في اواخر ايام الحكم الديمقراطي الحزبي في السودان برئاسة السيد الصادق المهدي وقبل ايام قليلة من انقلاب الجبهة القومية الاسلامية في الثلاثين من يونيو من العام 1989 نجحت جماعة الترابي بامتياز فائق في اختراق الحزب الحاكم وتوتير العلاقات بينه وبين مصر بصورة درامية ترتبت عليها حرب اعلامية مفتوحة بين البلدين استغلت فيها الماكينة الاعلامية المصرية الضخمة ضد حكومة الصادق المهدي التي ابتلعت الطعم وتورطت بدورها في ردود افعال وصلت حتي ميادين كرة القدم بعد خسارة فريق الزمالك المصري ضد الموردة السوداني في استاد الخرطوم في مباراة جرت في توقيت غريب اواخر الثمانيات وتزامنت مع الازمة السياسية بين البلدين وتطور الامر بعد استخدام دفاع فريق الزمالك المصري للعنف الغير قانوني ضد لاعبي الموردة السوداني ومهاجمة المزعج وصاحب الهدف في مرمي الزمالك " بريش " عن طريق الراحل ابراهيم يوسف حيث انتهت المباراة بانسحاب الفريق المصري ونزول وزير الداخلية حينها السيد مبارك الفاضل المهدي الي الميدان ومعه السفير المصري محمد تقي الدين الشربيني في محاولة فاشلة لتهدئة الموقف.
صباح اليوم التالي للمباراة صدرت الصحف المصرية في القاهرة بعناوين رئيسية مثيرة وقالت بالنص انه لولا عناية السماء لحدثت كارثة في استاد الخرطوم علي العكس تماما مما حدث واستغلت العملية في هجوم مستمر ضد الصادق المهدي وحكومته حتي يوم الانقلاب الذي قام به الاسلاميين الاذكياء الذين اشعلوا الفتنة بين الحزب الحاكم والصادق المهدي والمصريين وظلوا يراقبون من علي البعد حتي حانت لهم الفرصة بتنفيذ انقلابهم المخادع.
تورطت مصر في ظل تاثير ذلك المناخ العدائي المصطنع بينها وبين حكومة الصادق المهدي في تأييد انقلاب الترابي - البشير بناء علي معلومات مغلوطة ومدسوسة عن هوية الانقلاب وسرعان ما راجعت الدولة المصرية موقفها بعد اقل من ثلاثة ايام واتجهت الي النقيض واتخاذ قرار غير معلن بفتح الساحة المصرية امام المعارضين السودانيين حيث وصلت الموجة الاولي من الصحفيين من اعضاء النقابة الشرعية ومعهم بعض النخب المهنية والسياسية وانعقدت اولي الندوات الجماهيرية المناهضة لحكومة الاسلاميين في الخرطوم في مقرات احزاب الوفد والتجمع في القاهرة ومن ثم صدرت صفحة الاشقاء المناهضة لحكومة الخرطوم في صحيفة الوفد المصرية وذادت من توزيع الصحيفة في الاوساط السودانية في السعودية ودول الخليج العربي قبل زمن الانترنت وتحولت الصفحة المخصصة لاخبار السودان الي مايشبه المنشور السياسي يتسابق الناس للحصول عليها ونسخها وتوزيعها.
بدورها اتجهت حكومة الخرطوم الي فتح الاراضي السودانية لاول مرة في تاريخ السودان امام قيادات الجماعات الجهادية المصرية وشرعت في التنسيق معهم من اجل اسقاط النظام القائم في مصر واقامة نواة دولة الخلافة في ذلك البلد الاستراتجي الهام واستمرت الحرب الشرسة في الكواليس بين البلدين حتي وصلت مرحلة تدبير ودعم وتمويل محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
الخرطوم تراجعت بسبب الضغوط الدولية والاقليمية والعزلة بعد الانقلاب علي الاب الروحي للجماعة الدكتور حسن الترابي ونصح النظام القيادات الجهادية المصرية والعربية بمغادرة البلاد وليس طردها كما اشيع ونجحت حكومة البشير نسبيا بعد ذلك في اعادة تسويق نفسها علي كل الاصعدة الخارجية.
ظلت العلاقات السودانية المصرية بعد ذلك التاريخ تتصف بطابع مزاجي متقلب وغير واضحة المعالم وحالة اشبه بالهزيان المدعوم بالملق الدعائي والمدائح النبوية والهدايا الغالية الثمن ثم انتقلت حكومة الخرطوم الي مرحلة اخري و انفتحت شهيتهم مع جبهة الترابي المناهضة لهم بعد وصول القيادي الاخواني المصري محمد مرسي الي الحكم وفوزه في انتخابات متعجلة بواسطة الاقلية الاخوانية المصرية النشطة والمنظمة التي حرمت الاغلبية الصامتة من المصريين من ترتيب نفسها والاندماج في العملية السياسية.
حكومة محمد مرسي الاخوانية وعدت اطراف النزاع الاخواني السوداني بحل المشكلة بينهم تمهيدا لضم السودان لاحقا الي محور اخواني اقليمي في المنطقة العربية وهو الامر الذي لم يحدث بانهيار العملية بعد الثورة الشعبية المصرية التي اطاحت حكم الاخوان والتنظيم الاخواني الذي اتخذ من تركيا ودولة خليجية قيادة بديلة تتمتع بدعم متعدد الوجوه واذرع سياسية واعلامية تدعم عملية الجماعات الاخوانية في المواجهة وحرب الاستنزاف الدائرة بينها وبين السلطات المصرية في سيناء واجزاء اخري من الاراضي المصرية.
في الفترة الاخيرة حدث تقارب واضح وتنسيق علي كل المستويات وزيارات متبادلة بين الروساء في القاهرة والخرطوم واجتماعات للجان الوزارية ومباحثات عسكرية واشياء من هذا القبيل وفي المقابل تكثف الحكومة التركية الاخوانية تواجدها في الساحة السودانية عبر مايعرف بال :

The Sudanese-Turkish Strategic Cooperation Council (SCC)
مجلس التعاون الاستراتيجي السوداني التركي.
كيف نجح الجانب السوداني في الجمع بين هذه الاطراف المتناقضة والمتحاربة فعليا علي جبهات واسعة وهل تستطيع حكومة الخرطوم السيطرة علي هذا الواقع والسباق المصري التركي نحو السودان حتي لايتحول السودان في ساعة وتوقيت ما الي ساحة للمواجهة بين المصريين والاتراك في ظل الحواجز النفسية والمؤامرات المتبادلة والبالغة الدقة والخطورة.

www.sudandailypress.net