ما قبل البداية ... لماذا أكتب ولمن ؟*
ربما يكون من المبكر أن نكتب عن الثورة المصرية وفصولها ومالأتها التي  لم تتحدد بين ثلاثة أطراف الناس في الشارع والنظام السياسي والقوات المسلحة المصرية.
 إذن لماذا أكتب الآن ؟ دعوني أعترف أنها مساحة انعتاق شخصي أولاً وقبل كل شيء , مساحة ينتصر فيها قلمي لمشاعري الشخصية في لحظة ثورة الناس وأشواقهم إلى الحرية والكرامة , لحظة أدرك تماماً وبيقين أكيد أنها لن تتكرر مرة أخرى في عمري , لحظة أطلق العنان لآمالي وأحلامي  في العيش الحر الكريم بكرامة كمواطنة مصرية فقط أماً وزوجة خالة وعمة, لحظة لن أترك فيها بالتأكيد النظر بعمق لخلفيات الأحداث وتفاعلاتها  وتوقعاتي لمساراتها , ولكنى لن أهمل أيضا الحكايا البسيطة التي جرت تحت أقدام المتظاهرين في ميدان التحرير للعجائز الذين لم يستطيعوا الوقوف ليهتفوا مع المتظاهرين ولكنهم جلسوا تحت أقدامهم على الأرصفة, لم تلحظهم الكاميرات في موقعهم هذا ولم تكتب عنهم الصحف, يدعون للمتظاهرين , ويدعون على ظالميهم يمدون أصحاب الحناجر بالطعام والشراب كي يواصلوا مهامهم في محاولة إسقاط الحكومة , ويحكون قصصهم الخاصة , هؤلاء ليس لديهم شهداء في المظاهرات ولكنهم لهم ثأر مع نخبهم الحاكمة عبر ثلاثين عاماً, وإذا كان العالم يحكى عن الشباب المصري ، وثورة الفيس بوك فأنى سوف أحكى عن آباءهم وأمهاتهم   الذين دفعوا بهم إلى المظاهرات بلا خوف ولا وجل من أجل مصر ، مصر التي في خواطرهم دولة كبيرة وعريقة ومؤثرة, دولة للجميع بلا تفرقة بين رجال أعمال وبسطاء , بين مسلمين ومسيحيين , دولة تعترف بجدارة الشعب في العيش مختارين نظامهم السياسي عبر صندوق انتخاب نظيف , دولة تفتح الباب أمام الكفاءات ليحتلوا مواقع العمل والإنتاج ولا تولى عليهم الجهلاء والفاسدين وأصحاب المصالح , هذه هي أسبابي للكتابة ببساطة ووضوح , ولكن أيضاً أين أنشر , للذين يعيشون الحدث لحظة بلحظة يعرفون تفاعلات ما قبل الانفجار وحكاياتها غير المنشورة  والمسكوت عنها من قصص يومية  عبر مواقعهم في العمل أو علاقاتهم الاجتماعية , أو بمتابعة الشأن العام عبر الصحف الحزبية والخاصة , أم للقارئ السوداني الذي كان في معظم الأحيان هو قارئي الثاني وليس الأول, حين كان يتلق كتاباتي ودراساتي منقولة عن صحف مصرية و خليجية , ورغم ذلك طوقني هذا القارئ بجميل كبير حين كان ينقل لي عبر العديد من الأصدقاء والمتابعين أن القارئ السوداني العادي كان يسعى وراء هذه الكتابات , ويدرك  أن القيم المحركة لها هي الولاء للقارئ فقط  واحترام قيم الاستقلال والتوازن  والتدقيق. وربما كانت رحلة واشنطن التي امتدت لعام كامل فرصة لأكتشف مدى أتساع هذه المتابعة لما أكتب، فقد أحاطني الكثير من قرائي من رموز الجالية السودانية بفيرجينيا هناك برعاية ومساندة  طوقتني بعظيم فضل لن أنساه، خصوصاً في أوقات الشتاء الجليدي العنيف الذي عانى منه سكان الساحل الشرقي للولايات المتحدة كما لم يعانوه على مدى قرن كامل من الزمان والذي كنت أواجه لأول مرة في حياتي.
وأظن أن هذا هو وقت رد الجميل لهذا القارئ ليكون القارئ الأول لهذه اليوميات للثورة المصرية التي أنجزت رغم عدم تبلور نتائجها النهاية بعد  هدف انعدام فرص التوريث في نظم الحكم الجمهورية في محيطنا العربي والأفريقي, وهى المهمة التي أعادت للمصريين كرامة قد طعنوا فيها ,   على مر سنوات حكومة أحمد نظيف المسئولة بشكل أساسي عن ترتيب  أوراق هذا التوريث عبر التغييرات الدستورية في عام 2007 المهمة المصرية أكملت الإنجاز التونسي العظيم  حين نجحت ثورة الياسمين في إدخال قوة الشعب الأعزل إلى ميزان المعادلات السياسية الداخلية في وطننا العربي.
ولابد لي أن أقدر هذه المساحة من النشر التي خصصها لي الصديقين محمد لطيف, وعادل الباز وهي تجئ في وقت بالتأكيد تشكل تحولات السودان المصيرية بؤرة الحدث على المستوى السوداني, ولابد أن أشكرهما أيضاً على اهتمامهما وترحيبهما وأيضاً على التكاليف السياسية المحتملة لهذا النشر فى توقيت حساس بوادي النيل. أما الصديق فيصل محمد صالح صديق الشباب والشيب أيضا فله منى كل التحية والتقدير فلم تتح لي فرصة أن أشكره أبداً علناً على ما قدمه لي من عون في العلم والمعرفة عن الشعب السوداني العظيم , وعن الكثير من دقائق الحياة السياسية على المستوى التاريخي .
البداية
 لقسم الشرطة فى ذاكرتي ثلاث حوادث الأول حقيقي معروف في نطاق ضيق, والثانى هو نبؤه المخرج المصري خالد يوسف في فيلمه هي فوضى.  والثالث مجرد حلم منام لي قبل ثلاثة أشهر تقريباً .
الحدث الحقيقي كان بطله زميلنا فى مركز الأهرام الدراسات الراحل العظيم الدكتور محمد السيد سعيد الذي واجه الرئيس مبارك في لقاءه السنوي بالمثقفين المصريين وقال للرئيس إن أقسام الشرطة تمارس انتهاكاً ضد حقوق الإنسان وأصبحت قلاعاً لتعذيب الناس وانتهاك الحرمات, وهو كلام لم يقبله الرئيس وأستهزئ به ورفض أن يتسلم من المرحوم سعيد ورقة كان فيها مقترحات لتجاوز هذه الأوضاع , فسارع المسئولين عن البروتوكول إلى تسلم الورقة من المرحوم سعيد. هذه المواجهة العاصفة التي جرت عام 2007 تسببت أن ينحصر لقاء لمبارك السنوي بطيف من المثقفين محسوم ولاءه السياسي في إطار الحزب الوطني الحاكم والذي يترأسه مبارك شخصياً.
أما  نبؤه خالد يوسف فهي المشهد الختامي من فيلمه الواقعي جداً " هص فوضى "  وهو المشهد الذي صور جموع الناس تقتحم مركزاً للشرطة  بحثاً عن أحد أفراده الذي عاث فساداً بفرض إتاوات على الناس وختم هذا الفساد باغتصاب جارته التي رفضته زوجاً .  
حلم المنام تحقق على أرض الواقع في ميدان التحرير يوم 26 يناير , الحلم كان أنني أنقذت شاباً من يد ضابط كان يضربه , وصحوت مذعورة من دلالة أن يقفز إلى أحلامنا رجل الشرطة في هذه الصورة , أما الواقع فهو إنني حين صرخت في ضابط الشرطة لأخلص شاباً من بين يديه وتجرأت وأمسكت يد الضابط بعصاه الذي يبدو أنى فاجأته كما فاجأت نفسي .  
هذه الحكايا الثلاث ربما تقدم الإجابة واضحة لا لبس فيها ولا تأويل لماذا أختار المتظاهرون أن يكون عيد الشرطة الذي يحتفي فيه المصريين تاريخياً بالشرطة التي وقفت يوم 25 يناير 1952 ضد قوات الاحتلال البريطاني لتحمى مدينة الإسماعيلية توقيتا لإعلان غضبهم ، وكيف عبر هذا الاختيار عن الاحتقان الواقعي ضد جهاز الشرطة المصري.
تواعد  هؤلاء الشباب على اللقاء فيميدان التحرير عبر الإنترنت, وتوقعت الحكومة والنخب السياسية أن تكون الأعداد محدودة ومقتصرة على القاهرة فقط , لكن مئات الآلاف وفوا وعدهم في أنحاء مصر كلها في خطوة  مفاجئة للجميع, قاد شباب الشريحة الوسطى والعليا من الطبقة الوسطى المصرية الذين اكتسبوا وعيهم  عبر وسائل الإعلام الجديدة ,  وتم تسييس هذا الوعي بالتراكم والمقارنة عما يعيشونه ويعيش العالم فيه , هؤلاء كانوا يتابعون  مستوى الانسداد السياسي في تداول السلطة  ويعرف البعض منهم  بحكم مواقعهم الاجتماعية ووظائف ذويهم الكثير من أسرار الفساد فيتم تبادل أخبار الصفقات المشبوهة على الكوفي شوب ومواقع التواصل الاجتماعي . وهذه الصفقات تسببت في ظهور احتقان كبير وعميق في كافة الفئات الاجتماعية , فمستوى الفساد المكتشف كان أكبر من خيال مخرجي السينما في أعقاب حادث مقتل الفنانة سوزان تميم التي كانت تحصل على 40 ألف دولار أسبوعياً كمصروف جيب بينما يعيش 30 مليون مصري تحت خط الفقر أي 2 دولار يومياً فقط , والمفارقة أنه قد نقل عن اجتماع مبارك الأخير ببعض هؤلاء المثقفين قبيل الانتخابات البرلمانية قوله أن بعض رؤساء شركات النظافة الأجانب المتعاقدين لتنظيف القاهرة يقولون له أن مستوى المخلفات الغذائية للشعب المصري مرتفع عن الدول الأوروبية , ولكن تم الرد على السيد مبارك بالقول إن شركات النظافة تعمل في الأحياء الراقية كما أن هناك الكثير من الجوعى الذين يقتاتون من هذه الزبالة وهو قول كدر  الرئيس المنتهية ولايته وربما أعتبر أن القول به نوع من افتقاد اللياقة في حضرته التي كانت رئاسية.
 مستوى الاحتقان الناتج عن  فساد رجال الأعمال المحيطين بأسرة الرئيس مبارك لم يقدر خطورته نخبة الحزب الحاكم بل أنهم قدموا تنظيرات لم تستند إلى واقع الحياة المعاشة فقد اعتبروا الفئات الاجتماعية المستفيدة من  ارتفاع مستوى النمو أي الشرائح العليا من الطبقة الوسطى هي الكتلة المساندة لهم واعتمدوا على مؤشرات اقتصادية خادعة للتدليل على أتساع هذه الكتلة, وبالتالي التقدير أن هناك مستوى رضا عالي لهذه الفئة  وهؤلاء المنظرين في الحقيقة أهملوا أمرين الأول مناهج اقتصادية تقول أن بعض السلع الترفيهية تكون ضرورية حينما لا تتوافر شروط الجودة وتلبية الاحتياجات البشرية لسلع أقل منها رفاهية, بمعنى أن يتحول تصنيف السيارة إلى سلعة ضرورية أو حرجة حينما تنعدم وسائل المواصلات التي تضمن كرامة الناس أثناء انتقالهم , ويكون مكيف الهواء ضرورياً حينما ترتفع درجات الحرارة والرطوبة لحد تهديد معدلات النشاط والإنتاج , أو تتسبب في استعصاء النوم مثلاً ، كما تجاهل منظري الحزب الوطني أيضاً ارتباط هذه الفئات الاجتماعية بقيم الحداثة العالمية والتي جعلت من قيم احترام حقوق الإنسان, والحق في التنظيم السياسي, و تداول السلطة سلمياً  ونزاهة الصندوق الانتخابي استحقاقات غير قابلة للتصرف أو التسويف من جانب السلطات السياسية. وربما كان مانشيت الأهرام أمس ا فبراير " حكومة بلا رجال أعمال " محاولة متأخرة جداً لاكتشاف مدى العبث الذي مارسه البعض منهم.   
الجدع في الميدان
في 25 يناير خرج هؤلاء جميعاً الفقراء الذين وصلوا إلى حد التقوت من مخلفات الأغنياء والشباب الرافضين بطهارة أعمارهم الغضة انتهاكات التعذيب التي كان عنوانها لديهم الشاب السكندري خالد سعيد وهو الذي فضح بضغطة زر على الكيبورد فساد قسم شرطة سيدي جابر بالإسكندرية بفيلم فيديو يصور الضباط والمخبرين يتقاسمون غلة إتاوات ويوزعونها على بعضهم البعض, لاحق مخبري القسم الشاب واعتدوا عليه بالضرب  المبرح حتى قتلوه , ثم أدعوا أنه مات بابتلاع لفة بانجو ومازالت القضية منظورة أما القضاء على مدى أكثر من ثلاثة أشهر.
المتجول بين المتظاهرين في أيام الغضب لابد وأن يلحظ أنهم وأن كانوا وفى المجموع متنوعين طبقيا واجتماعياً وسياسياً ولكن يبقى أن السمات الظاهرة لغالبيتهم مختلفة من يوم إلى يوم .
يوم الثلاثاء  25 يناير كان غالبية هؤلاء من الشباب , المنحدرين من فئات اجتماعية مستريحة نسبياً ملابسهم منتمية إلى علامات الملابس العالمية وصلوا إلى ميدان التحرير بسيارتهم الخاصة وبرفقة الزميلات من الجامعة أو الأخوات, و غالبية مطالبهم مرتبطة باحترام حقوق الإنسان وإنهاء الحكم الطويل جداً لحسنى مبارك. الفقراء كانوا حاضرين لكن ليسوا المعدمين أو المهمشين الحفاة من المناطق العشوائية والمهنيين والأوساط العمرية الوسيطة كانوا موجودين أيضاً لكن ربما يكون المحرك الرئيسي لهؤلاء كان محاولة استعادة الكرامة المفقودة مع محاولات توريثهم كالنعاج لنجل مبارك بالالتفاف على الدستور المصري.
  أستقر هؤلاء  جميعا على المبيت في ميدان التحرير , ورتبوا ظروفهم المعيشية فنصبوا الخيام وطبخوا حول " راكيات النار "  وغنى الشباب ربما ليدفئوا أنفسهم من برد الليل " الجدع جدع والجبان جبان, بينا يا جدع نبات فى الميدان"
على مستوى النخب السياسية المعارضة , الغاضبون منها كانوا أفراداً وليس جماعات ولم يكن بينهم من الإخوان المسلمين إلا النذر اليسير ربما أقل من 5 % من حجم المتظاهرين . وكان من الواضح أن هؤلاء خرجوا بلا أى نداءات تنظيمية بعد أن قبلت جماعة الأخوان تحذير السلطات لها بعدم الخروج فى يوم عيد الشرطة
الحكومة المصرية افوجئت تماما  بثورة  الشباب فلم يتسع علمها أو ثقافتها لتعرف قوانين الطبيعة التى يتعلمها الأطفال فى المدارس وهى أن "التراكم الكمى يؤدى الى تغير كيفى ", وربما من زاوية هذا الجهل  تم أعتبار  أن تكوين برلمان بديل للبرلمان المزور  مجرد " تسلية " ولكن حينما  حول الشباب التسالى الى تهديد للنظام حاولت الحكومة أن تظهر بمظهر متحضر أمام العالم فتبلور موقفها على مدار اليوم  بتقدير أن أتركوا هؤلاء يعبرون عن آراءهم التي نحترمها ولكن عليهم مغادرة الميدان في نهاية اليوم .
 هذا القرار تغير في منتصف الليل بفعل الأعداد  المتزايدة إلى حد فجيعة النظام ، وانتشار التظاهر في ميادين المدن بالقطر المصري , خصوصاً في الإسكندرية والسويس وأيضاً غطرسة وزير الداخلية حبيب العادلي الذي يستند إلى ما يزيد عن المليون ونصف عنصر شرطة كانت تلتهم ما يزيد عن ملياري دولار من الموازنة المصرية السنوية لدعم تجهيزاتها.
 قرار المواجهة إذن تم في نهاية يوم 25 يناير باعتماد الحل الأمني واعتبار أن مئات الآلاف المتجمعين في ميدان التحرير بالقاهرة, وفى ميادين السويس والإسكندرية مجرد خارجين عن القانون والشرعية , كما وصفهم وزير قال في غرور واضح أن قادر على حسم المسألة على التليفزيون الرسمي ليلة 26 يناير.
 فتحت خراطيم المياه على الشباب في القاهرة بينما أنطلق الرصاص ليحصد الأرواح في السويس, ففجرت خلطة المياه والدم, وخطة وزارة الداخلية في التخريب طاقات الناس فاجتازت مصر عتبة الثورة بعدما كان 25 يناير هو يوم لإعلان الاحتجاج والغضب فقط .
 وإلى البقية في صبح جديد من يوميات الثورة المصرية .....
*نقلا عن صحيفتي الأحداث والأخبار السودانيتين
Amany Altaweel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]