الوراء والتذكير بالتحذير المتكرر والصيحات  التي ضاعت ادراج الرياح للحكومة الحالية من  اصرارها الاعمي علي انه ليس في  الامكان  "احسن" مما هو كائن والتعامل مع قضايا خطيرة ومعقدة تتقاطع وتتداخل مع الخارج والنظام الدولي الذي يعيش قمة عجزه وشيخوخته بعقليات واليات ووسائل فشلت في التعامل مع قضايا وازمات داخلية متناهية الصغر والخطورة, ولايمكن  فصل التطور الجديد وقرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس البشير عن المراحل التي مرت بها الازمة السياسية في البلاد منذ اليوم الاول للانقاذ خاصة مرحلة اواخر التسعينات التي شهدت تحولات جذرية في هيكل وبنية النظام بسبب ضغوط خارجية ترتب عليها خروج جناح الزعيم الروحي والسياسي للحركة الاسلامية السودانية المعاصرة والمدبر الحقيقي لانقلاب الثلاثين  من يونيو 1989 الدكتور حسن الترابي من الحكم ومعه نخبة من  ابناء  دارفور الحانقين بسبب ما كانوا يعتقدون انه احجاف في حقهم في قسمة السلطة خاصة بعد وفاة النائب الاول  للرئيس البشير, المشير الزبير محمد صالح تغمدة الله بواسع رحمته, بعد تلك الفترة تداول الناس بطريقة شبه سرية كتاب عنصري مشبوه عرف حينها باسم "الكتاب الاسود" كان عبارة عن ردود فعل وانفعالات غير امينة او ناضجة اختلطت كلماته بلغة عنصرية وكان مصدر هذا الكتاب للاسف بعض عضوية الجبهة الاسلامية الحاكمة  انذاك من الذين خسروا معركة تنظيمية داخلية ذات صلة بالصراع علي "البلد" الذي اصبح غنيمة خاصة بهم وباخوانهم من دون اهل السودان اجمعين ومن مرحلة التمهيد الاعلامي السري الذي اعتمد علي خطاب بكائي عن مظالم تكاد موجودة في كل السودان لم يتحدثوا عنها عندما كانوا جزء من سلطة الانقاذ, بداء العمل العسكري في دارفور متدرجا وبتمويل معروف وقيادة سياسية معروفة ايضا وان تم تطعيمها ببعض الشخصيات الغير اخوانية وساهم ذلك المناخ وتلك البداية في انخرط عدد اخر من الاشخاص والحركات يحملون  افكار مختلفة, ومع بدء ردود الفعل العملية علي التمرد الوليد من قبل النظام العارف والخبير بمفاتيح عملية التمرد التي قادها اخوانهم القدامي اخذت القضية طريقها تدريجيا الي الخارج وكانت بداية القواعد الاعلامية وبداء بعدها الحديث عن الاضطهاد العرقي من العنصر العربي  للعنصر الافريقي في دارفور, وكان هذا الزعم بالذات مثل كلمة السر السحرية التي تفتح لصاحبها كل الابواب التي فتحت تدريجيا في وجهة الذين تبنوا قضية دارفور بالخارج وما اكثرهم بعد ان توسعت المعارضة السياسية الاعلامية في الخارج والتي كانت تدعم خطابها بحقائق من علي الارض في الاقليم المحروق مع اصرار واستماتة علي وجود تطهير واضطهاد عرقي في الاقليم وكان ذلك مصدر حماس معظم المؤسسات والمنظمات والحكومات الغربية لدعم القضية طالما ان المتهم المفترض "عربي" والضحية افريقي واستمرت الضجة الاعلامية وحدث ماحدث بعد ذلك ولايعرف اغلب المتواجدين بالخارج من ناشطين واعلاميين واناس من مختلف التخصصات من السودانيين المنتشرين في قارات العالم الخمس بمافيهم كاتب  هذه السطور تفاصيل حقائق الصراع  في دارفور وماحدث فيها منذ ذلك الوقت وحتي احالة القضية الي مجلس الامن ماعدا  الخطوط العريضة للمشكلة, حكومة الانقاذ ظلت تتعامل مع هذه التطورات بمتوالية دعائية وعقلية تعبوية تقليدية ظلت تتحكم في خطابها الرسمي منذ ذلك الوقت حتي دخول القضية الي عتبات المحكمة الجنائية الدولية وباقي القصة معروف منذ قرار توقيف هارون وكوشيب وحتي صدور قرار توقيف الرئيس,  الامر الاخر الذي له صلة بهذه  التطورات الي جانب اثره في مستقبل السودان هو التفكيك المتعجل لما كانت تعرف باسم المعارضة السودانية السابقة, المعارضة التي توزعت منذ بداية التسعينات علي قارات العالم الخمس مع وجود كبير وشبة الرئاسة للعمل المعارض ومؤسساته في مصر, لقد استغرق  بناء العمل  المعارض جهدا كبيرا ووقتا كثيرا في عمل  تميز في جزء كبير منه بعظمة التضحيات وانكار  الذات والتجرد الي درجة النحت علي الصخر, ولكن العالم وعلي راسه الولايات المتحدة الامريكية ربط مصير المعارضة السودانية انذاك بالحركة الشعبية والدمج في النظام بعد اتفاقية نيفاتشا وشرع مع الحلفاء الاقليميين في مصر في عملية تفكيك سريعة ومتعجلة للمعارضة السودانية التي  كانت قد فقدت قوة  الدفع بعد  سفر موجات من قواها الفاعلة التي ارهقها النضال والتجرد وذلك عبر برنامج اعادة التوطين ومنظمة الامم المتحدة, حجم الاختراق الواسع والرهيب للمعارضة سهل ايضا عملية الحل التي توجت بحفلات ومجاملات بروتكولية تمثلت اطرافه في الرئيس مبارك من الدولة المضيفة, والسيد الميرغني من المعارضة التي تطوعت بحل نفسها دون ان يرمش لها جفن ودون  ان تقدم كشف حساب بمافعلته طيلة سنين المعارضة ولماذا اختارت التصالح وماذا ستفعل في المستقبل, هذا لم يحدث بالطبع, اكثر المواقف طرافة في ذلك السيناريو الغريب هو عودة بعض العناصر التي لم تعارض النظام في اي يوم من الايام  من الذين تواجدوا بالخارج لتشارك في السلطة علي كل المستويات وحتي يومنا هذا وذلك باسم المعارضة التي تلاشت و اختفت علي مستوي المؤسسات والانجازات والمواقف التي شيدت بالعرق والدموع والدم الامر الذي وصل الي حد التضحية بالحياة لنفر عزيز سقطوا كما تسقط اشجار النخيل السامقة من فرط الرهق والعناء والحزن علي الطريقة التي سارت بها الاوضاع حينها, كانت عمليات التفكيك اسرع بحيث لايعرف الناس اين يوجد ارشيف ووثائق العمل المعارض الذي من المفترض ان يؤرخ  للمواقف والحقائق, بعد  العودة  الي السودان  لم تكن العملية مصالحة حقيقية بحيث تعود ثمارها المفترضة بالخير واالمنعة والقوة للوطن الكبير, ولكنها كانت في جوهرها عمليات دمج والحاق وترهل وظيفي لامثيل لها ووظائف سياسية مكلفة بلا اعباء وتمظهر دعائي, حيث  من المفترض ومثل مايحدث في كل بلاد العالم المتحضر ان الوظيفة  العامة تكليف وليس تشريف, بحيث لاتصبح الوظيفة السياسية في حدها ذاتها هدف وقضية موت او حياة في عصر العولمة الذي اصبح فيه من الممكن ان يصنع فيه كل كائن بشري البساط الذي يمشي عليه بانجازه وان يصبح كل انسان بجهدة مؤسسة متكاملة تسعي علي الارض بطريقة تغنية عن "الوظيفة السياسية التفاخرية الدعائية", ولايمكن فصل هذه الاشياء من مجمل مايحدث اليوم في السودان من اوضاع وتطورات فقد تفاقمت اوضاع دارفور في ظل هذه الاوضاع وخلال هذه الفترة بسبب انعدام الافق والمشاركة القومية الحقيقية في الحكم وادارة الدولة, خلاصة الامر السودان اليوم امام ازمة غير مسبوقة في تاريخه, ويواجه  ازمة مع نظام عالمي فاشل  ومنهار قانونيا واخلاقيا بمافيه المنظمة الاممية وتوابعها ومؤسساتها, ومع ذلك  فالعنتريات لن تجدي وقد تتساوي في لحظة ما النتائج التي قد تفضي اليها الحماقة مع النتائج التي تحدثها الخيانة, وبدلا  عن استخدام الامة كدرع بشري في حرب خاسرة يجب ان تعود الحكومة الحالية الي الشعب عودة حقيقية غير منقوصة عبر حكومة قومية موسعة تطلع بمهام اعادة بناء الدولة  السودانية من الالف الي الياء انطلاقا من دارفور التي يجب  ان  تتحول الي ميدان لنفير قومي كبير للبناء والعدالة ورد المظالم , وميدان عريض لتحدي الشعوبيين والعنصريين وسدنة  الاستعمار العالمي الجديد بكل اشكالهم والوانهم.
www.sudandailynews.net