انشغل ملايين السودانيين بالرد علي الخطبة المستفزة للكاتب والشخصية الاخوانية المعروف حسين خوجلي الذي استدردج نفسه الي فتنة عمياء وفتح عليها جبهات متعددة وردود افعال متنوعة وبل عرض نفسه الي خطر داهم في توقيت عصيب لم تشهد له البلاد مثيل في تاريخها المعاصر في الوقت الذي تحول فيه عدد كبير من اخوان السودان المحافظين الي موقف المراقب للاحداث بينما انخرط اخرين في عمليات مستمرة لابراء الذمة شارك فيها رموز معروفين من الاسلاميين مثل الطيب زين العابدين الذي يحظي باحترام قطاعات واسعة من السودانيين ومن شاكلته التيجاني عبد القادر الاخواني المعروف واحد رموز انتفاضة شعبان الشعبية 1973 وحتي سدنة النظام والملحق الاعلامي السابق للنظام في المملكة المتحدة عبد الوهاب الافندي ويوسف الكودة وغازي صلاح الدين واخرون.

ولكن لايجب ان يهتم الناس بظاهر الامر في تحليل الخطبة الغير كريمة لحسين خوجلي ويجب ان يفكر الناس لماذا اندفع هذا الرجل الي هذا الدرك المشين في هذا الظرف الخطير بالذات.
يبدو والله واعلم ان عضوية تنظيم الاخوان السودانية من كل الاجيال من حرس قديم ومحافظين وانقاذيين مصلحيين قد تنادوا وتشارورا واصبحوا يتفاكرون حول المصير الذي ينتظر الجماعة في حال سقوط نظام الامر الواقع في الخرطوم ويبدو ان ما ورد في حديث حسين خوجلي هو صدي لما يدور في الكواليس في ظل تفاوت واختلاف واضح في وجهات نظر الاسلاميين ووجود وجهات نظر تتبني المواجهة مع جهات سياسية معينة مثل الشيوعيين والبعثيين استنادا علي فرضية انهم اقلية بطريقة تسهل الاستفراد بها ولكنه تقدير غير سليم للموقف اضافة الي قدرات الشيوعيين والبعثيين الواضحة في الحشد والتنظيم والتاثير علي اتجاهات الرأي العام والاخوان كانوا قبلهم اقلية متناهية الصغر في برلمان الستينات ولايزالون علي الرغم من النفخة الجماهيرية الكاذبة وعائدات البنوك والمشاركة في مرحلة مايو ومابعد مايو وعلي الرغم من الاستفراد بالحكم ثلاثين عام.
ومن الملفت للانظار الاطلالة المفاجئة لاحد صقور الحركة الاسلامية واحد رموز الحرس القديم الذي لايقل اهمية وقدرة حركية عن الشيخ الترابي الاستاذ احمد عبد الرحمن محمد احد الذين ساهموا في بناء الدولة الاخوانية الموازية داخل نظام مايو ومؤسساتها الاقتصادية والاعلامية والبناء التدريجي للمنظمات والخلايا العسكرية في مرحلة مابعد المصالحة الوطنية 1977.
شغل احمد عبد الرحمن محمد منصب وزير الداخلية اثناء فترة من حكم نميري ونجح من خلاله في تمرير الكثير من الاجندة الاخوانية واحكام السيطرة وسحب البساط تدريجيا من اعوان نميري في كل اجهزة الدولة الي جانب ارتباطه الوثيق باجهزة المخابرات السعودية والامريكية ودوره في تنفيذ المصالحة الوطنية وتحويل السودان الي قاعدة متقدمة ومفتوحة في الحرب علي الشيوعية الدولية والاقليمية واعوانها في المنطقة العربية والجوار السوداني.
نشرت صحيفة الراكوبة حوار مطول اجرته صحيفة الجريدة مع الشيخ الثمانيني والقيادي الاخواني المعروف حول تطورات الوضع السياسي الراهن استهله الرجل بقوله " الحكاية باظت " في اشارة الي ماوصلت اليه الاوضاع وهو تحليل واقعي وسليم ومطابق للموقف علي الارض الي جانب اسداء النصح لتلاميذهم واوصاهم بما اطلق عليه " السردبة " العبارة الشعبية التي ترمز الي ضرورة الانحناء للعاصفة وتقديم اقصي التنازلات في مواقف معينة.
واقر السيد احمد عبد الرحمن في الحوار الذي اجرته معه صحيفة الجريدة بقيامهم بضرب الجبهة الداخلية للبلاد والتامر علي الاحزاب والكيانات السياسية المختلفة والمساهمة في تفكيكها واختراقها واهمال الحكم ومصالح الناس والتركيز علي الشق الامني والانفاق عليه .
ولكنه مع ذلك عاد وقال انه ضد اسقاط النظام وقال بعدم وجود حرية كاملة في اشارة الي ضرورة الابقاء علي النظام وتعديلة .
ولكن اخطر فقرة وردت في حديث القيادي الاخواني المحافظ تمثلت في قولة بضرورة ان تعود الحركة الاسلامية للتصدي لما وصفه بالعداء السافر لبعض الدول الاجنبية والعربية في اشارة غير مباشرة للتقارب بين نظام الخرطوم والمصريين حيث يبدو واضحا ان تحركات البشير في هذا الصدد تخضع لمراقبة وتقييم التنظيم الاخواني وماتعرف بالحركة الاسلامية وقد وجه القيادي الاخواني تهديد مبطن للرئيس السوداني عمر البشير من مغبة اي تحرك خارج التنظيم او ضده وذلك في اجابته علي سوال من محرر الجريدة عن امكانية ان يفرض العالم علي البشير عزل الاسلاميين فرد عليه السيد احمد عبد الرحمن قائلا في لهجة تهديدية واضحة :
" الرئيس اكثر زول بيعرفنا ولايستهين بنا ..
متابعة تفاصيل الحوار المشار اليه تؤكد ان " شقي الحال " حسين خوجلي قد اورد في خطبته الاسطورية كل ماذكرة السيد احمد عبد الرحمن الذي استهان ايضا بحركة الشارع السوداني وتجمع المهنيين الذي وصفه بالاقلية الشيوعية واكد ايضا انهم اغلبية وان في اماكنهم القيام بمواكب جماهيرية الفرق الوحيد بين الاثنين ان احمدعبد الرحمن قال ماقال بصيغة وطريقة محكمة في الحديث وغير ملفته للنظر بينما اتجه حسين خوجلي الي الحديث علي طريقة " الشوت الضفاري " المباشر فجلب لنفسه المتاعب وكراهية الملايين.
الاسلاميين دخلوا في نوع من الاستنفار وهم يخوضون معركة بقاء ووجود في منعطف خطير الي درجة استدعاء الصقور الجوراح من الحرس القديم لمواجهة احتمالات الموقف وهم يتحسبون لكل صغيرة وكبيرة بما في ذلك تحركات البشير مع المصريين .