تربي السيد رجب اوردوغان منذ صباه الباكر في كنف الحركة الاسلامية التركية التي ظلت تتخذ طابع الاصلاح الديني والاجتماعي والتعامل الحذر مع الامور السياسية في بدايتها في ظل حكم التكنوقراط العسكري العلماني الباطش بكل من تسول له نفسه تجاوز الحدود.

مضت السنين وتغيرت الاحوال تدريجيا وظهر التيار الديني التركي المشار اليه الي العلن واصبح يتعاطي مع الامور السياسية في بلاده حتي اصبح في وقت من الاوقات تيار رئيسي يكتسح ويفوز في الانتخابات السياسية بكل مراحلها في القطر التركي .
بدايات السيد اورغان وعبوره المحيط القطري للتعاطي مع اوضاع وقضايا المسلمين كانت عفوية وعاطفية اتسمت بالصدق ونبل المشاعر الي حد كبير ولكن دوام الحال من المحال كما يقولون ويبدو ان الرجل الظاهرة قد تم اختطافه بواسطة الاذكياء المدربين علي اختراق القضايا والافراد المتميزين من جماعة الاخوان المسلمين الدولية والتي هي حركة اقليمية الي حد كبير ولكن خصومها يصفونها بالدولية للتدليل علي خطورة حركتها وتاثيرها والامر كذلك الي حد كبير .
السيد اوردوغان بعد اختطافه قام بنقل الحركة الاسلامية التركية نقلة كبيرة الي محيط عقائدي هادر ومنطقة شديدة الوعورة والتعقيد ودائرة الصراع الاقليمي علي السلطة والنفوذ.
في هذا الصدد حدث التطور الكبير بزيارة السيد اوردوغان الي العاصمة السودانية الخرطوم حيث استقبل بواسطة الدوائر الاعلامية وانصار النظام الحاكم هناك بكل الحفاوة والتقدير الذي تخللته الهتافات ذات الصفة العقائدية المعروفة اضافة الي " خاتم " وشارة الحركة الاسلامية المصرية التي اطاحت حكمها ثورة شعبية موثقة احداثها بطريقة لا لبس ولاغموض فيها وليس انقلاب عسكري كما يزعمون.
اعوان النظام السوداني وبعض المتاسلمين العرب حاولوا نفي الموضوع بينما علاقة اوردوغان بجماعة الاخوان المسلمين المصريين وغير المصريين واضحة وضوح الشمس ولاتحتاج الي " شارة " رابعة او غيرها من دليل.
ماهو اخطر من ذلك اقرار الرئيس التركي وقوله في الخرطوم ان سواكن ستكون معبر الي السعودية واشارته الغامضة الي بنود قال انه لن يفصح عنها اضافة الي تزامن الزيارة الملغومة مع اجتماعي ثلاثي لروساء اركان تركيا وقطر ونظام الخرطوم والاخيرة زجت بنفسها في معترك خطير ومعروف الدور التركي القطري في احتضان الجيوب الاخوانية العربية مصرية وليبية وغيرها وتوفير الملاذ والغطاء الاعلامي لها وربما تمويل نشاطها العسكري كما تردد بعض الدوائر الرسمية في مصر ونواة الجيش القومي الليبي التي تشق طريقها بصعوبة بالغة لانقاذ بلادها من مخطط الارهاب الظاهر والموجود علي الارض بعدته وعتاده وجرائمة المهولة وعدوانه علي المرافق وقتله المدنيين والمهاجرين الغرباء من ابناء السبيل وقتلهم والتنكيل بهم علي الهوية الدينية والعرقية التي ارتدت بذلك البلد العظيم الي عصور الظلام ودرك سحيق واسواق العبودية المعاصرة التي يتناقل العالم ومنظماته اليوم اخبارها بمنتهي الصدمة والاندهاش.
ظل النظام القائم في الخرطوم يتبع في السنين الاخيرة ومنذ منتصف الالفية الثانية سياسة " المشي تحت الحيط " كما يقولون في العامية المصرية اشارة الي اتباع الحذر والحياد في المواقف وتجنب المشاكل.
علي سبيل الحصر لا المثال في هذا الصدد نظام الخرطوم انحني للنظام العالمي الفاشل الذي ورط العالم في حروب وغزوات غير قانونية ومدمرة عن طريق صفقة ماتعرف باتفاقية نيفاتشا التي فتحت الطريق الي تقسيم السودان واقامة دولة مستقلة علي خارطة الدولة القومية السودانية وكسب النظام بضع اعوام من الهدوء وراحة البال بمساعدة بعض المغفلين النافعيين من المعارضين الذين اندمجوا في مؤسسات النظام في ذلك الحين.
ثم اندمج نظام الخرطوم لاحقا في ماتعرف باسم الحرب علي الارهاب التي تدار امميا بطريقة فاشلة ومخجلة في ظل حالة الفصام الدولي و اختلال استراتيجي مخيف في المنطقة العربية واقليم الشرق الاوسط اتاح لنظام ارهابي مثل النظام الايراني التمدد والسيطرة علي بلد في اهمية العراق وبلاد الرافدين بواسطة نفس ايران التي يشتكون منها اليوم لطوب الارض ويذرفون الدموع والعبرات علي تعاونها مع كوريا الشمالية وروسيا والصين .
الخدمات التي قدمها نظام الخرطوم الي الولايات المتحدة في هذا الصدد لم تغني ولم تسمن من جوع ولم تنتزع له اعترافا امريكا بوضعية الرئيس البشير علي الرغم من مهرجانات الحفاوة والرقص وحمل الاعلام الامريكية بواسطة اعوان النظام في حدائق البيت الابيض وشوارع الخرطوم وانتهي به الامر الي طلب الحماية من الرئيس الروسي بصورة علنية في تصرف مهين.
نظام الخرطوم قبل زيارة اوردوغان كان يترنح علي كل الاصعدة في ظل ادارته البلاد علي طريقة رزق اليوم باليوم في ظل واقع غريب وحالة فراغ سياسي لالبس ولاغموض فيه يهدد مستقبليا وجود الدولة السودانية المهشمة في الصميم.
السيد اوردوغان ليس فرد من افراد فرق الكشافة وانما زعيم له ارتباطات محورية وخطيرة في منطقة واقليم اصبحت كل قضاياه امور مصيرية لاتحتمل الحلول الوسط وردود الفعل الاولية علي زيارته للخرطوم لاتزال تنحصر في ردود الفعل الاعلامية الصاخبة من دوائر كانت مقربة من نظام الخرطوم حتي ايام قريبة والنظام القائم في الخرطوم سيكون بين امرين لاثالث لهما اما الاكتفاء بهذا القدر من الاستعراض الاعلامي للزيارة والابقاء علي كل البنود المتفق عليها مع الجانب التركي قيد التجميد او تحمل العواقب في حال دخول تلك الاتفاقيات قيد التنفيذ بطريقة ستحول المتبقي من الدولة السودانية الي مسرح لصراعات وحروب دامية علي الطريقة اليمنية ومايحدث في سوريا والعراق بطريقة قد تنتهي بسقوط نظام الامر الواقع الحاكم في الخرطوم ودخول البلاد في فوضي و مصير مجهول.
والامر لاعلاقة له بالسيادة الوطنية لحكومة الامر الواقع السودانية وانما بالامر الواقع علي الارض ومجريات الامور التي لاتحتمل هذا العبث وعدم الواقعية في ادارة المتبقي من البلاد.
يتحفظ الناس علي ردود الافعال الشعوبية التي صدرت من البعض داخل وخارج السودان وتقليب الصفحات القديمة وفظائع العثمانية التي رد عليها اهل السودان في حينها ولم يقفوا مكتوفي الايدي في شندي وكرري علي الرغم من الفارق الكبير في القوة واليات البطش الاجنبية.
الذي جعل اهل السودان متصالحين مع المستعمر الانجليزي يجعلهم يسيرون علي نفس الاتجاه مع العثمانيين وغيرهم والسودان لن يكون محظور علي الاتراك اذا تغيرت الظروف اما قضية سواكن فهي شاهد علي تقصير سنين الحكم الوطني العسكرية والمدنية التي تعاقبت علي حكم السودان.

www.sudandailypress.net
//////////////////