تفجرت ثورة سبتمبر وانتفاضة الاغلبية الصامتة من السودانيين هذه المرة في ظرف مختلف تماما عن كل التحولات والثورات السياسية السودانية السابقة واتت من غير ميعاد محمولة علي اكف القدر ودعوات الملايين وفرضت نفسها رغم الصعوبات الاقليمية والدولية وتجاوزت المدي الزمني الذي نجحت فيه الثورات السابقة ولاتزال الساقية تدور كتل بشرية تندفع يوميا نحو الشوارع ومواكب هادرة في الليل والنهار هتافات وشعارات من والقلوب والحناجر بدون لافتات او واجهات حزبية او سياسية.

كل مجريات الامور والوقائع والظروف التي تمر بها البلاد والواقع السياسي والاقتصادي والامني يؤكد ان ختام الامور سيكون مختلف جملة وتفصيلا عما حدث في السودان من قبل.
علي صعيد النظام تبدو فرصة تجاوز الازمة والاستمرار في الحكم ضعيفة للغاية حتي لو عادت كل الملايين التي تهدر في الشوارع ادراجها الي منازلها واصبحت الشوارع خالية من البشر.
ستذهب الانقاذ وتترك من بعدها دولة خاوية علي عروشها والقادم الي حكم السودان بعد البشير تحت اي صيغة سيواجه تحديات لامثيل لها في ظل واقع اقليمي ودولي مختلف تماما واذا لم تستطيع الدولة السودانية القادمة مواجهة مشكلاتها وتصريف الامور العاجلة علي الاصعدة المعيشية والامنية وفرض هيبة الحكم والدولة بادارة واقعية للامور ربما تنزلق البلاد الي الفوضي.
البلاد تعاني من حالة فراغ سياسي ومؤسساتي طويل المدي لاسباب يطول ذكرها والامر يحتاج الي قفزة لتجنب اثار هذا الفراغ المزمن المحتملة وذلك باللجوء الي الخبرات الوطنية المستقلة في كل المجالات من اجل تسيير الامور واقامة مؤسسات عدالة انتقالية قومية وفورية تستبق اي محاولات لاخذ القانون في اليد في بلد سيورث واقع تراكمت فيه المظالم وتعاظم فيه الفساد والمهددات الامنية وانتشرت فيه المليشيات المسلحة وخصصة ثروات البلاد القومية وسباق دامي علي مدار الثانية من اجل الحصول علي الثروة والمال باقصر واسرع الطرق.
علي صعيد التركة القانونية المثقلة اثار الخبير الاقتصادي الهادي هباني في جزء اول من مقال اشبه بالوثيقة القانونية ومذكرة اتهام مطولة علي صحيفة الراكوبة الاليكترونية بعنوان :
" آلية استعادة الأموال المنهوبة لخزينة الدولة بعد انتصار الثورة "
ولخص العملية في عناوين رئيسية وقال ان النهب قد شمل خصخصة وبيع مؤسسات الدولة العامة الإنتاجية والخدمية، تدمير المؤسسات والشركات الوطنية العاملة في القطاعات الإنتاجية والخدمية وبيع أصولها، تدمير المشاريع الزراعية وبيعها، بيع الأراضي والعقارات والمنشئآت المملوكة للشعب في الداخل والخارج، الإستيلاء علي المساعدات الدولية والقروض وتبديدها، نهب ثروات الشعب القومية كالبترول والذهب، نهب ودائع العملاء في البنوك، نهب مدخرات الشعب والبنوك وتبديدها عن طريق سياسة السوق المفتوحة وفقاعة شهادات شهامة وأخواتها، نهب أموال الشعب عن طريق الجبايات والنفرات في الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم، نهب خزينة الدولة عن طريق المخصصات الخاصة والنثريات للرئيس وكبار معاونيه وحكام الولايات ومعاونيهم.
واورد السيد الهادي هباني في مقاله ارقام مفصلة عن حجم الاموال المنهوبة والتي استولت عليها مراكز القوة الانقاذية وبعض الموظفين والمتحالفين معهم استنادا علي تقارير دولية وقال ايضا بصعوبة حصر تلك الاموال الا انه عاد وقال انها ايضا عملية ليست مستحيلة.
وغير الذي ذكره هباني في مقاله المطول توجد عشرات الملفات والقضايا ذات الصلة بالمال العام وانتهاكات حقوق الانسان تننظر الفصل فيها في ظل ورثة قانونية مثقلة ومعقدة وتراكمات ثلاثين عام من حكم الانقاذ والنخب الاسلامية التي تبادلت ادارة الحكم والدولة خلال هذه السنين الطويلة.
ويبدو ان سودان مابعد عمر البشير وحكم الانقاذ سيكون اشبه في عناوينه الرئيسية بالتحديات التي واجهتها المانيا علي صعيد ضبط الامن والعدالة والفصل في المظالم واعادة بناء الدولة في مرحلة مابعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

///////////////////