د.أمانى الطويل *
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
   ماتردد عن وجود زوارق اسرائيلية فى المياه الإقليمية السودانية لاتبدو بعيدة عن مجريات وتطورات تجرى فى البحر الأ حمر غافل عنها العرب عامة ، والدول المشاطئة على البحر خاصة، رغم صدور 6 قرارات من مجلس الأمن فى الفترة من يوينو 2008 حتى نهاية العام المنصرم فقط  .
     صدور هده القرارات تحت مظلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحده - ومن بينها القرار1846 الذي يتيح حرية العمل العسكرى لدول العالم ضد القرصنة البحرية- يؤشر الى أن ما يجرى أكبر وأبعد من شبهات تدور حول تهريب أسلحة الى غزة  من السودان عبر مصر أو حماية حرية الملاحة الدولية، ولكنه يتعلق بسيناريو كامل جارى تنفيذه ومن واجبنا دق ناقوس الخطر بشأنه للأنتباه والعمل فى مواجهته . لاسيما وأن البحر الأحمر هو النافذة البحرية الوحيدة للسودان الذى يعتمد عليها فى علاقاته الخارجية وصادراته النفطية  , كما أن هذا البحر عنصر حاكم فى الحركة التجارية لقناة السويس أحد أعمدة الدخل القومى المصرى .و يعد البحر الأحمر ناقل أساسي للنفط الخليجي إذ أن 66% من صادرات النفط الخليجية تمر عبر البحر الأحمر.
هذه المصالح الحيوية العربية  مجتمعة تطرح كثير من الأسئلة حول حالة الأمن فى البحر الأحمر  وهل عمليات القرصنة البحرية الجارية فيه هى محض مصادفة مترتبة على انهيار سلطة الدولة فى الصومال ، أم أن هناك أطراف تستفيد من تحويل البحر الأحمر الى مصدر تهديد للمصالح العربية  بعد أن كان بحيرة عربية أستطاع العرب توظيفها لصالحهم فى حرب أكتوبر  1973.
فى البداية لابد من الأقرار أن عمليات القرصنه البحرية المنتشرة فى البحر الأحمر حاليا ليست أول تهديد أمنى من نوعه فيه  حيث جرى تلغيم شواطئه عام 1984 فى محاولة لم يكشف عن جميع ابعادها حتى اللحظة الراهنة ولاعن الأطراف المتورطة فيها على نحو جازم . بمعنى أن محاولات تحويل البحر الأحمر الى مصدر لتهديد الملاحة الدولية يبدو قديما ومتكرر. الآن عمليات القرصنة تم الأعلان عنها من جانب المكتب البحرى الدولى IMB أعتبارا من عام 2005 لتصل الى 150 سفينه مختطفة  حتى نهاية عام 2008 التى وقع فيها وحدها 100 حالة أختطاف لسفن كان الأكثرها صيتا سفينه النفط السعودية التى كانت تحمل نفطا بمائة مليون دولار ودفع فيها فدية 25 مليون دولار . وكذلك سفينتين مصريتين  أحدهما تم أختطافها فى سبتمبر والأخرى فى ديسمبر أفرج عن واحدة منها . وفى حوزة القراصنة حاليا 15 سفينة عليها 300 محتجز لدول مختلفة .
هذه الحالة من أنهيار أمن البحر الأحمر تبدو لافته للأنتباه بشدة فى ضوء أن عمليات القرصنه تجرى فى منطقة يتواجد فيها 15 قطعة بحرية  لدول مختلفة منه 5 قطع للناتو حلف الأطلسى أضافة لقطع بحرية فرنسية  .
ومن المدهش أيضا أن عمليات القرصنة تتم بآليات المحترفين بمعنى أن زوراق القراصنة مثلا اما خشبية أو فايبر جلاس وهى مواد  لا تستطيع رصدها أجهزة السفن. بما يعنى أن القراصنة ليهم معارف تكنولوجية بأجهزة الرصد الرادارية على السفن العملاقة . كما أن هذه الزوراق أصبحت مزودة بمضادات للطائرات وقاذفات صواريخ  والهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية
 وطبقا للخبراء البحريين أمثال الدكتور أشرف سليمان عبريال  الذى أفادنا بمعلومات مهمة عن اليات عمل القراصنة  حول العالم عموما والبحر الأحمر خصوصا أن عمليات القرصنة لابد وأن يتوافر لها أمرين سفينه أم ترسل الزوارق من على متنها وتكون راسية فى المياه الدولية وقاعدة أرضية  يتم التخطيط منها !!!.
المهم هنا أن التحرك السياسى أزاء هذا النوع من المخاطر جاء دوليا فصدرت القرارات الأممية سالفة الذكر بمساهمة محدودة من الدول المشاطئة  على البحر جاءت أساسا من مصر وكينيا خصوصا فى صياغة القرار 1851 بينما جاء أجتماع مجلس الأمن والسلم العربى متأخرا جدا فبينما تحرك العالم منذ يوينو تحركت الجامعة العربية بعقد أجتماع فى نهاية نوفمبر الماضى لم تصدر عنه أية تدابير- هى منوطة بهذا المجلس لائحيا -  لمواجهة هذه الحالة من تصاعد المخاطر فى البحر الأحمر من قبيل دعم القوات البحرية العربية أو التوصية بأستناف التعاون البحرى الذى كان قائما بين مصر والسعودية مثلا أو دعم ومناقشة خطط اليمن التى تقع على البوابة الجنوبية للبحر وتتحمل صابره أنهيار الأمن فيه وأنهيار الدولة فى الصومال , كل هذا لم يتم ولكن صدر بيان صحفى تضمن اتجاه نحو عقد أجتماع ثان فى صنعاء قى يناير الحالى وهو أمر لم يتم , وفيما يبدو جرفته أحداث غزة التى أعتبر الدكتور أنور عبد الملك مثلا أن أحد أهدافها هو لفت الأنظار عن عسكرة وتدويل البحر الأحمر بمزاعم  تهديدالتجارة العالمية والملاحة الدولية.
هذا القول يدفعنا للتمحيص والتدقيق فى ماهية المصالح  غير العربية الموجودة فى البحر الأحمر وماهى أهدفها النهائية.
 فى الوقت الراهن يشكل البحر الحمر عصبا حيويا لإسرئيل وذلك فى ضوء وجود أستراتيجية أسرائيلية للنفاذ والتأثير فى الدول الأفريقية  عامة وذلك  لأعتبارات متعلقة بالخبرات التاريخية للصراع العربى الأسرائيلى وتوظيف أفريقيا ككتلة تصويتية أبان هذا الصراع   
, كما تشكل منطقة القرن الأفريقى أهمية خاصة لأسرائيل لتحجيم فرص التعاون العربى الأفريقى على النحو الذى جرى فى حرب أكتوبر من ناحية  , والحصول على ثرواته الأستخراجية من ناحية أخرى حيث تحصل أسرائيل على حصة معتبرة من ماس الكونغو , كما أنشأت عددا من الشركات البترولية فى أفريقية بغطاءات مناسبة وذلك بحسبان تمتع أفريقيا حسب الأونكتاد ( منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ) بأحتياطيات نفطية تصل الى 80 مليون برميل نفط . كما تحتكر حاليا تجارة المنتجات الغذائية فى أثيوبيا
 ويقوم البحر الأحمر بوظائف أقتصادية  حيوية فى سياق هذه الأسترايجية الأسرائيلية  منها مرور 20% من حجم  التجارة الأسرائيلية الأجمالية فيه,
.  ويضاف الى هذه الأستراتيجيات تمتع أسرائيل بأدوات مناسبة لتحقيقها فمن المعلوم أن أفريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير. ففي شمال أفريقيا جماعات من اليهود السفارديم الذين قدموا بالأساس من أسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. أضافة إلى جماعات من اليهود الأشكناز التي قدمت إلى أفريقيا من شمال وشرق أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وإذا كان حجم هذه الجاليات خارج جمهورية جنوب أفريقيا هو جد متواضع فإن وضعها الاقتصادي في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير.
 واذا كان يهود الفلاشا الإثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم فأنه فى المقابل الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا تعد واحدة من أغنى الجاليات اليهودية في العالم. وطبقاً لأحد التقديرات فإن مساهمة يهود جنوب أفريقيا في خزانة الدولة العبرية تأتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة.
مواقف مركز البحوث والتفكير الإسرائيلية أستقرت على انه من غير المقبول أن يتحول الحر الأحمر الى منطقة نفوذ عربى وتوصى دراسات جامعة تل أبيب الى ضرورة أمتلاك غواصات مداها خمسة الاف كليلو متر بما يجعلها لاتحتاج التزود بالوقود من ميناء أيلات الى باب المندب .
 بدورها لاتبدو الآستراتيجيات والأغراض الأمريكية بعيدة عن البحر الأحمر وعلينا أن نلاحظ هنا أن الأمريكيون قد سيطروا عسكريا على الخليج العربى عبر قواعد عسكرية وأنتشار بحرى وسيطروا على مضيق جبل طارق عبر وجود قوات أفريكوم فى المغرب بقيت السيطرة على مداخل البحر الأحمر لتكتمل السيطرة الآمريكية على حركة الملاحة فى الوطن العربى وشمال وشرق أفريقيا بأعتبارها ممرات النفط الى الولايات المتحدة الآمريكية وممرات انتقال القوات والعتاد الحربى .
بطبيعة الحال لاأدعو هنا الى تسيير المظاهرات ضد الولايات المتحدة الأمريكية أو أسرائيل بأعتبارهم متأمرين على الأمن القومى العربى  ولكنى أدعو فقط الى التفكير كيف نحمى مصالحنا نحن  ونضمن الحفاظ عليها لأجيالنا القادمة بكثير من العمل وقليل من الكلام  وأقل العمل هو أن تكون لدينا مبادرات  وتصورات محددة فى أطار الجهد الدولى الراهن لتدشين منظومة أمنية متعددة الأطراف لضمان الأمن فى البحر الأحمر فقط نشارك حتى تحترم مصالحنا فهل هذا بكثير ؟؟؟
|*خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والأستراتجية
نقلا عن جريدة الأخبار 29-1-2009