أحاديث سودانية

 


عاتبنى بعض الأصدقاء حول مانشرته فى هذه الزاوية الاسبوع الماضى تعليقا على تصريحات سلفاكير ودعوته للانفصال، وما أعلنه قادة جنوبيين آخرين عن تحبيذ غالبية الجنوبيين لإختيار الانفصال فى الإستفتاء المقرر فى يناير 2011 لتقرير مصير الجنوب،  وما ذكرته من أن الافصاح عن هذه التوجهات بشكل واضح، أفضل وأكثر فائدة للعلاقات المستقبليه من التستر والاستمرار فى المراوغة فى الوقت الذى تجرى فيه الاستعدادات على الارض لاعلان الدولة الجنوبية الجديدة.

 

فحوى العتاب تلخصت فى القول بأن مثل هذه الكتابات تعتبر أن الانفصال قد أصبح أمرا واقعا ، فى حين انه مازالت هناك فتره تبلغ ثلاثة عشر شهرا، يمكن استغلالها فى بذل كل جهد ممكن من اجل إنقاذ الوحدة، وأن مثل هذه المسألة المصيرية لايمكن الإستعجال بهذا الشكل فى إصدار الاحكام حول نتائجها، كما أن القول بأن الانفصال أمر واقع، وأنه يجب النظر من الآن فى ترتيبات ما بعد الانفصال، من شأنه أن يشجع التوجهات الانفصالية ويكرسها، ويعطى الانطباع بأن هذا أمر عادى ومقبول.

 

وفى الحقيقة  فاننى لا أجد مثل هذا المنطق مقبولا، فكأن كل  هذه الاحاديث عن المصير والأخطار والتداعيات، لم تكن معلومه من قبل، أو أن حق تقرير المصير نفسه لم يكن بتوافق كل القوى السياسية السودانيه، وأن له موعد معلوما يعرفه الجميع.. فضلا عن الحقيقة الساطعة التى تنطق بأن بقاء الجنوب أوانفصاله هو نتاج تراكم طويل وممارسات سياسية، تحولت معها قضية الحفاظ على الوحدة مطيه لأهداف سياسية محدودة وضيقة، وعرضة للمناورات السياسية الظرفية وقصيرة الأجل، وهذا كله لايعنى تثبيط همم دعاة الحفاظ على الوحدة أوالعاملين من اجلها ، فما زالت هناك بقية من زمن، إلا ان الأمر كما هو واضح لن تجدى معه المحاولات التقليدية ولاتكفى فى شأنه النوايا الحسنه أو المخلصه وحدها.

 

أما المناسبة التى دفعت إلى هذا الحديث من الأصل، فقد كانت سابقة لتصريحات سلفا ودينق آلور ثم ادوارد لينو..  وهى زيارة سلفا كير الاخيرة الى القاهرة، والتى كان موضوع الوحدة والانفصال على جدول اعمالها، وبغض النظر عما دار فى داخل اللقاءات المغلقة ، والتى لم يرشح عنها الكثير، فقد تمت دعوة بعض المثقفين والإعلاميين للقاء القائد سلفا كير، ولكن سلفا لم يحضر، وحضر نيابة عنه عدد من اعضاء الوفد المرافق على رأسهم المستشار الرئاسى الدكتور منصور خالد، ولوكا بيونق وزيررئاسة حكومة الجنوب والمقرب من سلفا كير، وكذلك بنجامين برنابا وزير الصناعة والتجارة بحكومة الجنوب .. تحدث الدكتور منصور خالد فى بداية اللقاء بشكل موجزثم فتح الباب للأسئلة، وقد قمت من جانبى بطرح أربعة اسئلة عن قانون الاستفتاء والعلاقة المستقبلية بين الشمال والجنوب وقدرة حكومة الجنوب على تأمين الامن والاستقرار، وما اذا كان من الممكن طرح فكرة الكونفدرالية فى حالة اختيار الجنوب للانفصال.. قام الدكتور  منصور خالد بتحويل الاسئلة الى لوكا بيونق، الذى تحدث بكلام عام فضفاض ، ولم يجب سوى على النقطة المتعلقة بالخلاف حول قانون الاستفتاء، وقال ان الحركة متمسكة بنسبة خمسين زائد واحد، ومتمسكة ايضا بأنه يكفى  أيضا أن يشارك خمسين زائد واحد من المسجلين فى كشوف الاستفتاء، وبرر ذلك بانه العرف السائد فى كل الحالات المشابهة فى العالم، ولم يذكر امثلة ، وإن كنت أظنه يقصد الاستفتاءات التى جرت فى اقليم كيبك الكندى (وشتان مابين الحالتين). ولم يتطرق بيونق الى نقطة اساسية وردت فى السؤال وهى تلك المتعلقه بان هذه الصيغة تعنى امكانية وقوع الانفصال من خلال تصويت 26% ممن يحق لهم التصويت، كما تحاشى الاجابة على الاسئلة الاخرى.

 

 وقد إستمر اللقاء عبر اسئلة تقابلها اجابات عامة ذات طابع انشائى يتحدث عن انه مازالت هناك فرصة للوحدة اذا بذل (الآخرون) جهدا كافيا، ومن الامثلة التى تعبر عن اجواء هذا اللقاء ما اقتطفه وزير التجاره برنابا من بعض الاحاديث السابقة للراحل جون قرنق حول العلاقات التى يجب ان تكون قائمة على الندية والمساواة وانه اذا لم يتوافر ذلك فإنه من الأفضل أن يذهب كل من الطرفين إلى حال سبيله ، وضرب لذلك مثالا لاعلاقة له من قريب أو بعيد بالحالة السودانية، حيت تحدث عن أنه كانت هناك وحدة فى السابق بين مصر وسوريا ثم انفصل الطرفان ولم يحدث شئ يذكر.. وان مصر بقيت بخير وكذلك سوريا، الأمر الذى جعل بعض الحاضرين يتطلعون إلى بعضهم البعض.. وكان حظى فى الجلوس قد جاء الى جانب النقيب مكرم محمد احمد، الذى غادر القاعة متسللا دون أن يكمل اللقاء.

 

الخلاصة ان أجواء هذا اللقاء أشعرتنى بشكل مؤكد أن هناك قرار قد اتُخذ بالانفصال وأن ما يجرى هو العمل على المناورة بهذا القرار وإتخاذ الإجراءات والتحوطات المناسبة للوصول به إلى نهاياته المنتظره عبر الاستفتاء، والعمل على تحاشى اى معوقات داخلية او اقليمية قد تقف فى طريق هذه المسأله أو تؤدى إلى تصعيبها.  

 

ومن ثم حين جاءت المواقف التاليه التى أفصحت عن التوجهات التى يجرى الاعداد لها ، وما ’نشر بعد ذلك عن مسودة الدستور التى تم اعدادها بالفعل، شعرت أن مثل هذا الوضوح فى المواقف هو الطريق الأقصر والأكثر إستقامه للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من الروابط المشتركة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والبحث عن أنسب الحلول لتفادى المخاطر العديده، وعدم الاستقرار واسع النطاق الذى قد يعقب الانفصال.. خاصة وأنه من المعروف أن قرار الانفصال أصبح حقا للجنوب لايمكن منازعتهم فيه إن أرادوه . ويبقى السؤال هل هناك إمكانية لبحث إعلان اتحاد كونفدرالى؟

 

نقلا عن الاهرام الاقتصادى 16 نوفمبر 2009