حين هتفت الحناجر فى 25 يناير بكلمات سر ثورة الشباب " تغيير حرية عدالة إجتماعية "  أتسعت الفئات الإجتماعية المنضمة للمتظاهرين يوما بعد يوم , فالتغيير كان ضد الجمود والملل الذى شل العملية السياسية فى مصر فلم يتغير اللاعبين , كما لم تتغيير مسارات  وقواعد اللعبة . أذكر أنه مع الأنتخابات الرئاسية عام 2005 أن كان ولدى  فى الساحل الشمالى بعيد عن القاهرة أكثر من  300 كيلو متر , ففوجئت به يصل مع شلة كبيرة من أصدقائه يقطعون المسافة فى يوم الأنتخابات ويقومون  بالتصويت لأيمن نور المرشح المنافس لحسنى مبارك , ولأنى لم أكن أعرف  عن مصطفى أبدا  أهتماما بالسياسية  , سألته لماذا هذه المشقة , فرد من باب التغيير" زهقنا"
 العدالة بدورها كانت جاذبة لفئات أجتماعية أكثر إتساعا وحرمانا ,  وربما كان رصدى للألتحام الفورى بالمظاهرات  لمنطقة عشش الترجمان  العشوائية- تقع  خلف مبنى الأهرام ووزارة الخارجية ومبنى الأذاعة والتليفزيون-  صورة مصغرة  لما جرى فى كثير من أحياء مصر الشعبية والفقيرة فقد تحرك هؤلاء منفردين فى شوارع القاهرة  والمحافظات البعيدة عن ميدان التحرير يومى الأربعاء والخميس السابقين لجمعة الغضب  , وكان رغيف الخبز المقطوع والمبلل بالدماء أحيانا  بمثابة نفير التجمع والتظاهر  , وقد رفع هؤلاء شعاراتهم الخاصة   مابين ثلاثاء 25 يناير وجمعة الغضب فى 28 يناير وهى الشعارات التى غلب عليها التعبير عن الجوع أكثر من أى شىء أخر  , وذلك فى الوقت الذى  واصلت فيه  أعدادا محدودة نسبيا من الشباب الأعتصام فى ميدان التحرير بما يحمله من دلالات سياسية تاريخية فقد تحول أسم هذا الميدان من  ميدان الإسماعلية نسبة الى الخديوى إسماعيل الى ميدان التحرير مع  ثورة 1919, وهو نفس الميدان الذى أنطلقت منه أيضا إنتفاضة المصريين فى 17-18 يناير 1977 وكتب عنه الشاعر الجميل أمل دنقل قصيدته الملهمة الكعكة الحجرية .
المهم أن الفئات الإجتماعية الشابة والفقيرة والجديدة  واجهت عقول الساسة والنخب الحاكمة القديمة  والتى  تنتمى الى عصر ماقبل الإتصالات والإنترنت, وعلى طريقة المثل المصرى الشهير " الباب اللى يجيلك منه الريح سده وأستريح " أتخذ المنتمون الى العصور الحجرية قرارا بقطع وسائل الأتصال عن المصريين جميعا , حتى ينقطع الأتصال بين المتظاهرين المصريين بعضهم البعض من جهة  وأيضا بين المصريين وشباب الشعب التونسى من جهة أخرى والذين بدأوا يمدون الشباب المصريين  بخبراتهم اليومية  فى مواجهة قوات الأمن وأساليب تعطيل الأليات وغيره من خفايا " الكتالوج " التونسى .
ساهم القرار  الغبى  والقاسى بتعطيل الهواتف النقالة والإنترنت فى غضب قطاعات أوسع من المصريين  وخصوصا المهنيين وجماهير الإلتراس من مشجعى الكرة والملاعب  ونظروا اليه  جميعا على أنه أعتداء جديد على حقوقهم الإنسانية , فخرجت فئات أوسع من الناس للشوارع لترى مايجرى فيها أولا ثم تنتقل الى مرحلة المشاركة فى المظاهرات  والمواجهات مع قوات الأمن والشرطة  ,وساهمت جماهير الألتراس فى أشاعة أجواء كرنفالية فى وسط ميدان التحرير خصوصا على نغمات طبولهم عشية جمعة الغضب الباردة . أما فى وقت الظهيرة فتوجه لعائلتى  رجل خمسينى تبدو عليه مظاهر الأناقة البالغة قائلا أنه يملك شركتين أحدهما فى دبى
وأسطولا من السيارات والعقارات الفاخرة , ولكنه جاء لنصرة الفقراء الذين لايلقون معاملة عادلة ولايحصلون على حقوقهم الأساسية كبشر ,و قال أن دائرة الذين يحاول مساندتهم من الأقارب والاصدقاء تتسع عاما بعد عام , وأنه بعد أن كان يقدم الدعم حتى تستطيع هذه العائلات تعليم أولادها أتسعت دائرة الأحتياجات لتشمل العون على الإطعام والأستمرار فى الحياة.
  موقعة كوبرى قصر النيل شكلت النقطة الفاصلة والجوون الموجه لشباك النظام معلنا إنتهاء المباراة بين فريق الشعب المصرى وفريق العصر الحجرى , وقد حسمت المعركة بنقل تقليد كروى هو السجود أمام سيارات الشرطة وشلالات المياه , وهو التقليد المعروف لدى جماهير الكرة والإخوان المسملين  معا .
 من نجا من المواجهات القاسية  عاد الى بيته يملؤه أحساس بضرورة الإنتقام لأرواح الشهداء  الذين سقطوا برصاص القناصة الحى  فى أنحاء متفرقة من ميدان التحرير فتوجه المتظاهرون  الى  مبنى وزارة الداخلية الذى  كان يتمترس فيها الوزير العادلى  حتى خروجه مقبوضا عليه مساء السبت من جانب القوات المسلحة .
 روح الإنتقام لم تعنى اتخاذ القرار بالأستمرار فى التظاهر فقط ولكنها أمتدت الى تفعيل شبكات العلاقات الأجتماعية حول العالم  عبر التليفونات الأرضية  وقد نجحت هذه الخطوة فى بروز ظاهرة التضامن العالمى على الشبكة العنكبوتية لدعم ومساندة للشعب المصرى ,  فى سعيه نحو إكتساب حريات الفعل والمشاركة فى صنع القرار بعد أن كانت حريته محدودة فى التنفيس بالصراخ والأنين على صفحات الصحف الحزبية والخاصة . وبينما كان تقدير صاحب القرار أن قطع الاتصالات يساهم  فى الا تكون جمعة الغضب جمعة فاضحة للنظام السياسى  بأكمله , تحولت هذه الجمعة الى ضربة قاصمة للنظام ليفيق ويجد حملة عالمية ضده ساهمت فى إسقاط بعض مواقع الوزارت المصرية على الشبكة العنكبوتية , ويجد الملايين فى الداخل يهتفون بإسقاط النظام.
أما على مستوى الشارع الملتهب فى جمعة الغضب  فيمكن رصد أربع تطورات أساسية منها ماهو سياسى سيحدد صورة التطور السياسى فى مصر فى المستقبل  ومنها ماهو أجتماعى حين ظهر المعدن الأصيل للمصريين فأنصهرت قشرة الأنا وظهرت روح الجموع فأصبح الكل فى واحد أو كما يقول هيكل ظهرت روح الوطنية الجامعة بين عناصر الأمة المصرية  .
أما هذه الظواهر  فتتلخص فى   بداية أنفصال قرار وزير الداخلية حبيب العادلى عن قرار رئيس الجمهورية وقتذاك أعتبار من عصر جمعة الغضب فقد فشل العادلى فى وقف زحف المتظاهرين المهددين لشرعية النظام ومبارك معا  بعد أن أستعمل كافة الوسائل من قنابل مسيلة للدموع الى الرصاص الخرطوش والمطاطى والحى .
كما شهدت جمعة الغضب أيضا بداية ظهور منظم لجماعة الإخوان المسلمين , فأنا لاأشك على المستوى الشخصى بأنهم كانوا المسئوليين عن إقتحام سجن وادى النطرون  على الأقل فهذا السجن مجهز تجهيزا حديثا و يضم  معتقلى الإخوان وحماس وحزب الله , ويقع  على الطريق الصحرواى  مابين القاهرة والأسكندرية , وهذه الثلاثية تكشف أن لا مظاهرات قريبة منه ولامصالح لغير الإخوان فى إقتحامه , صحيح أن الخطاب الحكومى يوظف فزاعة الإخوان لتعطيل التطور الديمقراطى فى مصر , ولكن الواقعى أيضا ألا نغفل العين عن هؤلاء لندرس بعد ذلك هل يساهمون فى عملية التطور الديمقراطى الذى ينقل مصر والعالم  الى التحديث والتقدم  أم يتقوقعون  خلف مقولات تنتمى الى العصور الوسطى ولاتخاطب شباب الإخوان  المسلمين  أنفسهم , والذى أصبح النموذج التركى أكثر جاذبية لهم من نموذج  حسن البنا .
الظاهرة الثالثة هى إحداث الشرخ والتناقض بين مؤسسات الدولة فحين فشل وزير الداخلية فى صد المتظاهرين  , وحماية شرعية النظام  أتخذ مبارك قرارا بنزول القوات المسلحة المصرية الى الشوارع فلجأ العادلى فورا الى  محاولة إحراج الجيش لإثبات عدم فاعليته أيضا والمساهمة فى حدوث مذبحة بين الجيش والشعب , وهناك صور لأوراق منسوبة لوزارة الدخلية المصرية تشرح خطة الداخلية فى إحداث الفوضى فى مصر , ومنها الأنسحاب الفورى للشرطة من كافة المواقع فى مصر كلها  وتسريح المجرمين من السجون حتى يتم الإخلال بأمن الناس فى بيوتهم , وطبقا لتسريبات الصحف المصرية فقد تم فى جمعة الغضب تسريح ما يزيد عن 17 الف مسجل خطر من السجون المصرية, أما الخطوة الثانية من هذه الخطة فهو الإعتداء على المبانى الحكومية  , فمن حكايا جمعة الغضب أن ضباطا للشرطة هم من أقتحموا المتحف المصرى , وبعض محلات الصاغة بمناطق متفرقة من القاهرة , بالإضافة الى أنه من المشكوك فيه  أن يكون المتظاهرين  قد تورطوا فى إحراق المقر الرئيسى للحزب  الوطنى الحاكم  ذلك أن توقيت الإحراق كان متزامنا مع محاولات المتظاهرين تطويق المتحف المصرى بأجسادهم لحمايته من السرقة , أضف الى ذلك أن  سلوك الإعتداء بالحرق لايبدو سلوكا معروفا عن المصريين بشكل عام الذين لايميلون الى العنف  , والذين مارسوا أعلى درجات التحضر  والمسالمة مابين 25, 28 يناير .  ولكن إحراق مقر الحزب الرئيسى فى القاهرة كان إشارة البدء لإحراق مقار الحزب فى المحافظات المصرية  .
أما الظاهرة الرابعة والمشرفة حقا فهى ركون مصر الى أحضان أبنائها العاديين والشرفاء لحمايتها , وبالفعل باتت مصر فى هذه الأحضان الدافئة لمدة يومين على الأقل  فتكونت اللجان الشعبية لحماية الممتلكات الخاصة فى ساعات حظر التجوال ’ قبل أن يتولى الجيش تقديم هذه الحماية فى أنحاء مختلفة من القطر المصرى  . والسؤال  الذى تطرحه هذه الظاهرة هى هل يعود المصريون الى بيوتهم بعد ذلك بعد أن شاركوا وتحققوا فى حماية أنفسهم أم يخرجون من الشرنقة ليعيدوا بناء ملامح مصر الجديدة ؟

دكتوراة فى العند
نقلت أحدى الصحف الخاصة المصرية عن مبارك وصفه لنفسه أنه  حاصل على درجة الدكتوراه فى العناد  وقال أخرون من العسكريين أن مبارك "عسكرى كما يقول الكتاب " بمعنى أنه يزداد صلابة وعنادا مع زيادة وتيرة الضغوط عليه وتناقل الناس قصص عن قسوته مع ضباطه الأقل رتبة , وربما هذه الخلفية عن مبارك تقدم تفسيرا ولو محدودا عن أسباب تمسكه الرجل  بالسلطة , حتى اللحظة الراهنة ومقايضة أمن المصريين برحيله فى رسالة واضحة أنا أو الفوضى والدولة الدينية .
المهم أنه بعد ثلاثة أيام كاملة , خرج مبارك من برجه العاجى ليخاطب المصريين وليتنازل تنازلا محدودا للغاية وهو إقالة حكومة رجال الأعمال التى" لبست مصر فى الحيط " بخطط التوريث والإفقار على حد تعبير الكاتب صاحب القلم الرشيق مأمون فندى , وأيضا ليعلن أن مجلس الشعب لم يعد سيد قراره وأن أحكام القضاء سوف تنظر فى الطعون المقدمة فى الدوائر الإنتخابية وسوف يتم تنفيذها وهى الطعون التى تزيد عن 90% من الدوائر الإنتخابية  , هذا التنازل كان قد فات أوانه بالفعل فقد شعر المصريون الى أى حد يتعالى عليهم رئيسهم الذى لم يهتم بدماء الناس فى المواجهات مع المتظاهرين فلم يقدم  تعازيا لذويهم , وبدت مفرداته متغطرسة لآتعترف  أن شعبا جديدا فى  مصر قد ولد فى 25 يناير على وقع أقدام شبابه , وبدمائهم وأن هذا الشعب بات يدرك أن الأنتصارات لا تدرك الإ بالتضحيات . وغنوا لأم كلثوم" لاتدرك المطالب بالتمنى ولكن تؤخذ الدنيا غلابا "
 وفى وقت كان مبارك يطيح بحكومة كرهها الجميع , كانت المعارضة بلورت مطالبها فى تنحية الرئيس فورا والسعى لإنتقال سلمى للسلطة.  أما شباب التحرير فلكل فريق منهم خيمة فهنا جماعة كلنا خالد سعيد وهناك مجموعة 6 أبريل وثالثة جمعية التغيير , كانوا صناع ثورة جماعية لم نعرفها  فى كتب التاريخ المصرية التى لم تحكى  الإ  عن الفرعون أوالمستبد العادل أو رب العائلة
وربما تكون هذه هى أزمة الثورة التى نناقشها فى صبح جديد من يوميات الثورة المصرية .

Amany Altaweel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]