جاء في اخبار العاصمة السودانية الايام القليلة الماضية ان السيد رئيس القضاء السوداني حيدر احمد دفع الله قد اصدر قراراً بتأسيس محكمة جنايات تختص بمكافحة الفساد ومخالفات المال العام.
ومن الواضح ان قرار رئيس القضاء السوداني ياتي في اطار رد الفعل الرسمي علي الازمة الاقتصادية الخانقة وما يشبه الانهيار الاقتصادي الذي بات يشكل تهديدا خطيرا ومباشرا لنظام الحكم القائم في السودان علي خلفية ازمة الوقود وحالة الشلل المترتب عليه والغلاء المتصاعد في الاسعار والانهيار الدرامي للعملة الوطنية والجهاز المصرفي الذي يقترب عمليا في المعاملات والعمليات الاقتصادية الجارية من العودة الي مرحلة العصور الغابرة والتجارة البكماء واشياء من هذا القبيل .
وحدد قرار رئيس القضاء الصادر في هذا الصدد مهام المحكمة بالنظر في الدعاوى الخاصة بقضايا الفساد واستغلال النفوذ والتعدي على المال العام وتخريب الاقتصاد الوطني، والتي تحال إليها من النيابات المتخصصة.
وجاء في احد فقرات قرار رئيس القضاء السوداني أن مقر المحكمة سيكون بولاية الخرطوم ويجوز لها أن تنعقد في أي ولاية من ولايات السودان على أن تشكل دوائر خاصة بمحكمة الاستئناف والمحكمة القومية العليا لنظر الاستئنافات والطعون في الأحكام الصادرة من محكمة جنايات مكافحة الفساد ومخالفات المال العام.
بالنظر الي كل ما ورد اعلاه يتضح ان الامر مجرد محاولة تبقي عمليا شبه مستحيلة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد وكون الفساد المشار اليه في السودان اليوم ليس ظاهرة فردية وانما عملية منهجية لها جذور عميقة في مؤسسات الحكم السودانية وفي المجتمع وانها ليست مجرد " قطط سمان " او ظاهرة عابرة ولكنها حقيقة عميقة الجذور تقف خلفها مراكز قوة ودوائر نفوذ تمتلك القدرة علي البطش بكل من يعترض طريقها .
ومع ذلك يتوقع ان تنعقد محاكمات وان يتم التضحية ببعض الافراد والمجموعات وان تصدر احكام بصورة درامية اكثر من كونها عملية عدلية تستهدف الفساد العميق الجذور في الدولة السودانية الراهنة في ظل تراكم الفشل وعملية الاحلال والابدال في كل مؤسسات الدولة السودانية التي اصبحت اليوم غاب قوسين او ادني من انهيار درامي اذا ما سارت الامور علي هذا المنوال والتهرب من مواجهة العنوان الرئيسي للمشكلة والقضية.
الامر يحتاج الي مواجهة شجاعة واعتراف بحقيقة الفشل الشامل المترتب علي استمرار سياسات احادية ومزاجية وشللية متقلبة علي مدي ثلاثة عقود من الزمان تحولت فيها مرافق الدولة الاستراتيجية والحيوية الي اطلال وخرائب بعد ان حلت محلها مؤسسات خاصة مملوكة لاشخاص ومجموعات اصبحت تدير المرافق المشار اليها من صحة وتعليم وخدمات وتجارة واقتصاد ومدن تحولت في واجهاتها الي غابات اسمنت ومراكز تسوق وبقالات ومراكز اتصالات انيقة في اطار عملية الخداع البصري المنهجية لاخفاء عملية الدمار الشامل الذي طال المرافق والبشر في الدولة السودانية.
محاكم الفساد المزمع قيامها في السودان ينطبق عليها المثل العربي الشهير القائل " هل يصلح العطار ما افسد الدهر "
وهل تصلح المساحيق السياسية في اخفاء حقيقة الذي حدث وما وصلت اليه اوضاع الدولة السودانية.
" اللهم لانسالك رد القضاء ولكن اللطف فيه "
هذا الدعاء سيكون لسان حال كل الناس في السودان في ظل حالة الترقب والخوف من القادم المجهول مالم تحدث معجزة تلهم من بيدهم مقاليد الامور اتخاذ القرار المناسب و الشجاع المصحوب بتنازلات قد تكون مؤلمة لديهم لكنها ستبقي امام الله والتاريخ ثمن مستحق لانقاذ البلاد وشعبها بل انفسهم من مغبة الحريق والفتنة التي لاتبقي ولاتذر .
www.sudandailypress.net