شهد السودان منذ قيام الدولة الوطنية وخروج الانجليز من البلاد تحولات رئيسية ارتبطت بنهاية حكومات الفريق ابراهيم عبود والمشير جعفر نميري بعد ثورات شعبية في اكتوبر 64 والسادس من ابريل من عام 1985.

اتسم حكم الفريق عبود بقصر المدة الزمنية ستة اعوام فقط الي جانب صفة المحافظة وعدم التوسع في الارتباطات والتحالفات السياسية علي العكس من انقلاب جعفر نميري الذي ارتبط ظهورة بهمينة الحزب الشيوعي ومجموعات من القوميين العرب علي مقاليد الامور ثم فك ارتباطه بالاثنين واتجه وجهة اخري بصحبة شخص وليس احزاب ولكنه شخص غير عادي يمتلك قدرات وطاقات حركية وتامرية عالية هو الدكتور منصور خالد الشخص المتعدد المواهب.
عادت احزاب الامة وجماعة الاخوان الي حضن مايو بعد ماتعرف بالمصالحة الوطنية منتصف السبعينات برعاية الولايات المتحدة والسعودية ومصر الساداتية في اطار خطة لمواجهة محور عدن في اليمن الجنوبي واثيوبيا الماركسية وليبيا القذافية.
حزب الامة قضي ايامه في مؤسسات مايو في الاحتجاجات علي سياسات النظام ومناكفة الاخوان المسلمين في مجلس شعب نميري واتهامهم بالانتهازية في الوقت الذي اتجهت فيه بالفعل جماعة الترابي الي اقامة دولة موزاية داخل نظام مايو والتسلل تدريجيا الي الجيش واجهزة الامن والشرطة واضعاف الاقتصاد الوطني عن طريق مايعرف ببنك فيصل في الوقت الذي تكفل لهم فيه الجنرال عمر محمد الطيب غفر الله ماتقدم من ذنبه بقمع الاصوات الناقدة لهم والمقاومة والمحذرة من خطرهم علي مستقبل الدولة السودانية من بعض الكوادر اليسارية القيادية في الاتحاد الاشتراكي مثل امال عباس العجب التي كانت هدفا دائما لهم في منابر صلاة الجمعة في بعض مساجد العاصمة وكانوا قد اطلقوا علية لقب " المراة الشيطان " اضافة الي الراحل كامل محجوب والشاعر الاديب خليفة خوجلي وبعض القيادات الوسيطة في الاتحاد الاشتراكي الذين صدقت كل توقعاتهم وحاق بنميري الدمار والحسرة وغدر الاخوان وقضي ايامه الاخيرة شبه معزول بسبب اندفاعه الشخصي وقصر نظره و تحقيقه اغلي اماني جماعة الاخوان المتاسلمين دون ان يشعر ولما حاول الانقلاب عليهم واعتقالهم كان الوقت قد تاخر وسقط نميري وخرجوا هم سالمين باموالهم وعدتهم وعتادهم وتنظيماتهم السرية بل مثل فجر السادس من ابريل الضوء الاخضر لهم لكي تعمل منظمات الاخوان السرية بكل سهولة ويسر وبعيدا عن اي رقابة و ترشحوا في انتخابات الديمقراطية الاخيرة مع بعض الحزبيين.
مع عودة الحياة السياسية بعد انتفاضة السادس من ابريل 1985 عادت اعداد كبيرة من عضوية مجلس الشعب المايوي الي احزابها القديمة وترشحوا في الانتخابات النيابية التي جرت عن احزاب الامة والاتحادي والجبهة القومية الاسلامية وفي مفارقة عجيبة فاز معظمهم في الانتخابات وشكل القادمين من مجلس شعب نميري من عضوية الاحزاب المشار اليها اغلبية داخل الجمعية التاسيسية في العهد الديمقراطي الذي ولد ميتا ومخترقا علي كل المستويات بواسطة جماعة الترابي والاسلاميين ولكن هذا لن يحدث مرة اخري والتاريخ لن يعيد نفسه بعد سقوط نظام الانقاذ والجبهة الاسلامية الراهن الذي سارع بعض المتعاونين معه من شلليات ذات ارتباطات حزبية قديمة وسابقة وليست لديهم اي قواعد جماهيرية حقيقية بتقديم استقالاتهم تحت مزاعم نهاية الشراكة بينهم وبين نظام البشير والامر اصلا لم يرتقي الي مستوي الشراكة في اي يوم من الايام من هولاء الاشخاص الغير مفوضين من اي نسبة من جماهير الاحزاب التي ينتحلون اسمها وعناوينها الرئيسية .
في سودان مابعد الانقاذ لن يكون هناك استثناء في التحقيق مع الذين خرجوا من النظام قبل عشرة اعوام او قبل ساعتين ومن المتوقع ان تكون هناك مؤسسات صارمة ودقيقة للمحاسبة والعدالة ومراجعة كل صغيرة وكبيرة ومخلفات ثلاثين عام علي كل الاصعدة وتقليب ملفات كل من شاركوا او تعاونوا مع هذا النظام الاستثنائي الفوق العادة في الاداء والنتائج المترتبة علي حكمة علي صعيد جرائم الدولة من فساد ونهب لمقدرات البلاد وانتهاكات مختلفة لحقوق الانسان بصورة تجعل من سودان مابعد الانقاذ اقرب الي المانيا بعد سقوط هتلر ونهاية الحرب العالمية في العناوين الرئيسية.
بين كل هولاء واولئك يبقي لغز مبارك الفاضل المهدي الوحيد الذي شارك الانقاذ وطوب الارض يعلم انه ليس في حوجة الي اموالهم بل كان الي فترة قريبة من اكثر الناس حماسا مصحوب بالعمل والتامر اليومي وعلي مدار الساعة لاسقاطهم.
////////////////