قبل سنوات كان الصراع محتدما فى مصر بين أثنين من كبار الصحفيين أحدهم كان رئيسا لتحرير صحيفة الجمهورية والآخر رئيسا لتحرير جريدة مستقلة وتصادف أن الرجلين  كانا يستقلان الطائرة الرئاسية المصرية فى أحد الرحلات الطويلة  للرئيس مبارك . وتداول الصحفيون على الطائرة قصة الصراع بعيدا عن الأثنين  فتناهى الى سمع الرئيس القصة فقال فلان- رئيس تحرير الصحيفة القومية - "صحفى عايز حاجة " وهو مايعنى بالدارجة السودانية " "داير شنو " وكانت هذه العبارة للرئيس هى أحد مانشيتات الصحيفة المستقلة التى اسهب رئيس تحريرها فى النيل من غريمه .

 تذكرت هذه القصة وأنا أتابع ردود الفعل على   نشر مقالى" فى الرد على طلب نائب الرئيس السودانى " خلال الشهر الماضى فى صحيفة الأخبار وعلى مواقع النت الأسفيرية   لأنها من الناحية الموضوعية لم تخرج كثيرا عن أغراض أصحاب الحاجات الذين هبوا لإغتنام الفرصة التى حسبوا انها قد تكون ذهبية لرفع اليد   للقابض على السلطة التنفيذية وهو فى هذه الحالة السيد على عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية   للقول نحن هاهنا رابضون زودا عن حياضك .

وقد تجنب هؤلاء مناقشة الأفكار المطروحة فى المقال جملة وتفصيلا  وهى بأختصار لم تخرج عن فكرتين رئيستين أولا  الدفع نحو أجراء أنتخابات نزيهة بالسودان تدشن شرعية سياسية  للفائز  غير مختلف عليها وبالتالى تساهم فى أستقرار السودان وربما تؤسس وحدته الطوعية.

أما الفكرة الثانية فهى قدرة النخبة المصرية غير الرسمية والأعلام المستقل على التأثير فى المحيط العربى  والمساهمة فى الجدل العام حول مسارات الأنتخابات السودانية .

  أصحاب الحاجات وأحدهم عاد من واشنطن بعد فترة عمل فى السفارة السودانية ربما يريد أن يزيد عليها فى دولة أوربية  أقدموا أولا على التطاول على شخصى من زاوية اننى قد مارست تطاولا على مقام السيد على عثمان محمد طه وهو أمر ليس من ضمن مناهجنا فى حفظ المقامات لأصحابها  مهما صغرت  بأعتبار أن التطاول والأسفاف هى وسائل معدومى الموهبة والمفتقدين للقدرة على النقاش الهادىء ومقارعة الحجة بالحجة .

فضلا عن كونى أقدمت على الأشارة الى مقام الرجل الرفيع بذكر منصبه والتأكيد على قدراته الشخصية والتى قد لمستها عبر أكثر من مناسبة جمعتنى به سواء فى القاهرة أو الخرطوم . 

وعلى عكس مايظن أصحاب الحاجات يبدو هذا المنهج مكشوفا لدى أصحاب السلطة كما أسلفت من قصة الصحفيين المصريين الغريمين ومن قصص أخرى كثيرة يعلمها القاصى والدانى  فحكامنا يستطيعون أن يميزوا بسهولة بين من ينطق عن هوى ومن يبغى وجه المصلحة العامة فى أن يكون السودان وطنا واحدا يتألق بتنوعه  .

و لأنى لازلت أعتقد أن كثير من رموز الحكم فى الخرطوم  يقدرون تماما دور الأعلام وخصوصا فى ضوء مقولة الرئيس البشير " الناس على دين أعلامهم " فأنى أذهب الى القول مرة أخرى أن موقف  السيد على عثمان محمد طه فى مصر من طلب للدعم   لم يكن من قبيل المجاملة التى قال بها أحدهم فى أحدى الصحف  المسئولة أخلاقيا عن زيادة  نبرة الأستعلاء العنصرى فى السودان  فالأستاذ على – كما يطلق عليه فى الصحافة السودانية - ليس من المسئولين الذين يلقون  كلاما على عواهنه , كما أن الأقدام على فعل الطلب  ليس فيه ماينقص من قدر أو مقام أى مسئول- وهو محفوظ بالتأكيد للرجل-  فنحن قد رأينا هنا فى واشنطن رئيس أكبر دولة فى العالم باراك أوباما  وهو يكاد يستجدى  من مجلسه التشريعى  تمرير قانون الرعاية الصحية والجرى هنا وهناك لحشد الدعم الشعبى لطلبه هذا . 

فضلا عن ذلك  أحسب أن نائب رئيس الجمهورية يذكر تجربة الوفد المصرى ا الذى زار دارفور فى أبريل 2004 وكنت من بين أعضاءه , والتأثير الكبير الذى أنتجته هذه الزيارة من تعريف بحقيقة الأوضاع فى دارفور من حيث كونها أحد مظاهر الضعف التنموى والصراع على الموارد والسلطة وليس كما صور الأعلام الغربى الأزمة فى هذا التوقيت . وأذا أضفنا الى ذلك سعى الحكومة السودانية لدعوة معارضيها من الكتاب السودانيين  فى الخارج والأستماع الى أرائهم فى مؤتمرات  خصصت لهذا الغرض لأكتشفنا ببساطة أن الجميع فى السلطة يقدر طبيعة الدور الذى يمكن أن تقوم به النخب المستقلة لخدمة الأغراض الوطنية

لب القضية فيما أرى لدى أصحاب الحاجات أنهم  قاموا بالتطاول على شخصى وتجنبوا مناقشة أفكارى مستندين الى أفتراضين الأول أن هامات المحكومين هى أقصر من هامات الحاكمين  أى أن من يحكمونا هم أصحاب الدم الأزرق الذين من المطلوب أن نجثوا حين نخاطبهم  وهى مفاهيم مناهضة للديمقراطيات ولتقاليدنا الراسخة التى تثمن مقولة  عمر بن الخطاب رضى الله عنه "أصابت أمرأة وأخطأ عمر " أما الأفتراض الثانى فهو أن أن الكاتبة مصرىة وموضوع المقال مسئول سودانى وبالتالى هى مناسبة لأحياء أوهام الأستعلاء المصرى التى لانجد لها ظلا فى الواقع  .

فى المجمل يبدو هؤلاء بعيدين تماما عن التطورات الراهنة فى مصر ,  من حيث كسر تابوهات التقديس عن الحاكم , أو طبيعة النقاش العام والذى يتميز برؤى نقدية  لكل السياسيات الرئاسية والوزارية كما تزداد المقاومة لمشروع توريث السلطة يوما بعد يوم ونحمد الله كثير اننا لسنا موضوعا للتطاول أو للتراشق بسبب دفعنا نحو التحول الديمقراطى فى مصر أو أنتقادنا لبعض السياسات المحلية  فى أكثر الصحف موالاة للحكومة المصرية  , ويبدو أنه قد حدث تبادلا للمواقع فكسرت مصر تابو قدسية  الحاكم وتم التوسع فى الحريات العامة الى حد معقول  بينما أستحدثته  قلة تحاول أن تزرعه فى السودان وهو البلد الذى كان يخاطب فيه المسئول بأسمه الأول فقط  .

 

       

 

 

Amany Altaweel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]