في الوقت الذي يبدو فيه الموقف في السودان حرجا على المستوى السياسي ومرشحا لتفاقم التعقيد على المستوى الأمني جاء موقف الرئيس باراك أوبا ما إزاء السودان غامضا وملتبسا إلى حد بعيد , ولا يمت بصلة للموقف الحساس الذي يمر به  على المستوى الداخلي , ومستوى التهديدات التي من المتوقع أن تواجهها الأوضاع الإقليمية ليس فقط في أفريقيا ولكن أيضا في نطاق البحر الأحمر وعلى المستوى العربي . تصريحات الرئيس الأمريكي في هذا الشأن جاءت تقليدية بلا جديد من حيث التهديد بضغوط   في حال عدم استجابة الحكومة السودانية لتحسين الأوضاع على الأرض, ودفع عملية السلام  دونما ذكر لمجالات تقصير الحكومة وطبيعتها, وأيضا بتجاهل دور الأطراف الأخرى ومسئوليتها في تحقيق السلام. بل وبتقصير من إدارة أوبا ما  ذاتها في تقديم التقرير الدوري عن تطورات الأوضاع في السودان في أطار الإستراتيجية الأمريكية المعلنة بنوفمبر 2009

ويبدو أن توقعاتنا السابقة كانت صحيحة بشأن عدم قدرة هذه الإدارة على تحقيق اختراق جدي في الملف السوداني بالمعطيات الحالية وذلك  بما يحقق مرور محطتي الانتخابات هذا العام والاستفتاء في العام القادم بمكسب الاستقرار على الأقل.

 وتبدو لنا عجز هذه الإدارة واضحا لعدد من الأسباب منها حجم الضغوط الهائلة التي تمارسها لوبيات الضغط الأمريكية المناهضة للحكومة السودانية والمتهمة عالميا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية على مستويات متعددة في دارفور .

وهى المجموعات التي نجحت في ضمان حشد وتأييد الأمريكيين من أصل أفريقي إلى الحد الذي هددت فيه هذه المجموعة بالكونجرس الرئيس مؤخرا بإدارة صراع معلن ضده إذا ما أقدمت أدارته على أستقبال أعضاء في الحكومة السودانية بشأن العقوبات الاقتصادية على السودان  وهو التهديد الذي أذعن له أوباما لأنه في حال تنفيذه سينتج عنه حرجا سياسيا بالغا حين يقف ضد أوباما  السود الأمريكيين وهو منهم .

وبالتأكيد يشكل تخلى الأمريكيين السود عن أوباما خسارة هو في غن عنها لكتلة انتخابية  رئيسية خصوصا في وقت يواجه فيه تداعيات موقف داخلي صعب على المستوى الأقتصادى. النقطة الثانية التى نجحت فيها هذه اللوبيات بطبيعة الوزن النسبى لليهود فيها هو تحويل الأزمة الأنسانية فى دافور أمام الرأى العام الأمريكى  الى مستوى مايسمى بمحرقة الهولوكست بل وتم أفتتاح جناح لدارفور فى هذا المتحف الذى يعد من أكثر المتاحف فى  واشنطن جماهيرية من حيث معدلات الأقبال عليه سواء من جانب الأمريكين أو السائحين والزائرين 

وفى مقابل اللوبيات  المناهضة للحل السياسى فى السودان والذى تعتبره خصما من قضية  إقرار العدالة  فى دارفور ولاتضع فى أعتبارها مستقبل السودان كدولة أو حتى دولتين تبدو الساحة  الأمريكية خالية تماما من أية لوبيات أخرى تطرح الوجه الآخر من العملة  أى أفضلية الحل السياسيى فى حل أزمة دافور ,صحيح أن جامعة هوارد قد أحتضت مجموعة سلام سودان والتى يقودها د. هاشم التنيى إلا أن هذه المجموعة تفتقد القدرة على الحشد والتنظيم وجلب التمويل بالمعايير والقدرات الغربية ,كما أنها  مفتقدة الى صياغة خطاب سياسيى مبلور له سند أخلاقى .  

وبطبيعة الحال المشكلة الرئيسية التى من الممكن أن تواجهها مثل هذه المجموعات هو الخمول الحركى  للقواعد المحتمل أن تساند الطرح القائل بألوية الحل السياسى فى السودان وهم العرب والأفارقة والمسلمون من ناحية وأهمال  وعدم فاعلية السفارات العربية والأفريقية والأسلامية فى هذا المضمار من ناحية أخرى , وهى السفارات التى تحتاج الى قدر من خيال لتفعيل خيار الحل السياسى فى دارفور عبر مجالس للعرب والمسلمين هى موجودة على الأرض فعلا فى العاصمة الأمريكية وعدد من الولايات الأخرى. 

 ويبدولنا أن الأدراك السياسى الرسمى على المستوى الثلاثى السودانى والعربى والأفريقى لايقدر أهمية جماعات الضغط وفاعليتها  فى النظام السياسى الأمريكى , كما أنه ينظر الى الكونجرس ككتلة واحدة يؤثر فيها اللوبى اليهودى بشكل رئيس وبالتالى فهو يكف عن شر القتال فى هذا الميدان

وهذا التقدير فى رأيى يحتاج الى مراجعة وأعادة تقييم لسببين الحيوية الهائلة التى يتمتع بها النظام السياسى الأمريكى والتى تتيح قدرة معقولة على التأثير بشرط بذل المجهود المطلوب وأعتماد المعايير الغربية من أستمرارفى  الفاعلية, وأستهداف القواعد الجماهيرية المساندة فى كافة المجالات, وأيضاالتعلم من المجموعات الأخرى فى كيفية النفاذ القواعد النشطة مثل تلاميذ المدارس الثانوية   الفنانون على سبيل المثال لا الحصر. ولعل مايثبت صحة ماذهبنا اليه أن هناك مجموعة من النواب الأمريكين  تكونت أخيرا وسمت نفسها الوحدة من اجل المصالح القومية الأمريكية  طالبت الرئيس  الأمريكى بضروة تبنى حلا للصراع فى فلسطين بأعتباره ينعكس مباشره على الأمن القومى الأمريكى . وهذا المثال يعنى ببساطة أمرين ان الكونجرس ليس كتلة صماء ,وأن التأثير لصالح أولوية الحل السياسيى فى دارفور ممكن وليس مستحيلا.

في التحليل الأخير يبدو لي أن هناك خطأ يتم ارتكابه  من جانب الفاعل السياسي السوداني أو الأقليمى المعنى بالاستقرار في السودان في قصر التفاعل في الأزمة السودانية على المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى السودان سكوت جرا يشن فقد كنت شاهدة على استئساد مجموعة من النواب ضده في الكونجرس في ديسمبر الماضي فالرجل بخلفيته العسكرية ومنهجه المستقيم يبدو أمام هؤلاء المدربون على أساليب العمل السياسي وأدواته المراوغة غير قادر على اللعب بمهارة في مسرح الكونجرس , ويبدو هؤلاء النواب والشيوخ وبجماعات الضغط من ورائهم مؤثرين في تعطيل الأدارة الأمريكية على النحو الذي لمسناه في منعها من استقبال مسئولين سودانيين, من هنا لامفر من تنشيط مستويات أخرى من التفاعل بالكونجرس في المرحلة الأولى على أن يتبعها السعي لتكوين مجموعات ضغط مناصرة للتوزان فى معالجة الأزمة السودانية بعيدا عن الشطط الذى يتجاهل السودان كدولة ويهمل ضرورات استقرارها  وهو أمر لاأجده مستحيلا ولكنه متطلبا لخيال وفاعلية  .

 

Amany Altaweel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]