نحو منظور جديد لمستقبل السودان
د. أماني الطويل
خبير الشئون السودانية   بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قدمت هذه الدراسة الأولية  فى أطار مؤتمر العلاقات المصرية السودانية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية  جامعة القاهرة الذى عقد يومى 12-13 ديسمبر تحت عنوان العلاقات المصرية السودانية تحت ظروف السودان الراهنة  

الآليات الجارية بشأن تقسيم السودان نراها بالأساس ضد المصالح الذاتية للشعب السودانى وذلك بغض النظر عن أية مصالح إقليمية أو مصرية أخرى فقضم السودان على هذا النحو يعنى انخفاض الوزن النسبى للإنسان السودانى شمالا وجنوبا وأضعاف قدراته الذاتية والمجتمعية للتمتع بمجتمع الرفاه فى يوم من الأيام وهو مستقبل كان ينتظر السودان لو أن نخبه قد أحسنت التصرف لحظة الاستقلال وأدركت ماذا تحكم ومن تحكم , ولو أن المصالح  الأجنبية  لم تكتشف هذا الضعف وتوظفه على النحو الذى جرى لإنهاء فرص السودان الكبير أن يتحول الى دولة مؤثرة فى إقليمها وقائدة فى تفاعلاته وذات وزن دولى يشار له .
على أن هذه الحقائق لا تعنى إهمال تحليل طبيعة التفاعلات الجارية وقراءتها على نحو دقيق , وهى المحاولة  التى  نقوم بها فى هذه الورقة
تنطلق هذه الورقة من فرضيتين نظريتين الأولى  تقول  بأن يسفر استفتاء جنوب السودان المزمع عقدة قي 9 يناير القادم عن تقسيم السودان إلى دولتين في سياق من التراضي والتوافق بين الشمال والجنوب على هذا المسار يؤسس لعلاقات تعاونية وهو الافتراض الذي يعززه الإعلان عن  خطوة تأجيل الاستفتاء على منطقة  أبيبى التي اقترحتها الإدارة الأمريكية  ورعاية واشنطن لهذه الخطة ، أما الفرضية الثانية فتقوم على أساس إمكانية تسوية الصراعات الجنوبية  دون انفجار صراعات مسلحة واسعة النطاق ترتقى الى مستوى الحرب الشاملة. وتنظر هاتين الفرضيتين الى أن التضاغط الحالى بين الشريكين يدور فى إطار المزايدات الضرورية لتحسين شروط كل طرف فى التسويات القائمة
أسباب العلاقات التعاونية :    
أولا : الدور الذى تلعبه الإدارة الأمريكية الحالية فى ضبط التفاعلات بين الطرفين ,حيث نرى أن أدارة الرئيس أوباما تقوم بضبط التفاعلات بين الطرفين بهدف نهائى هو أحداث الطلاق السلمى .
وأن هذا الضبط الأمريكى للتفاعلات سوف يستمر حتى نهاية فترة أوباما الرئاسية وذلك لأسباب متعلقة بطبيعة الضغوط الاقتصادية  على الإدارة الأمريكية فى هذه المرحلة الناتجة عن حربى أفغانستان والعراق فهى لا تحتاج لا الى تدخل مباشر ولا الى تمويل حروب بالوكالة
وتبدو الأوراق المملوكة للجانب الأمريكى تدعم قدراته  فى التأثير على الجانبيين فالجزرة الأمريكية تلوح لحزب المؤتمر الوطنى برفع العقوبات الأقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وهو أمر يساهم على نحو مباشر فى تعزيز قدرات حزب المؤتمر الوطنى فى نطاقه الشمالى ويدفع بدماء الاستثمارات الى عروقه .
أما على  جانب الحركة الشعبية فإن الدعم اللوجستى الذى قدمته الولايات المتحدة لها  سياسيا وأقتصاديا ومعنويا  وما تزال كفيل بتأثير لا يستهان به على التفاعلات الداخلية بالحركة الشعبية  وعملية أنتاج القرار فيها

ثانيا : طبيعة توازن الرعب القائم بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية ذلك أن قدرات المؤتمر الوطنى فى دعم المنشقين عن الحركة الشعبية تقابلها قدرات للحركة الشعبية فى دعم حركات دارفور المسلحة وهو السيناريو الذى شهدنا وقائعه فى الأيام الماضية  حيث أن القصف الجو ى الشمالى لمواقع جنوبية كان ردا على المحاولة المبكرة من جانب الحركة الشعبية لدعم حركات دارفور
وكانت النتائج إعلان الحركة الشعبية  تراجعا عن استضافة أيا من الحركات الدارفورية بالجنوب أساس تحجيم قدرات المؤتمر الوطنى فى دعم المنشقين عن الحركة .
وفى تقديرنا أن حزب المؤتمر الوطنى سوف يتراجع أيضا عن سلوكه المعهود فى دعم المنشقين عن الحركة الشعبية فى الجنوب وذلك تحت ضغوط الحاجة للبترول الجنوبى  من جهة , وضعف مستويات الميزانية العامة  فى الشمال التى من المتوقع أن تؤثر  على حرية حركة المؤتمر الوطنى لتمويل مثل هذا الدعم ولكنه سيقى خيارا قابلا للاستعمال اذا أقدمت الحركة على الاستجابة المطلقة للمخططات الغربية فيما يتعلق بخلق تحالفات بين جنوب وغرب السودان على حساب المركز
وفى هذه الحالة سوف يستطيع المركز خلق التحالفات الإقليمية الداعمة له وسوف تتحول السودان كما لبنان ساحة لإدارة الصراعات الدولية و  الإقليمية على المستوى الإفريقى.
ثالثا : الجهود الأقليمية والدولية لتدشين مبدأ الأعتماد المتبادل  بين الشريكين حيث قدمت القاهرة فى ورش العمل المعقودة بأغسطس الماضى أفكار متنوعة عن فرص التعاون  كما ينشط المجتمع الدولى فى تحفيز هذه الفرص  حيث يبرز المجهود النمساوى الذى أختار الوسائل الصحيحة للأعلان عن هذا المجهود لتسويق دوره .
أسباب استقرار الجنوب
أما على الجانب الجنوبى فنرى أن المشاركة فى المظلومية التاريخية  من الشمال  يبدو مدخلا مهما ومؤثرا لترتيب البيت الجنوبى فى مسار مغاير لسيناريوهات الفوضى المتوقعة خصوصا وأن هناك من الخبراء الغربيين الذين يعكفون على رتق تمزقات البيت الجنوبى والدفع نحو إجراءات بناء الثقة بين الأطراف المتصارعة  ويدعم هذه المحاولة الآتى.
- طبيعة  توازنات القوى الجنوبية في جنوب السودان و التي تجعل  الحركة الشعبية ذات  وزن نسبى أعلى من باقي الفرقاء  الجنوبيين لاعتبارات مرتبطة  بطبيعة التسليح الذي حصلت عليه خلال الفترة الانتقالية , و.طبقا لذلك ستعزز قدراتها في حسم أية صراعات محتملة مدعومة من المجتمع الدولي   الذي سيقوم بتحييد العامل الشمالي في خلق القلاقل بالجنوب وذلك  عبر إمكان  فتح ملفات دارفور والمحكمة الجنائية الدولية .
- مقدمات الحوار السياسي بين القوى الجنوبية والذي تم في يوليو الماضي حيث لعبت الوحدة الإثنية الزنجية عاملا حاسما في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء  التاريخيين وهو الأمر الذي يفتح أمكانية إدارة الجنوب في مناخ سلمى رغم التقاطعات القبلية والسياسية.
- الإسناد اللوجستى الذى تحظى به الحركة الشعبية من  المجتمع الدولى  خصوصا الولايات المتحدة لأمريكية, والذى يتضمن دعم القدرات فى كافة المجالات  وهو الأمر الذى سيترتب عليه دخول استثمارات أمريكية للجنوب  لاسيما فى مجال النفط وبالتالى دعم القدرات التنموية لدولة الجنوب الوليدة  
- دور العامل الأسرائيلى فى دعم الحركة الشعبية  وإسنادها أمنيا وعسكريا ضد القوى الجنوبية الأخرى بحسبان أن المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية  تقتضى جنوبا موحدا  قادرا على بلورة سياسات محددة خصوصا فيما يتعلق بنهر النيل  فى وقت لايملك  الجنوبين أسبابا  أو دوافع أخلاقية لمعادة إسرائيل والأستناد الى تقدير أن  الصراع العربي الإسرائيلي لا يخصهم , حيث ينسحب هذا التقدير تاريخيا على معظم القوى الجنوبية والتي ناهضت في حرب 1967 توجهات السودان لدعم مصر ضد إسرائيل  .
على أن تفعيل هذا الدور سيبقى دائما رهنا بأرادة الحركة الشعبية وطبيعة توازناتها بين كل من المصالح المصرية والمصالح الأسرائيلية حيث أن أهمال المصالح المصرية  والعربية فى جنوب السودان يعنى بلورة أستقطابات مضادة  ربما تتحول الى نوع من التهديدات الحقيقية للمصالح الجنوبية .
التحديات التى  تفرضها دولة الجنوب على النطاقين الإقليمى والمصرى
أتجهت السياسات المصرية إزاء السودان الى تحسب إمكانية انفصال الجنوب مستندة فى ذلك فى فهم ومتابعة لجذور المشكلة من جهة وتوازنات القوى المستجدة  والناتجة على اتفاقية نيفاشا من جهة أخرى . وطبقا لذلك حرصت القاهرة على بناء علاقات تعاونية  منفصلة مع جنوب السودان مع تأكيدها  على دعم خيار الوحدة وذلك دون المساس باحترامها لخيارات شعب جنوب السودان سواء فى الوحدة أو الانفصال .
ورغم هذا الموقف الإستباقى الإ أن القاهرة تواجه إمكانية تخريب علاقاتها التعاونية مع جنوب السودان وذلك  من قوى إقليمية متربصة خصوصا إسرائيل , كما سوف تتكثف الضغوط ضدها خصوصا في ملف نهر النيل .ومن المتوقع أيضا إن تواجه مشكلات متعلقة  بمحاولة التوازن بين شمال وجنوب السودان في ضوء الانعكاس السلبي  للعلاقات التعاونية مع الجنوب على الشمال خلال الفترة الماضية .
وسوف يساهم وجود دولة الجنوب الجديدة على  الأوضاع الجيوسياسية بمنطقة دول حوض النيل وشرق أفريقيا بشكل عام  وفى ضوء هذا التوزان الحرج ربما يكون من المطلوب إعادة النظر فى هندسة العلاقات الثنائية بين مصر والدول الواقعة في هذا النطاق  .

(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)