نُشرت هذه الورقة  فى تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية الصادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام ، 2006.

------------------------------------------

4- الولايات المتحده و النفط السودانى:

تعتبر الولايات المتحدة أول دولة تكتشف النفط فى السودان ، وبعد ان غادرت اعتقدت الاستثمارات الأمريكية النفطية ممثلة فى شركة شيفرون أن الحكومة السودانية لن تستطيع استخراج النفط بسبب سيطرة الاستثمارات الأمريكية على تكنولوجيا صناعة النفط فى العالم، والوزن الهائل للولايات المتحدة المتحكم فى سوق هذه السلعة الهامة، الأمر الذى يمكنها من أن تملى إرادتها على أى مستثمر محتمل، وقد نجحت الولايات المتحدة فى إجبار شركة تاليسمان الكندية على الخروج من مجال النفط السودانى، فباعت حصتها فى مارس 2003  الى شركة بترول الهند الوطنية، وذلك بعد ازدياد الضغوط علي تاليسمان بإمكانية حرمانها من التعامل فى بورصة نيويورك لأنها تدعم نظام الانقاذ السودانى المتهم بانتهاك حقوق الانسانً ، وشن الحرب على مواطنيه فى الجنوب ،وكان الهدف من ذلك هو إخراج تاليسمان حتى لا تمضى قدماً فى إدخال التكنولوجيا الغربية فى مجال النفط - وهى فى مجملها أمريكية - إلى السودان.

 

ولكن هذه السياسة الامريكية لم تنتبه الى ان الخرطوم قد تلجأ الى البلدان الاسيوية طلبا للتمويل والقدرات الفنية اللازمة لاستخراج النفط وضخه، مستغلة فى ذلك الاحتياجات النفطية المتصاعدة لتلك البلدان ورغبتها فى ايجاد بدائل عديدة لتوفير احتياجاتها، وايضا لايجاد مواطئ اقدام لها فى مناطق الانتاج الجديدة الصاعدة فى افريقيا . وهو الاتجاه الذى بدأته الحكومة السودانية بالفعل منذ منتصف التسعينيات، بالفعل حيث وفدت الاستثمارات الصينية ممثلة فى الشركة الصينية الوطنية مشاركة بنسبة 40% من الاستثمارات النفطية فى السودان، الأمر الذى شكل ضربة كبرى لصناعة النفط الأمريكية فى الحقول  السودانية حيث أنها كانت تعتقد بصعوبة دخول أى مستثمر أجنبى للاستثمار فى السودان ، بسبب ظروف عدم الاستقرار السياسى الناتج عن الحرب الاهلية طويلة الامد ، والتى لم يكن هناك فى الافق – آنذاك -  ما يشير الى قرب انتهائها، الا ان حاجة الصين للنفط السودانى كانت كبيرة، حيث احتلت الصين مكان اليابان فى الترتيب الثانى لأكبر اقتصاد مستهلك للنفط فى العالم بعد الولايات المتحدة ، فبينما استهلكت الولايات المتحدة 25.1% من النفط المستهلك فى العالم عام 2003م استهلكت الصين نسبة 7.6% وجاءت اليابان فى المركز الثالث بنسبة استهلاك تصل إلى 6.8% . وبالاضافة الى ماليزيا التى كانت متواجدة منذ البداية انضمت الهند فى النهاية ، فضلا عن مساهمة بعض الشركات والمستثمرين من منطقة الخليج العربى وان كان ذلك بحصص صغيرة نسبيا.وقد ازدادت جاذبية السودان للاستثمار بعد توقيع اتفاقية السلام حيث اعلنت شركة لوندين السويدية للنفط عن استئناف نشاطها الاستكشافي فى ديسمبر 2005 ، بعد توقف دام أكثر من عامين.وقالت الشركة انها اعتمدت ميزانية وبرنامج عملها في السودان لعام 2006م في منطقة امتيازها في في حوض المجلد في مساحة تبلغ نحو 20 الف كيلو مترا مربعاً. و اشارت الشركة الى ان توقيع اتفاق السلام الشامل في السودان وتشكيل المفوضية القومية السودانية للنفط فتح الباب واسعاً امام استكشاف الموارد المنطقة الكامنة فى المنطقة الامر الذي سيعود بالنفع لكل السودان. واعلنت الشركة عن برامج للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بالمنطقة تتضمن توفير مياه الشرب النقية والمساهمة في توفير الخدمات الصحية والتعليمية للمواطنين المحليين، وفى السياق نفسه اعلنت شركة توتال الفرنسية عن احتفاظها بحقها القانونى فى مناطق الامتياز التابعة لها ، وعن نيتها فى العودة اليها واستئناف عملها.

 

 وهكذا فان هذا التنوع فى الاستثمارات النفطية  لم يوفر فقط التمويل و المعرفة الفنية اللازمين للحكومة السودانية للحكومة السودانية للمضى قدما فىمشروعها الاستراتيجى بالغ الحيوية بالنسبة لها،  بل وفر لها ايضا نوعا من شبكة الامان النسبى على المستوى الدولى، الامر الذى تجلى بوضوح فى موقف الصين الرافض لتوقيع اى عقوبات اقتصادية على السودان فى مجلس الامن ابان احتدام ازمة دارفور واصدار عدة قرارت بشانها فى مدى زمنى قصير للغاية بضغوط من الولايات المتحدة ودول اوروبا الغربية، مع التلويح باستمراربامكانية فرض نوع من انواع الحظر الاقتصادى. وبذلك يمكن القول بان السياسة الامريكية لم تفشل فقط فى تحقيق اهدافها بل ادت الى نتائج عكسية .   

 

وعندما اصبح النفط السودانى امرا واقعا، بعد ان بدأ الانتاج والتصدير بالفعل ،نظرت واشنطن إلىانتاج النفط السودانى باعتباره العامل الأساسى الذى سوف يلعب الدور الحاسم  فى ترجيح توازن القوى فى الحرب الدائرة بين حكومة نظام الانقاذ السودانية والحركة الشعبية فى جنوب السودان، ومن هنا ظهرت السياسة الامريكية القائلة بضرورة الاسراع بايجاد تسوية للحرب الاهلية على اساس قيام (دولة واحدة بنظامين)، وبما يسمح للولايات المتحدة بالعودة للاستثمار فى النفط السودانى على اسس وقواعد جديدة، خاصة ان واشنطن تعلم انه مع توافر التمويل والتكنولوجيا الارقي لدي الشركات الامريكية، فانها يمكن ان تحصل علي الحصه الاكبر من كعكه النفط السوداني الموعوده‏.‏ عاى ان يتم ذلك عبر بذل جهود لإحلال السلام فى البلاد ينتج عنها شكل جديد للنظام السياسى القائم يختلف بشكل جذرى – بطبيعة الحال – عن النظام السابق من حيث التأسيس ومصدر الشرعية وديناميات العمل ، وذلك بعد أن اصبح واضحا أن ميزان القوى يسير فى اتجاه تعزيز قوة نظام الانقاذ وتكريس هيمنته على مقدرات السودان مستخدما العوائد النفطية كأداة رئيسية فى هذه العملية.

 

 وقد تبنت الادارة الامريكية هذه السياسة بعد الدراسة التى قام بها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية فى واشنطن بناء على طلب من وزارة الخارجية الامريكية،  والتى قدمت للإدارة الأمريكية فى فبراير 2001م ، وقد استندت هذه الورقة التى شارك فى اعدادها المثقف والسياسى السودانى الجنوبى البارز فرانسيس دينق،على ان مسيرة إنتاج النفط فى العامين السابقين على اعداد الدراسة تشير الى ان ميزان القوة العسكرية فى الحرب سوف يتحول بشكل جذرى لصالح الحكومة السودانية على حساب الحركة الشعبية، وذهبت ورقة مركز الدراسات الإستراتيجية الى أنه منذ عام 1998م بدأ النفط فى التدفق بمستوى يصل إلى 200 ألف برميل فى اليوم. وقد بلغ عائده 500 مليون دولار سنة 2000م. و ان الإنتاج سوف يتضاعف فى العامين التاليين ليصل إلى 400  ألف برميل فى اليوم. وأن الاحتياطى النفطى المؤكد يصل إلى بليون برميل، وقد يتضاعف ليصل إلى ثلاثة أضعاف خلال ولاية الرئيس بوش الأولى. أى أن السودان سينبرى كقوة متوسطة مصدرة للنفط وهكذا أدى ظهور النفط السودانى  إلى توسيع فجوة عدم التوازن الاستراتيجى بين نظام الانقاذ ومعارضيه. مما جعل احتمالات النصر العسكرى بواسطة قوى التمرد الجنوبية وحلفائها من القوى السياسية  الشمالية المعارضة ضعيف للغايه. ولذلك أوصت الورقة بإنهاء الحرب فى السودان عن طريق تدخل الإدارة الأمريكية، وإلا فإن الحركة الشعبية سوف تهزم فى ميدان القتال وبالتالى فإن السيطرة على  الأوضاع فى كل السودان سوف تؤول الى حكومة الانقاذ التى تتبنى مشروعا اسلاميا يتعارض مع المصالح الامريكية،فضلا عن انه يثير قدرا كبيرا من عدم الارتياح فى الجوار الاقليمى للسودان.

 

 هكذا شكل العامل النفطى بتداعياته المذكورة احد أقوى الأسباب لدخول الإدارة الأمريكية فى موضوع إحلال السلام فى السودان باعتباره عامل القوة الأساسى الذى سوف يعتمد عليه مشروع الإسلام السياسى فى السودان، ومن ذلك خلق صلات استثمارية خارجية مع شركاء على مستوى الدول والشركات.ورأت الولايات المتحدة أن تتدخل لإجراء التسوية فى السودان فى هذه المرحلة من تقدم السودان فى مجال النفط، لأنه كلما تأخر فرض التسوية فى السودان بين الشمال والجنوب كلما صارت فرص كسب الحرب من قبل الحركة الشعبية أقل، مما يضعف موقفها التفاوضى. وهنا لم تتأخر الإدارة الأمريكية بعد صدور هذا التقرير،فى إحداث التفاتة هائلة فى استرتيجيتها تجاه السودان، من سياسة الحصار والاحتواء والعزلة إلى سياسة تدخلية تقوم على أساس وضع حد للحرب عن طريق رعاية المفاوضات بين الشمال والجنوب.

 

5 - النفط و اتفاق السلام:

 

تطبيقا لهذه السياسة الجديدة للاداره الامريكية الجمهورية، تم تعيين السيناتور الامريكى السابق جون دانفورث فى 6 سبتمبر 2001 مبعوثا رئاسيا للرئيس جورج بوش فى السودان لمحاولة ايجاد تسوية سياسية لمشكلة الحرب الاهلية الدائرة هناك منذ عام1983، وبدون الدخول فى التفاصيل فقد تمخضت الجهود – والضغوط الهائلة – التى بذلتها الادارة الامريكية عن توقيع بروتوكول مشاكوس الاطارى فى 20 يوليو 2002، و الذى وافقت فيه الحكومة السودانية على مبدأ قيام نظامين قانونيين فى السودان أحدهما يطبق الشريعة فى الشمال والثانى يعتمد القوانيين الوضعية فى الجنوب، وجرى الاتفاق كذلك على ان يحصل الجنوب على حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها 6 سنوات، لكى يختار بين البقاء فى اطار السودان الموحد الذى سيتم الاتفاق على اعادة صياغة هياكله وأبنيته المؤسسية عبر التفاوض،او الانفصال فى كيان مستقل . وتأسيسا على هذا البروتوكول بدأت عملية تفاوض طويلة ومعقده، استغرقت ثلاثين شهرا وتناولت قسمة السلطة والثروة والترتيبات الامنية ووضعية المناطق الثلاث الواقعة على التخوم بين الجنوب والشمال، وهى ابيي وجبال النوبة وجنوب النيل الازرق .  حتى تم توقيع اتفاقية السلام الشامل فى 9 يناير 2005 .

 

 وقد استغرق الجزء الخاص بكيفية اقتسام عائدات النفط وقتا طويلا فى المفاوضات عبر مساومات صعبة بين مواقف تقف على النقيض من بعضها البعض، ففى الوقت الذى كانت الحكومة السودانية ترى فية ان النفط ثروة قومية لكل السودان، كان مفاوضو الحركة الشعبية لتحرير السودان يرون ان هذا النفط من حق الجنوبيين لانه يستخرج فى معظمه من اراضى الاقليم الجنوبى، وتبعا للمفهوم السائد فى الجنوب حول الملكية الجماعية للارض فان هذه الثروة تخص الجنوبيين وحدهم وليس من حق الاخرين مشاركتهم فيها ،غير انه تم الاتفاق فى نهاية المطاف على ان يتم تخصيص نصف عائدات النفط المستخرج من الاقليم الجنوبى (طبقا للحدود الادارية التى كانت قائمة عند الاستقلال فى اول يناير1956) لحكومة الاقليم الجنوبى،مع تخصيص نسبة 2%للولاية التى يستخرج منها النفط لمساعدتها على تنمية المجتمع المحلى ،مع وضع اطار خاص لمنطقة ابيي التى شهدت تنازعا حادا بين الطرفين ، بسبب تشبث الحركة الشعبية بضمها الى الجنوب بقرار ادارى باعتبارها منطقة جنوبية بالاساس وانها ضمت فى وقت سابق (عام1905) قبل الاستقلال الى الشمال بقرار ادارى، فى حين كانت وجهة النظر الحكومية تقول ان قبيلة الدينكا نقوك الجنوبية قد اختارت قبيل الاستقلال مباشرة استمرار تبعيتهاالادارية للشمال،وان هذه المنطقة لا تخص الجنوبيين وحدهم، بل ان قبيلة المسيرية ذات الاصول العربية لها حقوق تاريخية فى الارض والمرعى.

 

ومايهمنا تناوله فى هذا الاطار هو وضعيةالنفط السودانى ، والنصوص التى وردت بشأنه فى اتفاقية قسمة الثروة .من القراءة البنود الخاصة بوضع البترول فى بروتوكول قسمة الثروة يتضح أن هناك جملة مبادئ موجهة لإدارة وتنمية قطاع البترول ومن ذلك قيام مفوضية قومية للبترول ومعالجة لعقود البترول الراهنة أى التى تم التوقيع عليها من قبل الحكومة قبل التوقيع على البروتوكول وكذلك الاتفاق على مبادئ عامة موجهة لاقتسام عائدات البترول.

 

اما من الناحية التطبيقية فان البترول المنتج فى جنوب السودان سوف يقسم بين الحكومة القومية وحكومة جنوب السودان مناصفة. هذا بالإضافة إلى نسبة 2% تمنح للولاية التى ينتج فيها البترول طيلة الفترة الانتقالية وقدرها ستة سنوات. وقد كانت عائدات البترول على مستوى حركة التصدير ومستوى الإيرادات المحلية تذهب جملة للخزينة العامة، ثم يصرف منها وفق ترتيبات إيرادات ومنصرفات الميزانية العامة على البلاد على المستوى القومى وفق أولويات يحددها صناع القرار فى المركز.

 

وهكذا فانه من نتائج هذا الترتيب أن عائدات النفط سوف تخضع لأربعة مستويات من مستويات التقسيم بعد أن كانت تخضع لمستويين ذلك فى إطار الاتفاق المذكور هذه المستويات الأربعة هى:

1 – الحكومة.

2 – الشركات المستثمرة فى مجال النفط.

3 – حكومة جنوب السودان.

4 – الولايات التى ينتج فيها النفط. بل أن مستويات تقسيم عائدات البترول سوف تذهب إلى ستة مستويات فى منطقة "أبيى"  التى اشرنا اليها حيث يقسم صافى عائدات البترول إلى ستة أقسام خلال الفترة الانتقالية:

1 - الحكومة القومية تأخذ (50%).

2 - حكومة جنوب السودان تنال (42%).

3 - بحر الغزال (2%).

4 - غرب كردفان (2%).

5 - محليا مع دينكا نقوك (2%).

6 - ومحليا مع المسيرية (2%).

 

وبالنظر إلى أهمية عوائد البترول بالنسبة للاقتصاد السودانى، وتأثيراته الجذرية فى التنمية ومستويات الدخل القومى وانعكاس ذلك على الحياة اليومية للمواطنين ونصيب الفرد من الدخل القومى، فقد احتلت الأجزاء الخاصة بالنفط فى اتفاق تقاسم الثروة أهمية خاصة لدى القوى السياسية على اختلاف انتماءاتها فى الشمال والجنوب، وقد رأى العديد من الساسة الشماليين وعلى رأسهم السيد الصادق المهدى زعيم حزب الأمة ورئيس الوزراء الأسبق، إن الصيغة التى تم التوصل إليها بأقسام عائدات نفط الجنوب مناصفة، سوف تغرى الجنوبيين على الانفصال، ولن تكون تغرى الجنوبيين على الانفصال، ولن تكون عاملاً مساعداً للحافظ على الوحدة.

 

إذ أنهم سوف ينزعون فى هذه الحالة إلى اختبار الانفصال فى كيان مستقل من أجل الحصول على كل العائدات وليس نصفها فقط، وأنه كان من الأفضل أن يحصل الإقليم الجنوبى على نسبة من الإيرادات النفطية الشاملة على مستوى كل السودان، وأنه لا مانع من إعطاءه نوعاً من التميز النسبى قياساً إلى الأقاليم الأخرى بالنظر إلى احتياجه الملح للبنية التحتية ومعالجة أثار الحرب التى استمرت طوال أكثر من عقدين.

 

وعلى الناحية الأخرى على الطرف الجنوبى نجد أن هناك أيضاً بعض الاعتراضات، حيث احتجت قبيلة النوير والتى تقع فى أراضيها معظم الحقول المنتجة الآن (ولاية الوحدة) على تخصيص 2% فقط من العائدات للولاية، وذلك باستخدام نفس المنطق الذى كانت تطرحه الحركة الشعبة فى المفاوضات، على اعتبار أن هذا النفط هو ملك لقبيلة النوبر وحدها، وأنه لا يصح للجنوبيين من القبائل الأخرى الاستيلاء عليه لأنه لا يستخرج من أراضى هذه القبائل.

 

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنه بعد دخول اتفاقية السلام حيز التنفيذ، ظهرت بعض المشاكل المتعلقة بتفسير بنود الاتفاق الخاصة بالنفط، حيث سارعت الحركة الشعبية لتحرير السودان، ومنح امتياز التنقيب فى إحدى المناطق الجنوبية لشركة "النيل الأبيض" وهى شركة بريطانية صغيرة، وقد بادرت هذه الشركة بالإعلان عن حصولها على الامتياز مما أدى إلى ارتفاع أسهمها بشكل مفاجئ، الأمر الذى دفع الحكومة السودانية إلى الإعلان بأن حق التنقيب الممنوح لهذه الشركة يقع فى نطاق الامتياز الممنوح سابقاً لشركة "توتال إلف" الفرنسية، والذى مازال ساريا من الناحية القانونية، وبذلك لا يجوز أن يكون هناك امتياز لشركتين فى حقل واحد، كما أن نصوص اتفاقية السلام لا تمنح حكومة الإقليم الجنوبى (التى لم تكن قد نشأت بعد) هذا الحق، بل تجعله لمفوضية البترول التى يشارك فيها طرفى الاتفاق معادهما الحكومة السودانية والحكومة الشعبية، واللافت للنظر أن الحركة الشعبية رغم توقيعها لاتفاق ملزم، كانت تحاول بأن هذه الحقول تقع فى الجنوب وأنها قتلت ثمانية عشر عاماً وبذلك الرجاء والأرواح فى هذه الحرب ولن تسمح للآخرين بالتحكم فى الفرار الجنوبى بشأن النفط، إلا أن هذه الأزمة انتهت فى نهاية المطاف بإصدار السلطات البريطانية قراراً بإيقاف تداول أسهم شركة النيل الأبيض بسبب غموض الوضع القانونى للامتياز الذى حصلت عليه.

 

وفى نفس السياق تبدو هناك أزمة أخرى قادمة فى الأفق بسبب الخلاف حول منطقة إبييى التى أصدرت المفوضية الخاصة بشأن ترسيم صدودها، قراراً يضع كل هذه المنطقة فى حدود الجنوب، بل ويضيف إليها، وقد رفضت الحركة السودانية هذا التقرير وشككت فى جدارة قرار اللجنة من الناحية القانونية لأنه جاء مخالفاً للصلاحيات المناطه بها، فى حين تمسكت الحركة الشعبية بالقرار، وقد تجمد الموقف منذ ذلك الحين فلم يبت فيه من خلال مؤسسة الرئاسة التى تضم الرئيس ونائبه الأول الجنوبى والنائب الثانى. وغنى عن القول أن وجود النفط بوفرة فى منطقة إبيى هو أحد أهم العوامل للنزاع الحاد على تبعيتها للجنوب أو للشمال بالإضافة بطبيعة الحال إلى التداخل السكانى بين الطرفين والحقوق التاريخية لقبيله المسيرية.

 

وبالنسبة لتقاسم العائدات، فقد حصلت حومة الإقليم الجنوبى على حصته من العائدات تقدرها بعض التقارير بحوالى 700 مليون دولار حتى نهاية عام 2005، وهو مبلغ بالغ الضخامة بالنسبة لحكومة الإقليم الجنوبى، إذا عرفنا بأن إيرادات السودان كله من العملة الصعبة لم تكن تتجاوز 500 مليون دولار فى عام 1990، وبالرغم من ذلك فإن هناك بعض المؤشرات التى تدل على وجود نوع من عدم الرضا من جانب الطرف الجنوبى، لاسيما بعد أن حدث خلاف حاد وطويل الأمد حول تولى وزارة الطاقة حين تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فى النصف الثانى من عام 2005، حيث أصرت الحركة الشعبية أن تكون هذه الوزارة فى إطار حصتها البالغة 34% من وزراء الحكومة القومية طبقاً لإتقان السلام، إلا أن حزب المؤتمر الوطنى الحاكم أصر على استمرار سيطرة على وزارة الطاقة والتعدين وعلى استمرارية عوض الجاز أحد قيادى حزب المؤتمر والحركة الإسلامية، والذى يتولى هذه الوزارة منذ وقت طويل، وبالنظر إلى بقاء وزارات المالية والداخلية والدفاع فى يد حزب المؤتمر، فقد أشاع هذا أجواءاً من عدم الارتياح لدى الجنوبيين، الذين كانوا يحرصون على تولى وزارة الطاقة دون غيرها، لكى يكون لهم سهم أكبر فى إدارة هذا الملف بالغ الأهمية بالنسبة لهم،  رغم أن نصوص الاتفاقية تجعل كل القرارات الأساسية فى هذا الخصوص فى أيدى مفوضية البترول وليس فى يد وزير الطاقة.

 

وفى الإطار نفسه بات واضحاً أن قضية النفط وتقاسمه، تتحول مع الوقت إلى قضية سياسية أكثر من كونها قضية فنية حول الصلاحيات وطريقة اتخاذ القرارات واقتصام العائد، حيث صرح سلفاكير رئيس حكومة الإقليم الجنوبى فى يناير 2006 بأنه لم يتم تدقيق وتوضيح الحدود بين الشمال والجنوب، وان هذه الحدود أصبحت متحركة طبقاً للحقول المكتشفة، وأن الشمال يعمل على تمديد حدوده ليصلح هذه الحقول أو يصنعها فى إطار حدوده الجغرافية.

 

وهكذا فإن قضية النفط ستكون من بين أهم القضايا التى سوف تؤثر على مستقبل وحدة السودان عندما يحين وقت التصويت على حق تقرير المصير عام 2011.

   

6-المواد الخاصة بالبترول فى نصوص اتفية السلام الشامل البترول :

 

أ- مبادئ موجهة لإدارة وتنمية قطاع البترول:

 يتفق الطرفان علي أن أساس الإطار المحكم ، المتفق عليه لتنمية قطاع البترول خلال الفترة الانتقالية يتضمن ما يلي :

1- استغلال مستدام للبترول كمصدر طبيعي غير متجدد متفقاً مع :

أ ) المصلحة القومية والصالح العام.

ب) مصلحة الولايات /الأقاليم المتأثرة.

ج ) مصالح السكان المحليين في المناطق المتأثرة.

د ) السياسات القومية للبيئة وأسس المحافظة علي التنوع الحيوي ومبادئ حماية التراث الثقافي.

 

2- تمكين المستويات الحكومية الملائمة بالتشاور مع المجتمعات المحلية ذات الصلة ، من تنمية وإدارة المراحل المختلفة لإنتاج البترول داخل الإطار الشامل لإدارة تنمية البترول خلال المرحلة الانتقالية.

 

3- إيلاء الاهتمام اللازم لتهيئة المناخ المناسب لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من خلال تقليص المخاطر المتصلة بعدم التثبت من نتائج الاستفتاء لتقرير المصير في نهاية الفترة الانتقالية.

 

4-تهيئة مناخ اقتصاد كلي مستقر يعزز علي استقرار قطاع البترول

.

5- استشارة الأشخاص الذين يتمتعون بحقوق ملكية في أراضي تتأثر بقرار تنمية الموارد الطبيعية في باطن الأرض، وإيلاء الاعتبار اللازم لوجهات نظرهم ويكون لهم نصيب في عائدات تلك الموارد .

 

6- الأشخاص الذين يتمتعون بحقوق ملكية في أرض لهم الحق في التعويض العادل بسبب الاستيلاء علي الأرض أو تنميتها لاستخراج الموارد الطبيعية من باطن الأرض.

 

7-المجتمعات المحلية التي تباشر في أراضيها تنمية الموارد الطبيعية من باطن الأرض لها الحق في المشاركة من خلال الولاية /الإقليم في مفاوضات التعاقد علي استغلال تلك الموارد.

 

8- بصرف النظر عن النزاع بشأن ملكية الأرض والموارد الطبيعية المتصلة بها يتفق الطرفان علي إطار لتنظيم وإدارة تنمية البترول في السودان خلال الفترة الانتقالية.

 

  ب - المفوضية القومية للبترول :

 

1-يتفق الطرفان علي إنشاء مفوضية قومية مستقلة للبترول خلال الفترة قبل الانتقالية وتتخذ قراراتها بتوافق الآراء.

 

2-مع الأخذ في الاعتبار الأحكام الواردة في غير هذا المكان من الاتفاقية تتكون مفوضية البترول القومية علي النحو التالي :

 

أ‌)      رئاسة مفوضية البترول القومية بالتناوب بين رئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان. ويكونان عضوين دائمين .

ب‌)     أربعة (4) أعضاء دائمون يمثلون الحكومة القومية.

ج) أربعة (4) أعضاء دائمون يمثلون حكومة جنوب السودان.

د) أعضاء غير دائمين بما لا يتجاوز ثلاثة أشخاص (3) يمثلون الولاية/الإقليم المنتج للبترول الذي تجري تنميته.

 

3-تكون للمفوضية القومية للبترول المهام التالية :

 

أ- إعداد السياسات العامة والموجهات المتعلقة بتنمية وإدارة قطاع البترول

ب- رصد وتقويم تنفيذ هذه السياسات لضمان خدمتها للمصلحة العليا لشعب السودان.

ج-وضع الاستراتيجيات والبرامج لقطاع البترول.

د-التفاوض لإبرام كل عقود استكشاف وتنمية البترول في السودان والتأكد من توافقها مع مبادئ وسياسات المفوضية القومية للبترول ومبادئها الموجهة.

هـ- إعداد اللوائح والإجراءات الداخلية الخاصة بها.

و-عند الاضطلاع بأعبائها المشار إليها في الفقرة 3-4 أعلاه تأخذ مفوضية البترول القومية في الحسبان الاعتبارات ذات الصلة بما في ذلك ما يأتي:

- الفوائد التي تعود على المجتمعات المحلية المتأثرة من التنمية من عقود البترول.

- مدي إدراج وجهات نظر الولاية /الإقليم والمجموعات المتأثرة في العقود المقترحة.

-إذا قررت المفوضية القومية للبترول الموافقة علي العقد يحق للأشخاص الذين لهم حقوق ملكية علي الأرض والمتضررين من القرار طلب اللجوء إلي التحكيم أو القضاء .

- إذا لم يوافق الأعضاء غير الدائمين في المفوضية القومية للبترول الذين يمثلون الولاية / الإقليم بالإجماع علي قرار المفوضية لا يوقع وزير البترول القومي علي العقد ويحيل الأمر إلي مجلس الولايات /الأقاليم. وإذا رفض مجلس الولايات /الأقاليم الاعتراض بأغلبية الثلثين. يوقع وزير البترول القومي علي العقد. وإذا لم يرفض مجلس الولايات/الأقاليم الاعتراض بأغلبية الثلثين خلال جلسات 24 يوما من استلام القرار يحيل مجلس الولايات /الأقاليم الاعتراض خلال تلك المدة وبأغلبية الثلثين إلي آلية ينشؤها المجلس للتحكيم في الاعتراض. ويتم إصدار قرار التحكيم خلال ستة أشهر من الإحالة إليها. ويكون قرار التحكيم ملزماً .

- إذا وافقت المفوضية القومية للبترول علي العقد ، يوقع الوزير القومي المسئول عن شؤون البترول علي العقد نيابة عن حكومة السودان.

 

ج- عقود البترول الراهنة:

 

1- تعين الحركة الشعبية لتحرير السودان عدداً محدوداً من الممثلين لبحث كل عقود البترول الراهنة وللممثلين الحق في الاستعانة بخبراء فنيين. ويوقع كل أولئك الذين يحق لهم الإطلاع علي العقود اتفاقات بالتزام السرية.

2- لا تخضع العقود لإعادة التفاوض.

3-إذا رؤى أن العقود تشتمل علي ما يتسبب في مضار بيئية واجتماعية أساسية تتخذ حكومة السودان الإجراءات العلاجية اللازمة.

4-يتفق الطرفان علي أن عبارة "العقود الراهنة" تعني العقود التي تم التوقيع عليها قبل تاريخ توقيع اتفاقية السلام الشامل.

5-الأشخاص الذين تنتهك عقود البترول حقوق ملكيتهم للأرض ، يحق لهم التعويض. وعند إثبات الانتهاك بموجب إجراء قانون صحيح يكون أطراف العقد ملزمين بتعويض الأشخاص المعنيين بقدر حجم الضرر الواقع عليهم.

 

هـ-- مبادئ موجهة لاقتسام عائدات البترول:

 

1-يتفق الطرفان على أن الأساس لوضع إطار محكم متفق علية لاقتسام الثروة الناتجة عن موارد البترول فى جنوب السودان يشمل الأتي :

 

أ-يوازن إطار اقتسام الثروة الناتجة عن استخراج الموارد الطبيعية بين احتياجات التنمية القومية وأعاده أعمار جنوب السودان .

 

ب- يتفق الطرفان على ان معادلة اقتسام العائدات من موارد البترول تكون على الوجه المبين فى هذه الاتفاقية .

 

ج-لأغراض هذه الاتفاقية ، يكون ( صافي الدخل من البترول ) هو جملة صافي الدخل من:

(1) صادرات البترول الحكومي.

 (2) و إمدادات البترول الحكومي المسلم للمصافي تقوّم صادرات البترول على أساس السعر الفعلي للنفط تسليم ظهر السـفينة ( فوب ) ناقصاً تكلفة نقل البترول إلي موقع التصدير ، ويشمل ذلك خط الأنابيب والإدارة ، يقوم البترول المسلم إلي المصفاة على أساس متوسط (أسعار التصدير فوب ) في آخر شهر ميلادي تمت فيه مبيعات نفط الصادر ، ناقصاً التكاليف التى كان يمكن أن تترتب علي التسليم لأي موقع تصدير بما في ذلك تكاليف النقل بخط الأنابيب وتكاليف الإدارة .

 

د-ينشأ حساب تثبيت إيرادات البترول من صافي إيرادات البترول الحكومى ويتحصل من مبيعات الصادر الفعلية التى تتجاوز سعراً قياسياً يتفق عليه. ويحدد السعر القياسي سنوياً ضمن الموازنة السنوية القومية وفقاً للمتغيرات الاقتصادية .

 

و- يتفق الطرفان على تخصيص نسبة لا تقل عن 2% من إيرادات البترول للولايات / الأقاليم المنتجة للنفط حسب الكمية المنتجة فى تلك الولايات / الأقاليم .

 

ز-بعد الدفع لحساب تثبيت إيرادات البترول للولايات / الأقاليم المنتجة للنفط يخصص- من بداية الفترة قبل الانتقالية 50% من صافي إيرادات البترول المستخرج من آبار البترول في جنوب السودان لحكومة جنوب السودان وتخصص الخمسون في المائة التبقية للحكومة القومية وولايات شمال السودان.

 

ح-ينشأ صندوق لأجيال المستقبل عندما يصل الإنتاج القومى للنفط إلي مليوني برميل يومياً ( 2 مليون ) ويجوز أن يخفض هذا المعيار الإنتاجى إلي مليون برميل يومياً كجزء من الإجـراءات العادية في موازنة الحكومة القومية .

 

ط-يتفق الطرفان على أن تكون الصناديق والحسابات الخاصة المشار إليها في هذه الاتفاقية والحسـابات المستقبلية في إطار عمليات الموازنة.