منذ ان أُعلن عن إقامة المبارة الفاصلة بين مصر والجزائر فى الخرطوم، وأنا أضع يدى على قلبى، إشفاقا من تأثير هذه المباراة وما سوف يكتنفها من أحداث على العلاقات المصرية السودانية التى- رغم كل عمقها التاريخى والوجدانى – لاتنقصها الحساسيات ..

وقد زاد من قلقى هذا مقال للدكتور زهير السراج كان قد أشار فيه إلى أن قسما من أبناء السودان لا يتمنون فوز الفريق المصرى حتى لو كان يلعب ضد دولة افريقيه.. ورغم أن ما أشار إليه الكاتب أمر طبيعى ولاغبار عليه، إلا أن مبعث قلقى كان أن مصر كما يعرف الجميع حينما أرادات ان تختار، اتجهت على الفور عقلا ووجدانا إلى السودان، بشعور الواثق انه سيلقى الُنصرة والمؤازة لدى الاخ والشقيق..

 

فى نفس هذا السياق وفى صباح اليوم التالى للمباراة التى جرت فى القاهرة هاتفنى الدكتور إسامة الغزالى حرب، وعبر لى عن نفس المخاوف وعن قلقه من أن تخرج المباراة عن مسارها، وقال  لى انه فوجئ بان ابنته من ضمن المسافرين الى الخرطوم لتشجيع الفريق المصرى مع مجموعة من صديقاتها ، وانها تفكر ان تبقى ثلاثة أيام بعد المباراة لكى تشاهد الخرطوم ومعالم السودان المختلفة وانه شجعها على ذلك، وإختتم المكالمة بان طلب منى الاسراع بكتابة مقال فى الاهرام للتنبية الى الظروف الدقيقة المحيطة باقامة المبارة فى ام درمان ، ولكنى لم اتمكن للاسف حيث كنت خارج القاهرة ولم اعد الا صبيحة يوم المباراة نفسها.

 

 ورغم ان هذه مجرد مباراة فى كرة القدم إلا أن الشحن الإعلامى والتوتر الجزائرى المصرى قد وضعها فى نهاية المطاف فى غير إطارها، وترتبت عليها تداعيات وسلوكيات فى الاتجاه الخاطئ الذى يهدم ولايبنى.. ويخّرب ولايعّمر ، تاركة وراءها  آثارا سلبية فى علاقات بين اشقاء سبق أن تم مهرها بالدم على الجانبين، وضاعت فى الزحام والتصرفات السوقية مواقف مصر الشامخة على كل الصعد مع ثورة الجزائر،  ومشاركة فرنسا فى العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 حقدا وانتقاما من مصر لمواقفها مع ثورة المليون شهيد، كما تناسى الكثير من الجهلاء الجدد من مقدمى البرامج الرياضية وغيرها فى مصر مواقف البطل هوارى بومدين ومن خلفه شعب الجزائر العظيم مع مصر فى حربى الاستنزاف واكتوير، وتقديمهما الغالى والنفيس وقوفا مع مصر وشعبها ضد عدونا الواحد المشترك.

 

أعود إلى موضوعنا الأصلى وهو وقفة السودان مع مصر ، وهى وقفة الاخ مع أخيه بحق، بمحبة قلبية وبإدراك تلقائى للوشائج العميقة التى تربط بيننا، وأقول دون مبالغة أننى تلقيت الكثير من الاتصالات ورسائل ال اس ام اس، قبل واثناء مباراتى القاهرة وام درمان ..الغالبية العظمى منها كانت من اصدقاء واخوان سودانيين سواء كانوا مقيمين فى مصر او من داخل السودان، تتحدث جميعها بلسان مشترك وتقول اننا "سنفوز" انشاءالله. كان هذا يسعدنى كثيرا واهتم له أكثر من المباراة نفسها .. وكنت أردد دائما  نحن فى رحاب كرمكم الدافق الفياض، وواثقون من نصرتكم وتأييدكم .

 

وقد حظي الفريق المصرى والمشجعون الذين توافدوا بكل ما توقعوه من محبة ودعم، بل وما يزيد عما توفعوه، بعد أن بذل السودان حكومة وشعبا ورجال أمن وقيادة كل ما فى وسعهم ، ولم يدخروا جهدا فى الترحيب والاكرام وإحسان الوفادة والترحيب ، بخلاف الجهود الجبارة التى بذلت فى اعداد الملعب والتجهيزات وكل الترتيبات لهذا الحدث غير العادى.. فى وقت وجيز للغاية لم يتعد 72 ساعة، الأمر الذى اظهر امكانيات السودان وقدراته بالصورة المشرفة التى نعرفها عنه، والتى قد تغيب عن الكثيريين بفعل إلحاح الصورة التى دأب الاعلام العالمى على بثها عن الازمات والخلافات.

 

حدثنى العديد من شهود العيان ممن سافروا لحضور المباراة كيف كان يلقاهم الاشقاء من المواطنين العاديين وينقلونهم بسياراتهم الخاصة ويعاملونهم بحب ومودة خالصة وغير ذلك الكثير من السلوكيات والصور الزاهية التى تعبر عن اخلاق وشمائل السودان وأهله.. وكنت أقول لمن يحدثنى هذا هو المعدن الاصيل لكل سودانى، المتمثل فى البذل والعطاء والمحبة والكرم، والوقوف عند الشدة وفى الملمات مواقف الشرف والكرامه دون انتظار لجزاء او شكر .. وهذا غيض من فيض ، فقد سبق ان وقف معنا اخوتنا حينما انعقد مؤتمر القمة العربى الشهير فى الخرطوم، وحينما استقبلوا جمال عبدالناصر بما نفخ فيه روحا جديده، وزاد من عزيمته على الصمود والقتال والثقة فى النصر.. وحينما وفروا المأوى لما بقى من قواتنا الجوية بعد هزيمة 67 واستقبلوا الكليه الحربية، ثم وقفوا معنا على خط النار فى حربى الاستنزاف واكتوبر.. هذا وغيره كثير، مكتوب بحروف من ذهب فى سجلات المجد والبطوله، وفى سجلات العزة والفخار التى يذخر بها تاريخ السودان.

 

المثير للأسى هنا انه انتهاء المباراة بسلام، وقد قٌام السودان باكثر مما هو منتظر منه فى انجاح المباراه.. جاء التقصير منا نحن ، جاء من الجانب المصرى .. بعد أن وقع الهجوم الجزائرى على عدد محدود من الحافلات التى خرجت عن الطريق المرسوم لها. جاء التقصير عبر انفعال طائش لاعلام لم ينتظر لكى يفهم ويحقق ويدقق ، بل اندفع فى ظل حمأة الانفعال يضرب فى كل اتجاه .. ولسوء الطالع كانت الحافلة التى تقل بعض الفنانين من بين تلك التى تعرضت للهجوم  مما اجبرهم ومعهم عدد من النساء والاطفال للجوء الى احدى البنايات للاحتماء بها فى اجواء من الخوف والذعر من هياج بعض مشجعى الجزائر.. وفى اجواء الخوف والقلق هذه  توالت الاتصالات بالاستغاثة .. وجاءت التصريحات الاولى بعد الوصول الى القاهرة فجرا محملة بآثار هذه اللحظات، وبسبب الانجذاب المعروف لوسائل الاعلام تجاه  الفنانين والمشاهير بشكل عام، تلونت الاخبار فى معظم يوم الخميس التالى للمباراة باجواء هذه الحادثة المعزولة وكأنها كل ماجرى فى السودان، وقد اختزلت الجهود والترتيبات والمشاعر الطيبه كلها فى هذه الحادثه.

 

كنت فى استوديو قناة النيل لللاخبار على الهواء فى الثامنة صباحا، حيث صادفت هذه الاحداث اليوم الذى اقدم فيه تحليلا للاحداث والاخبار.. وجدت جوا مشحونا بطاقة هائلة من الغضب.. ظهر على الشاشة الفنان محمد فؤاد يصف ما جرى وهو يكاد يبكى.. قال "إن ما فعله مشجعى الجزائر لايفعله اليهود.. وانه سوف يعتزل الغناء اذا كان يسمعه الجزائريون "      

وذكر لى البعض انه قد بكى بالفعل فى مقابلة أخرى على شاشة القناة الاولى ، من شدة احساسه بالقهر.

 

كانت هذه هى الاجواء التى أدت ضمن ما ادت إلى أن يتحدث البعض عن تقصير لدى اجهزة الامن السودانية، والتساؤل أين كان الامن السودانى؟ ساهم فى ذلك عدم أنجلاء الصورة بعد ان تصور الكثيرون ان هناك اصابات ضخمه، وتحدثت بعض الطبعات الاولى لاحدى الصحف عن مقتل شخص وفقأ عين أخر وعن طعن الحزائريين لسودانى كان يحمل علما مصريا.. ومما زاد الطين بله ان الاندفاع اصاب الاشقاء فى جوانب اخرى حين تساءل البعض: ولماذا ذهبنا الى السودان ؟ يقصدون بذلك ما تصوروا انه  ارتباك أمنى أدى الى تعرض المشجعين المسالمين والعزل للخطر.. وتمادى البعض من بعض الجهلاء من مقدمى البرامج فى اظهار وطنية لاتحتاج الى اثبات، وانساقوا مع موجه الانطباعات الخاطئة طلبا لاهداف ضيقة ورخيصة فى احراز الشعبية، فى هذه اللحظات المشحونة بالانفعال والتى تحظى بمتابعة لصيقة وغير مسبوقة.. استمرت التغطيات على هذا المنوال فى معظم ساعات يوم الخميس ، الامر الذى أشعر اشقائنا فى السودان بالظلم بعد كل ما قاموا به، وبعد ان حظيت هذه المناسبة بترتيبات غير مسبوقة احتشد لها كل السودان وتوحد  حكومة ومواطنين على اختلاف المشارب والتوجهات.

 

تلقيت الكثير من الاتصالات الهاتفية والرسائل، كانت تنضح بالاسى والشعور بالخذلان وخيبة الامل، كان بعضها مختصرا ومهذبا ، الا انه كان بليغا وموجعا.. تقول احدى الرسائل" من فضلك شاهد قناه كذا.. واستمع الى الى ما يقولة الان مقدم البرامج فلان" .. كان المعنى يقول " هل هذا جزاء الاحسان؟ " " هل هذا جزاء سنمار؟ " .. كنت غير قادر على متابعة الفضائيات لانشغالى بانجاز اعمال إخرى.. ولكنى كنت أفهم المضمون، فأشعر بالخجل ، وبعد قليل يتحول الخجل الى غضب.. الى متى سوف يظل البعض منا يتصرفون بهذه الطريقة الهوجاء التى تنم عن جهل وسطحية ولامبالاة .. كيف يمكن لاشخاص ان يستخدموا ما اتيح لهم من مساحات فى الاعلام، فى الاساءة لاشقائنا واحبابنا  وهم من كانوا  لنا السند والنصير دون رياء أو نفاق أو مصلحة.. أن هؤلاء يسيئون الى انفسهم والى مصر قبل ان يسيئوا الى أى احد أخر.. انهم يشوهون صورة مصر التى يدعون انهم غاضبون من اجلها

، ويعرضون صورة مقيته وغير كريمه، ويثيرون مشاعر سلبية تدمر جهود سنوات من السعى للاصلاح.

 

فى الرابعة عصرا كنت فى استوديو اذاعة البى بى سى، كان معنا من الخرطوم الاعلامى كمال حامد، تحدث بموضوعية مشوبة بغضب غير معلن، نبراته يغلفها الاسى، وهو يضع الامور فى نصابها ويقول ان هذا من احداث الشغب العادية جدا والمحدودة فكيف يمكن تعميمه؟.. حين جاء دورى فى الحديث حرصت قبل كل شئ ان اوجه الشكر للسودان الشعب والاجهزة والمؤسسات والقيادة، قبل ان يتركز النقاش فى العلاقة المصرية الجزائرية مع محى الدين عميمور من الجزائر.

 

فى نهاية اليوم كنت احضر حفل التابين للراحل الكبير محمد السيد سعيد.. كانت المناسبة مليئة بالشجن والاسى والاحزان لفقد هذا العظيم الذى لم تقدره مصر الرسميه ولم تعطة بعضا مما يستحق من اهتمام او التفات او رعاية وهو الذى افنى نفسه من اجل وطنه وامته بافق انسانى بالغ العمق، وتماهى فى قيمه العطاء حتى اصبح مرادفا لها .. فى اثناء التأبين الحاشد بالقاعة الكبرى بنقابة الصحفيين، تلقيت مكالمتين هاتفيتين من الخرطوم من صديقين عزيزين.. على التوالى كان الصوت ينطق بالعتاب والالم مما يبث ويذاع.. كنت اشعر بحالة من الاسى الشامل، بعد ان تجدد الحزن على فراق الراحل الكبير الذى حظيت بان أكون أحد تلاميذه ومساعدية فى النصف الثانى من الثمانينات .. كانت الشاشة تعرض فيلما قصيرا عنه  شمل واحدا  من احاديثه لاحدى الفضائيات قبل ان يتحدث عدد من اصدقائة ورفاقة.. حينما جائتنى مكالمتى الخرطوم، ازداد شعورى بالاسى.. هل تفقد مصر بوصلتها؟  هل تتصرف على هذا النحو مع ابنائها واشقائها.. خرجت من القاعة الى الشارع.. كان الجو باردا وبعد ان  استجمعت نفسى قليلا، قلت كلا .. ان مصر موجودة داخل هذه القاعة التى غادرتها للتو تحتشد بمئات من العارفين بفضل محمد السيد سعيد.. وهؤلاء انصاف المتعلمين فى الفضائيات لا يعرفون السودان.. ولا يعرفون مصر ايضا .

 

حين عدت الى المنزل حاولت ان اتابع فاستمعت الى غث كثير، تناول بعضة السفاره المصرية فى الخرطوم والسفير عفيفى عبدالوهاب الذى اعرف عن قرب كيف يؤدى عمله بكل دأب واخلاص، كما أعرف محبته العميقة للسودان.. لكن بدأت الصورة تعتدل، استمعت الى مداخلة اثلجت صدرى من القنصل المصرى فى الخرطوم معتز مصطفى كامل       

، قال ان الكلمة أمانه يجب ان يراعيها الجميع، وما فعله السودان فوق طاقة البشر ونحن مدينون بالشكر والامتنان ولن نوفى السودان حقه.. ذكر ان السودان بعد كل الحفاوة والاكرام خصص 18 الف عنصر لتامين الحدث، وسعة الاستاد القصوى 40 الف متفرج ، فما الذى يمكن عمله اكثر من هذا .. قال انه كان هناك تنسيق على مدار الساعة وان الاشقاء بقوا ساهرين اربعة ايام متوالية .. تحدثت الفنانه فردوس عبدالحميد بالشكر للسودان ولحفاوة واكرام الوفادة.. جاء اتصال هاتفى من اسامة عزالدين رئيس قناة دريم ، واوفى السودان بعضا من الكثير الذى يستحقه.

 

فى اليوم التالى نشر التوجيه الرسمى من الرئيس لوزير الخارجية بان يوجه الشكر الرسمى لمصر حكومة وشعبا للسودان عبر الفريق عبدالرحمن سر الختم سفير السودان بالقاهرة.. تحدث وزير الاعلام انس الفقى مع نظيره السودانى الاستاذ الزهاوى ابراهيم مالك للتعبير عن الشكر والتقدير.. ايضا قام احد مقدمى البرامج ممن اثاروا غضب كثير من الاخوان بمحاولة اصلاح ما افسدة وتوجية الشكر للسودان والتعبير عن العرفان، بعد ان تم تنبيهه على ما يبدو الى خطأ معلوماته وطريقته وتخبطه.

 

اعرف ان كل ما يمكن ان يذكر لا يعوض اشقاءنا عن لحظة ألم او شعور بالاحباط، او الشعور بالظلم البين بعد التجنى الذى تعرضوا له.. اعرف ايضا ان كل المبررات التى يمكن ان تقال او تشرح عن تعقيدات الاعلام فى مصر او ظواهره الفردية هنا وهناك، لاتكفى. ( مثل عمرو اديب الذى سبق له ان اساء بفاحش القول الى نفس هذا المنتخب، سع فيما عرف بفضيحه جنوب افريقيا، سعيا وراء الشهرة الشخصية ، ثم عاد واعتذر بعد ان تبين الكذب والتلفيق) وغير ذلك من الحوادث او الوقائع .

 

ولذلك اقول لاخواننا ويشاركنى فى ذلك الكثيرون .. أننى أعتذر لكم عن كل ما اصابكم من رذاذ أو إساءة.. نحن نعرف فضلكم ونعرف اخلاقكم وشمائلكم .. نحن نعرف عطائكم.. ونحن مدينون لكم بالشكر والعرفان، فلا تؤاخذونا بما فعله بعض السفهاء منا.

 

اقول للاستاذ عباس النور وللاصدقاء الكرام ضياء بلال وحسن احمد الحسن والدكتور السراج ونادية عثمان والسفير جمال محمد ابراهيم ولكل من كتب متالما ومجروحا من رعونة وعدم فهم بعض الصبية والجهلاء .. لكم العتبى..

 

 واقول لكل من هاجم مصر بقسوة وضراوة بقصد او كرد فعل مستحق.. نعم لقد اخطا البعض واسأوا، ولكنى أقول بصدق هولاء لايعبرون عن مصر .. هؤلاء أساوا الى مصر وأسأوا الى انفسهم .. السودان فى القلب والعين وفوق الرأس .