*نقلا عن الأهرام المصرية
د‏.‏أماني الطويل*
خبير الشئون الأفريقية بمركز الدراسات السياسية والأستراتيجية الأهرام

يثير عقد استفتاء تقرير المصير في السودان واستعداد مصر لقبول نتائجه كيفما تكون الكثير من الجدل العام في مصر حول مدي مسئوليةالقاهرة  عن الانفصال المتوقع وطبيعة قدراتها في كبح جماحه

 وهو جدل متكرر وربما يتشابه الي حد كبير مع جدل مثيل جري في السابق  ولكن علي نطاق أوسع بشأن مدي تأثر مصر بانفصال السودان ذاته وإعلان استقلاله عام‏1956.‏
ونستطيع القول إن هذا الجدل المتكرر من جانب النخبة المصرية في أغلبه له سمات مشتركة منها التركيز بشكل واضح علي الملف المائي ومدي تأثر مصر بأي تغيير في طبيعة وشكل الدولة في السودان في وقت يتجاهل أو يجهل الي حد بعيد التعقيدات والتفاعلات السياسية السودانية ودور الأطراف الداخلية فيما آلت إليه الأوضاع في السودان‏.‏
وربما يكون من المفيد هنا تقييم الدور المصري في أطار مقارن بين أدوار الإدارة المصرية في السودان في الخمسينيات حينما كان المطروح بقاء السودان موحدا مع مصر وبين الوقت الراهن الذي تبدو فيه وحدة السودان علي المحك‏.‏
في الفترة الأولي سعت الإدارة المصرية الي اعتماد مسارين الأول أعطاء السودان حق تقرير المصير بعد أن تبلور هذا المطلب ليكون محركا أساسيا للنخب السودانية وفي ضوء هذا الواقع لم يكن من المتصور أن تسعي مصر ذاتها الي استقلال عن الاستعمار الانجليزي بينما تمارس سلوكا استعماريا إزاء السودان‏.‏
أما المسار الثاني فهو الدخول كلاعب رئيسي علي الساحة السودانية بهدف أن يسفر استفتاء تقرير المصير عن وحدة طوعية تكون حجر أساس في وحدة عربية شاملة وهي الرؤي التي كشفت عنها الوثائق المصرية والبريطانية المفرج عنها والتي وصلت من الجانب المصري الي حد وضع تصورات تفصيلية للدولة الموحدة وفي سبيل ذلك نجحت مصر في تقوية التيار الاتحادي الساعي الي وحدة وادي النيل فقامت بتوحيد الأحزاب الاتحادية السودانية السبعة في حزب واحد وقوضت الجهود البريطانية في منح الاستقلال لشمال السودان دون جنوبه واستطاعت أن تجذب الجنوبيين أنفسهم الي الخيارات المصرية في مواجهة الطرح البريطاني الساعي الي الاستمرار في سياسة غلق الجنوب التي بدأت عام‏1922.‏
هذه الجهود الجبارة تم تقويضها من جانب الحزب الاتحادي السوداني نفسه فأعلن استقلالا من البرلمان مخافة أن يصوت السودانون لوحدة مع مصر بعد أن لعب مشروع التحرر الوطني المصري وكاريزما الرئيس الراحل جمال عبدالناصر دورا في أن يبدو خيار الوحدة في هذا التوقيت هو المرجح‏,‏ هذا الموقف للحزب الاتحادي خضع لتحليلات تميل الي تحميل مصر هذه المسئولية نتيجة تدخلها كلاعب مؤثر في التفاعلات الداخلية السودانية لكن تقديري الشخصي ان دوافع ومنافع اقتصادية للنخبة الاتحادية برزت خلال الفترة الانتقالية‏(53‏ ـ‏1956)‏ وتمثلت في امتلاكهم أراض زراعية تحتاج الي تأمين المياه لها من نهر النيل وهو أمر يتطلب استقلالا وتقسيما لمياه النيل‏.‏
منذ تسعينيات القرن الماضي كان الموقف المصري يسعي الي مقاومة إقرار حق تقرير المصير في السودان وربما كانت هذه المقاومة سببا في محاولة تحجيم الدور المصري في السودان من جانب اللاعبين الدوليين حين خلت المبادرة المصرية الليبية من هذا الحق في وقت أقرته الجبهة القومية الإسلامية المفرخ لنظام الانقاذ منذ عام‏1991‏ في اتفاق الناصر مع فريق من الجنوبيين‏,‏ بينما أقرته كل القوي السياسية السودانية الشمالية في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام‏1995‏ وأخيرا وقع نظام الإنقاذ نفسه اتفاقيتي مشاكوس ونيفاشا المنظمة لممارسة هذا الحق للجنوبيين‏.‏
المحصلة النهائية أن حق تقرير المصير الذي سوف تتم ممارسته للمرة الثانية في السودان في يناير المقبل بتقدير مرجح هو الانفصال كان نتيجة للتفاعلات السياسية السودانية بشكل أساسي ووجود مظلومية للجنوبيين لا يمكن إنكارها خلال نصف القرن المنصرم ولم يسهم الأداء المصري في الحالتين سواء كلاعب مؤثر صاحب مشروع أقليمي وله مصالح إستراتيجية مناطح للقوي والمشروع الغربي في الشرق الأوسط أو كلاعب محدود التأثير علي التفاعلات الداخلية السودانية تحت مظلة أطماع دولية في السودان في تغيير النتائج النهائية لمصير سوداني يبدو مقلقا الي حد الفزع‏.‏
في ضوء هذه الحقيقة يبدو الموقف المصري في سعيه لضمان استقرار مؤسسة الدولة في السودان وعدم تفتتها من ناحية وضمان المصالح المصرية فيها أمام توازنات حرجة ففي الجنوب شروط تأمين تدفق المياه متضمنة مشروعات مستقبلية تحتاجها مصر بشدة بعد أن وصلت إلي حد الفقر المائي وفي الشمال علاقات لا يمكن فصمها وتحالفات مطلوبة مع المركز الحاكم لجميع التفاعلات الداخلية الذي يعني انهياره تفتت الدولة ويعني خسرانه لصالح الجنوب فقدان الحليف الأساسي في مواجهة دول منابع النيل التي تسعي لتقسيم جديد للمياه لا تقدر مصر لا حاليا ولا مستقبلا علي تكاليفه الباهظة‏.‏ وفيما يتعلق بالغرب فإن ضغوط المركز علي مصر في الملف المائي له انعكاسات سلبية علي قدراتها في القيام بدور في أزمة دارفور يجعل مجريات هذه الأزمة وتطوراتها بمعزل عن المصالح المصرية ومهددة لانقسامات جديدة في الدولة السودانية‏.‏
من هنا يبدو المسعي المصري الاخير في محاولة ايجاد علاقات تعاونية لا صراعية بين شمال وجنوب السودان عبر ورش العمل المعقودة في القاهرة مسعي مقدرا خصوصا مع التأكيد علي الحرص علي وحدة السودان مع احترام حق شعب الجنوب في تقرير مصيره والنتائج المنبثقة من الاستفتاء حتي ولو جاء الخيار السوداني في صالح خيار الانفصال‏,‏ وتراهن القاهرة علي لفت الانتباه علي وجود منافع ممكنة علي الجانبين من شأنها تقوية الموقف الذاتي لكلا الطرفين‏,‏ كل في قطاعه سواء الشمالي او الجنوبي ولكن المشكلة الماثلة في هذا الطرح في تقديرنا سواء من الجانب المصري او السوداني الشمالي تكمن في امرين الاول هو اعتماد الوحدة بمفهومها التاريخي اي بهيمنة الشمال علي الجنوب وهو مفهوم يجلب الي الذاكرة الجنوبية ذكريات سلبية تعزز فرص الانفصال وليس الوحدة وذلك في وقت تطرح فيه اتفاقية نيفاشا للسلام مفهوما جديدا للوحدة قائما علي مواطنة متساوية يبدو اكثر جاذبية‏.‏
الامر الثاني هو استبعاد الخيارات الاخري ما بين الوحدة والانفصال واعني العلاقة الكونفدرالية‏,‏ صحيح ان المادة‏2-5‏ من اتفاقية السلام نيفاشا حددت ان الاستفتاء يكون ما بين الوحدة اوالانفصال ولكن المادة‏1‏ ـ‏3‏ قالت شعب جنوب السودان له الحق في تقرير المصير ضمن امور اخري عن طريق استفتاء لتحدد وضعهم مستقبلا وعبارة ضمن امور اخري تفتح الباب ان تتضمن استمارة الاستفتاء خيارا ثالثا يحق للجنوبيين فيه علاقة اخري مع الشمال ما بين الوحدة والانفصال وهي علاقة تضمن هيمنة لهم علي الاقليم الجنوبي دون وضع ملفات الانفصال الحرجة علي صفيح ساخن وهي المتضمنة أبيي المتنازع عليها ومصير المناطق الثلاث المثير للجدل وملف ترسيم الحدود المرشح لأن يكون دافعا لحرب جديدة بين الشمال والجنوب‏.‏
ويفتح هذا النوع من العلاقة بين الشمال والجنوب مشاعر الارتياح للجنوبيين التي تسيطر عليهم مشاعر المظلومية كما يفتح مجالا واسعا للحركة الشعبية لترتيب البيت الجنوبي وامكانية استيعاب القوي والقبائل الخارجة عليها بمعزل عن الامكانات الراهنة في دعم الخارجين عليها من جانب الشمال‏,‏ كما يطرح هذا السيناريو للشمال امكانية لحلول وفاقية في دارفور ايضا في ضوء تخلي الظهير التشادي عن العلاقات المسلحة في دارفور‏.‏ ان تفعيل المادة‏1‏ ـ‏3‏ طبقا لمنطوقها ولكن في ضوء تفسير جديد يتطلب من الجانب المصري مجهودا حثيثا وسريعا وملحا في منظومة تراكمية لا تستبعد التشاور مع الفاعل الأمريكي مع التأكيد علي المنافع لكل الأطراف ومن ابرزها الاستقرار الاقليمي وما يفتحه الانقسام السوداني من تهديد لمصالح دولية واقليمية وسودانية تجلب الخسائر لجميع الاطراف بلا تفرقة‏.‏
 

Amany Altaweel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]