تابعت وسائل الاعلام العالمية خلال الاثنين وسبعين ساعة الاخيرة باهتمام بالغ تصريحات النائب العام السوداني حول بداية تحقيقات قانونية في قضية دارفور وقضايا اخري ذات صلة بقضايا العدالة الانتقالية في السودان ومصدر الاهتمام الاعلامي المكثف ان التصريحات المشار اليها تاتي بعد طول تمنع من النظام السوداني السابق ورفضه التعاون مع العدالة الدولية في ظل ردود افعال غير لائقة علي اتهامات المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني المخلوع وبعض اعوانه ظلت تتسم بالهياج وعدم النضج وانعدام الحجة للاجابة علي ماحدث في اقليم دارفور من جرائم حرب وابادة وجرائم ضد الانسانية كما جاء في العناوين الرئيسية في لائحة الاتهامات الموجهة لنظام الحركة الاسلامية السابق ورئيس الامر الواقع عمر البشير الذي لم يكن يملك في حقيقة الامر ولم يحكم ولكنه كان يشغل منصبة الصوري كذراع قذرة استخدمة الاسلاميين علي مدي ثلاثين عام مع غيره من بعض المدنيين والعسكريين لتنفيذ اجندة التنظيم الاخواني والبطش بخصومة وكل من يقف في طريقه من خلال تفويض كامل بسلوك كل الطرق والوسائل من اجل حماية النظام والبطش بالمعارضين .

قضية دارفور وماحدث في ذلك الاقليم المنكوب تعتبر الحدث الاكبر في تاريخ الدولة السودانية المعاصر والصراع الدموي علي السلطة الذي تم علي مراحل في الفترة التي اعقبت الاطاحة بالزعيم الاسلامي والحاكم الفعلي للسودان انذاك الدكتور حسن الترابي بواسطة تلميذه علي عثمان محمد طه الذي استطاع كسب ود الرئيس الصوري عمر البشير واخرين حيث تم رسميا الاعلان عن حل البرلمان في ديسمبر من العام 1999 واعلان حالة الطوارئ في كل انحاء البلاد واعفاء الزعيم الاسلامي الحاكم العام للبلاد انذاك الدكتور الترابي من كل مناصبة الدستورية ورئاسة البرلمان وفرض حراسة مشددة علي مكان اقامته .
بالتزامن مع التحولات المشار اليها بدأ الموقف الامني في اقليم دارفور في التدهور تدريجيا وبلغ الامر ذروته في العام 2003 ثم توالت الاحداث عاصفة بعد ذلك التاريخ وتم تدويل القضية باعتبارها المرة الاولي في تاريخ البلاد التي تعبر فيها قضية داخلية الحدود القطرية للدولة السودانية .
شهدت اواخر التسعينات وبالتزامن مع تدهور الاوضاع في اقليم دارفور هجرة النخبة الاعلامية والسياسية السودانية المعارضة لنظام الخرطوم الي ماوراء البحار بموجب برنامج الامم المتحدة لاعادة التوطين التي تركز اغلبها في العاصمة المصرية منذ الايام الاولي لانقلاب الاخوان والحركة الاسلامية مطلع التسعينات واغلقت صحف الاتحادي الدولية وصحيفة الخرطوم التي صدرت لاول مرة بصورة يومية من خارج البلاد بطريقة تدريجية بالتزامن مع تداعي العملية السياسية وتفكيك التجمع الوطني الديمقراطي والمعارضة السودانية التي سارت في ركب الانفصاليين الجنوبيين الي الخرطوم بعد الانصياع لتعليمات النظام العالمي والاقليمي الفاشل والعقيم الذي انتهي بهم للاندماج في نظام الانقاذ ومؤسساته بموجب صفقة نيفاتشا الخديعة التي قضت علي اخر امل لمواطني جنوب السودان السابق لايجاد حل لمشكلاتهم المزمنة والعميقة .
اصبحنا مثل غيرنا نتلقي اخبار التطورات الدرامية داخل البلاد و اقليم دارفور من الميديا العالمية في ظل الحصار والارهاب المفروض علي حرية التعبير خاصة في الجزء المتعلق باخبار دارفور وتوسع البرنامج الاممي لاعادة التوطين وعبرت اعداد كبيرة من ضحايا النظام السوداني وضحايا الحرب من دارفور وبعض النخب السياسية والمنظماتية والمدافعين عن حقوق الانسان الحدود واستقر بهم المقام في بعض الدول الكبري.
اختلط الحابل بالنابل والناس يستمعون لحقيقة ماحدث في دارفور واسبابه الي درجة مقارنته بما حدث للطائفة اليهودية في المانيا النازية اثناء محرقة الهولوكست التي حدثت بسبب نوايا مبيته وتطهير عرقي من جماعة عقائدية تجاه اليهود الذين كانوا في ذلك الوقت يتمتعون بالامن والامان في نفس السودان الذي اصبح متهما بابادة مواطنية ويطول الحديث في هذا الصدد عن الاثار السلبية المدمرة علي اسم وصورة الدولة السودانية بسبب جرائم الحرب والابادة في دارفور.
لكل ذلك ولاسباب اخري وبما ان القضية اصبحت قضية دولية من الدرجة الاولي من حق الناس ان تعرف بطريقة قانونية حقيقة ما حدث في اقليم دارفور وجذور الصراع الحقيقية ومن اطلق الرصاصة الاولي في ذلك الصراع واين ومتي وكيف.
المحكمة الجنائية الدولية تكرمت مشكورة بالتعامل مع جرائم دارفور في وقت مبكر ونجحت في اختراق الاسوار وتحدي الصعاب والابتزاز وارهاب ميليشيات النظام واعوانه وقامت بتحقيقات ميدانية في اغلبها ووفرت ادلة مادية علي وقوع جرائم الابادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وحتي في حالة وجود بعض الاخطاء فلاتوجد شكوك حول نوايا ودوافع فرق التحقيق التابعة لمحكمة لاهاي.
ولكن كل النتائج التي توصلت اليها تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية لاتغطي ماسبق الاشارة اليه من جذور ودوافع وطبيعة جرائم دارفور ولاتستطيع عمليا ولاسباب منطقية الاجابة عليها وهو الامر الذي تحتاج الي تضمينه في حيثيات اي حكم يصدر عنها في هذا الصدد.
لكل ذلك علي النائب العام السوداني وكل من يهمهم الامر ان لايتنازلوا عن حق الامة السودانية في معرفة حقيقية ما حدث في دارفور وعلي المحكمة الجنائية الدولية من جانبها مراعاة فروق الوقت بين لاهاي والخرطوم من اجل الوصول الي منطقة مشتركة مع العدالة السودانية الراهنة من اجل تكملة التحقيق في هذه القضية والوصول الي صيغة محاكمة وطنية تضع في الاعتبار تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في هذا الصدد حتي لاتقيد قضية دارفور ضد مجهول امام التاريخ.
/////////////////