أحاديث سودانيه

 

حسنا فعل الفريق أول سلفا كير ميارديت حين أفصح لأول مرة عن موقفه بشأن الاستفتاء حول حق تقرير المصير ، حين دعا الجنوبيين للتصويت بشكل صريح مع الإنفصال، وقال مخاطبا شعب جنوب السودان من إحدى الكنائس "  لديكم الفرصة للاختيار ما بين أن تكونوا أحراراً في وطنكم أو أن تكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في بلد موحد".

 

ورغم محاولات النفى المتكررة لمضمون هذا التصريح الذى رأى البعض انه يتعارض مع إتفاقية نيفاشا التى تلزم الطرفين أن يعملا معا لكى تكون الوحدة جاذبه، إلا أن محاولات النفى هذه كانت غير ذات جدوى ، لاسيما بعد التصريحات التى أطلقها وزير الخارجية "دينق آلور" بعد ذلك بوقت وجيز، والتى قال فيها " إن الجنوب يريد "بأغلبية ساحقة" إعلان الاستقلال في الإستفتاء المقرر قريبا ".

 

وقد يثور التساؤل عن وجه الإحسان فى مثل هذه التصريحات التى تبشر بقرب تقسيم السودان وضياع الوحدة ؟ ولعل الإجابة المختصرة عن هذا تكمن فى أن التوجه الجنوبى نحو الإنفصال قد بات أمراً واقعا لايمكن إنكاره أو تجاهله، وهو لا يعبر فقط عن مواقف بعض القيادات هنا أو هناك فحسب، بل أنه يعبر عن مزاج جنوبى عام. ولا أحد يستطيع أن يلوم الجنوبيين على إختيارهم للإنفصال - بغض النظر عن الأسباب أو المبررات - فهذا حق تعاقدى ملزم وقّعت عليه حكومة السودان بمحض إرادتها وإختيارها فى بروتوكول ماشاكوس فى 20 يوليو 2002 ، وكان هذا التوقيع محل رضا وتوافق عام من كل القوى السياسية الأساسية فى الشمال، عبر الموافقة على مقررات مؤتمر القضايا المصيرية فى أسمرا  1995 .. ومن ثم إذا قرر الجنوب أن ينفصل وينشئ دولته المستقله فهذا حقه بلا جدال .. أم أن هذه القوى بأجنداتها المحدودة والضيقة وقصيرة النظر..  كانت تحسب أن الأمر مجرد مناورة سوف يتم تحاشى نتائجها أو التملص منها فى وقت لاحق !!

 

إن حديث المسئوليه عن إدراج حق تقرير المصير فى الحياة السياسية السودانية يطول.. ولكن الجبهة القومية الاسلامية وإمتداداتها فى نظام الانقاذ (بغض النظر عن تعدد أو إختلاف المسميات) هى صاحبة القدح المعلى فى ذلك بلا شك، من خلال القفزات الأساسية التى قامت بها فى هذا المجال بدءا من ميثاق السودان عام 1985 مرورا بتفاهمات على الحاج ولام أكول فى فرانكفورت 1992 .. الخ، حيث كرت السبحة بعد ذلك.

 

إلا أن هذا ليس هو موضوعنا الآن .. فالقضية الأكثر أهمية فى الوقت الحالي هى أن الانفصال- فى حالة حدوثة - سوف تترتب عليه مجموعة من التحديات والمشاكل التى تقتضى أن يتم بحثها بقدر كبير من الدقة والتأنى، حتى يمكن إستكشاف الحلول والمخارج المناسبة لها، ومن ثم فلا يجب الإستمرار فى سياسية المداراة والمواربه، والتصريحات والمواقف التى تحمل أكثر من وجه .. فهذه النوعية من المواقف والممارسات لن تفيد أحداً ولن تخدم الاستقرار، أوتؤدى إلى تحويل الوحدة إلى عمل جاذب (وحدها هكذا بقدرة قادر).. بل أنها سوف تؤدى إلى وقوع الانفصال دون وجود الإستعداد الواجب له، وكأنه أمر مفاجئ فى الوقت الذى يعلم الجميع فيه أنه على بعد خطوات.

 

إن عمليه الانفصال سوف تواجهها مجموعة معقدة من التحديات أهمها على سبيل المثال وليس الحصر ، أهمية الوصول إلى حلول تفاوضية متفق عليها بِشأن الخلافات العديدة حول  الترسيم الفعلى للحدود، والتى سوف تتحول الى حدود سياسية وسيادية بين دولتين، لاسيما أن الكثير من حقول النفط تقع فى الوقت الحالى حول خط الحدود أو قريبا منه، وترتبط بهذه المسأله قضية إخرى ليست أقل أهميه تتعلق بمستقبل النفط السودانى - الذى ينتج أغلبه فى الجنوب -  إستخراجا وتكريرا وتصديرا، ثم الاتفاق على طبيعة العلاقات بين دولتى الشمال والجنوب، والحرص على أن تكون هذه العلاقات ذات طبيعة سلمية تعاونية، والتفاهم على التعاون فيما يتعلق باوضاع مناطق التخوم والعمل سويا على أن تكون مناطق استقرار وتعاون وليس مناطق تهديد وتوتر وحروب بالوكالة.

 

من ضمن القضايا ذات الاهميه الخاصة أيضا ضرورة الاتفاق على أوضاع الجنوبيين القاطنين الآن فى الشمال وهل سوف يسمح لهم بالبقاء.. وبأى صيغة ؟ أم سوف يطلب منهم اللحاق بدولتهم الجديدة المستقله، بالاضافة إلى قضايا إخرى تتعلق بديون السودان للخارج والاصول المملوكة للحكومة.. الخ. كل هذه القضايا تحتاج الى مفاوضات وتفاهمات مسبقة، بحيث لاتنتشر تداعيات الانفصال غير المحسوبة لكى تحول مناطق عديدة فى السودان إلى كرات من اللهب، لاسيما وأن الدولة الجديدة سوف تجد نفسها فى مواجهة تحديات هيكلية عويصة قد تهدد استقراراها الداخلى وقدرتها على التماسك وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الآمنة والمستقرة لمواطنيها ، الأمر الذى قد يجعلها تنزلق الى التفلت الامنى أو الحرب الاهلية الداخلية.. ولا يظنن أحد ان هذا سوف يكون فى صالح دولة شمال السودان ، بل سيكون وبالا عليها وعلى كل دول الجوار مثل إوغندا وكينيا واثيوبيا، ناهيك عن دور العامل الخارجى الذى سوف يعمل على إنتهاز حالة الاضطراب والفوضى هذه،  للعمل على إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية فى هذه المنطقة على قياسات خاصة..

 

والخلاصة هنا ان عملية انفصال الجنوب ليست بمثل هذه البساطة التى توحى بها أحاديث البعض.. كما ان آثارها لن تتوقف عند جنوب السودان أو شماله بل سوف تشمل وتؤثر على دوائر اكثر إتساعا بكثير ، ولذا فانه إذا كان قرار الجنوبيين هو الانفصال، فيجب النظر من الآن بأقصى درجة من الوضوح والموضوعية والرغبة فى التفاهم والتعاون فى مآلات هذا الوضع الحرج والخطر فى آن واحد . وربما يكتسف الطرفان أو يقتنعا بأن التوجه إلى صيغة كونفدرالية بين الكيانين الشمالى والجنوبى هى الحل الامثل لتفادى كل التداعيات والمشاكل الماثلة والمتوقعه. 

-نقلا عن الاهرام الاقتصادى 9نوفمبر 2009