تمر الأيام سراعًا دون أن يشعر بها الإنسان، إلا ان هناك أوقاتا معينة تجبرك على التوقف ، ربما لإلتقاط الأنفاس أو التأمل فى مسيرة السنوات السابقة لإعادة التقييم وإستخلاص العبر.. وأحيانا للقيام بالتصحيح اللازم بعد أن يكتشف الانسان أن بعض ما كان يقوم به أو يفعله غير ذى جدوى ، أو مبنى على أسس وتقديرات تحتاج إلى تصويب.

 

وقد تكون هذه الوقفات مما يدعو إلى التأمل.. وأحيانا يبعث الأسى فى النفس ، وهذا من سنن الحياه فكلما تقدمت بك السنون وخبرت الكثير من تجاريب الحياة، بما فيها من إخوة وصدق ووفاء.. وبما تحمله أحيانا من خذلان وخيبة أمل فى بعض الشخوص أو المعانى التى لم يكن يتطرق إليها الشك، يجد الإنسان نفسه مجبراً على التأنى فى إطلاق الأحكام والتريث فى ردود الأفعال، وإدراك أن الظواهر الإنسانية والإجتماعية أكثر تعقيدًا بكثير مما يبدو على السطح الذى كثيرًا ما يكون زائفًا أو خادعًا.

 

وها نحن فى شهر رمضان ..  شهر الخير والبركة والقرب من الله، تصطبغ الحياة فيه بطعم خاص ولون خاص، وهو أيضا شهر للتوقف ومراجعة النفس ومحاسبتها، وفرصة لكل ذى بصيرة، لكى يقرن العبادة بالعمل حيث تشف النفس وترق، وتسمو الأرواح لكى ترتفع ولو قليلاً من الإلتصاق بطين الأرض وحطام الدنيا، والنظر إلى الصيرورة الكبرى ومآلات الحياة.. فأين احباؤنا الذين فقدناهم.. وسوف نلحق بهم عما قليل، فما الحياة إلا رحلة قصيرة بغض النظر عن عدد السنين، وقد قال الإمام على كرم الله وجهه : إن الدنيا مثل دار لها بابين .. دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر، ولكن الإنسان ينسى، وقديمًا قالوا ما ُسمى الإنسان إنسانا إلا لنسيه.. أى لأنه سريع النسيان.

 

 فى الوقت الحالى يكاد الشهرالكريم أن يتحول إلى مناسبة للتسلية والإستزادة من الطعام، وعند الكثيرين يتحول الليل إلى نهار والنهار إلى ليل..وصرنا نفتقد الكثير من المظاهر الرمضانية  التى كانت تشكل حياتنا فى الفترات السابقة ، والتى أشعر بالكثير من الحنين إليها، ربما لأن هذا الزمن- الذى أصبح بعيدا الآن- كان زمن البراءة ، ولكنه كان أيضا أقرب كثيرًا إلى روح رمضان وتجلياته.

 

أذكر من مرحلة الطفولة فى نهاية الستينيات فى قريتنا "دندرة" التى تقع غرب النيل، ولم تكن قد دخلتها الكهرباء بعد.. كنا ننتظر الآذان قبل المغرب بالقرب من "الجامع العمرى" فى وسط الشارع الرئيسى، وهو الجامع الكبير فى القرية، حيث توجد بجواره الحوانيت والدكاكين والخياطين وأصحاب الحرف.. لم تكن هناك ميكروفونات، وكان المؤذن يعتلى المآذنة التى كنا نحسبها فى ذلك الوقت فى غاية الإرتفاع فى حين أن ارتفاعها لايصل الى خمسة طوابق، بإعتبار أن معظم بيوت القرية كان يتكون من دور واحد أو دورين..  وما إن يرتفع صوت  المؤذن بصيحة "الله أكبر .. الله أكبر" حتى ننطلق ونحن جماعة تزيد عن العشرين طفلا، ونحن نصيح بأعلى الصوت " أذن أذن ..  عيشكم عطّن .. جوه الطاقه .. كلته ( أكلته ) الناقه ..واللى صايم يفطر.. واللى صايم يفطر"، ونتفرق فى الشوارع والدورب كل يذهب باتجاه مكان بيته أو سكنه، وذلك كوسيلة لإخبار البيوت البعيدة عن المسجد والتى لا يصل إليها صوت المؤذن، بأن وقت الافطار قد دخل، وانه يحل لهم تناول الطعام والشراب.. هذه العملية كانت من الانشطة التى تدخل البهجة الى نفوسنا ونحن صغار، إلا أنها كانت ضرورية أيضا وكانت تؤدى وظيفة عملية، لأن الراديو الترانزستور لم يكن متوافرًا إلا لدى القلة من الناس وهم فئة الموظفين أو التجار، والتلفزيون لم يكن متاحًا أصلاً لعدم توافر الكهرباء.. كما أن توقيت القاهرة كان مختلفا عن توقيت مدينة قنا التى تقع على الجانب الآخر من النيل، وكان المؤذن عادة يعتمد على مراقبة الزوال.

 

 فى نهارات رمضان لم يكن الناس يتوقفون عن أداء أعمالهم أو يقصرون فيها، رغم أن معظم هذه الأعمال كان شاقًا للغاية بسبب طبيعة الحياة الإقتصادية فى القرية التى كانت تعتمد بشكل أساسى على الزراعة. الاجواء الحاره تصبح قيظا عند الظهيره، إلا أنهم كانوا يتحملون ذلك فى صبر وجلد ، وكان القلة ممن يفطرون يخشون من إظهار ذلك أمام الناس، لأنهم فى هذه الحالة يُعتبرون من السفهاء الذين لا إحترام لهم .

 

بعد إفطار المغرب كانت الحياة الاجتماعية بعد إنتهاء العشاء والتراويح، تعتمد على السهرات الرمضانية.. لم يكن من المعتاد ان يبقى الناس خارج بيوتهم بعد العشاء، ولذا فان هذه السهرات كانت تعطى هذا الشهر الكريم مذاقا خاصا وحيوية تميزه عن باقى شهور العام . كانت السهرات تقوم على نظام بسيط ولكنه بديع، حيث يكون هناك شخص أو عائلة، تقوم  بالترتيب مع مقرئ معين لتلاوة القرآن فى "المندرة" الخاصة بهم طوال أيام الشهر، فيسهرون على ضوء الفانوس "العدنى" الذى يسمى أيضا فانوس الهواء لانه لا ينطفأ من الرياح ، أما الميسورين فيشعلون الكلوب " ابورتينه" ، ويقوم أصحاب السهرة باستقبال الناس ويقدمون لهم التحية التى كانت كانت فى العادة أكوابا من المشروب المفضل وهو الشاى،  بينما يقوم المقرئ بالتلاوة لفترات متقطعه لاتزيد فى المرة الواحدة عن ربع أو ثلث الساعة، ويستمع الناس اليه فى إصغاء وإعتبار طلبًا للاجر ، وأيضا لاظهار التأدب مع كتاب الله، وحين يتوقف المقرئ للاستراحة بين السور، يتبادل الحاضرون الأحاديث المعتادة والتبريكات بالشهر الكريم .. وكان من المعتاد ان تقوم كل جماعة من الاصحاب أو الجيران أو ذوى القربى ، بالطواف على السهرات المختلفة للتواصل ولتوثيق عرى المحبة والاخوة.

 

فى الثلث الأخير من الشهر، وعقب الانتهاء من آذان العشاء، يقوم أحد المواظبين على الصلوات جماعة فى المسجد بالقاء قصائد رمضانية تعرف " بالتواحيش" لان الأبيات كانت تبدأ دائما هكذا .. " لا أوحش الله منك يا شهر الصيام .. لا أوحش الله منك ياشهر الاحسان .. يا شهر الخير والبركات .. إلخ" كان يلقيها شيخ طيب يقطن فى منطقتنا التى كانت تعرف باسم "السياله"، وهو إسم لم أعرف معناه أو سبب تسميته بهذا الاسم حتى الآن رغم ولعى وأنا صغير بالتقصى والسؤال ومقارنة الاجابات الى أتلقاها من كبار السن .. كان" حلمى عزوز" رحمة الله وأسكنه فسيح جناته ، بسيط الحال ضئيل البنية، ولكنه كان يلقي هذه القصائد بصوت ملئ بالشجن والحنين، تشعر معه وكأنه يتشبث بكل مالديه من طاقة بما تبقى من الشهر الفضيل .. لا يريده أن يغادر، كنت أشعر فى صوته بمناجاة العبد المسلم ودعائه لربه .. كان القاؤه نابعا من قلبه.. كان له صوت شجى تتموج نبراته وتتهدج فتشعر انه يوشك على البكاء.. وحتى الآن وبعد مضى ما يقرب من الأربعين عاما ، ما زال طعم رمضان ومذاقه الحقيقى مرتبطا داخلى بمناجاة حلمى عزوز ودعائه لرمضان أن يتريث.

 

بعد وصول الرؤية، يقوم الناس بتبادل التهانى والتبريكات، اما الصغار فيكونوا مشغولين بالملابس الجديدة التى سوف يرتدونها فى الغد، وبالعيديات التى سوف يحصلون وكيف سوف ينفقونها .. كنت أستيقط باكرا على أصوات تهليل العيد فرحا مستبشرا، وبعد ارتداء الملابس الجديدة أهبط الى " المندرة الكبيرة" فأجد الوالد رحمه الله وأعمامى قد عادوا من صلاة العيد،  وأجد مجموعة من الناس لا أعرف أسمائهم ولا أراهم إلا من العيد للعيد، كبيرهم كان اسمه الشيخ بكرى.. كانوا جماعة من الصوفية أصدقاء لواحد من أعمامى الذى كان من محبى طريقتهم، ومعهم بيارق وأعلام خضراء  وزرقاء داكنه، مطرزة بكتابات مقّصبة غاية فى الجمال .. كنت أتأمل فيها كثيرا محاولا فك خطوطها دون جدوى بسبب إرتفاعها وإلتفافها حول ساريتها، فأنصرف عنها للاستماع الى الاحاديث أو مراقبة الجالسين، الذين يتناولون افطارًا سريعا يتكون بشكل أساسى من اللبن والفطائر والعسل، وبعد الانتهاء من أكواب الشاى ينهضون ويقفون فى الفسحة الكبيرة أمام بيتنا ممسكين بهذه البيارق فى وقار وترتسم على ملامحهم سيماء المقدمين على عمل جليل، ثم يبدأون فى الانشاد مفتتحين بسورة الفاتحة والصلاة على الرسول ثم ينشدون قصائد وأهازيج لا استطيع ان أميز الكثير من معانيها بسبب طريقتهم فى نطق الحروف ومدها بطريقة معينة.. فأكتفى بالاجواء المحيطة التى تهيمن على المكان .. بعد برهة يتحركون من أمام البيت إلى نهاية" الدرب" عند التقاطع مع شارع "السيالة" وهو الشارع الكبير فى الحى، فيقفون مرة أخرى ويستمرون فى الإنشاد حوالى خمسة دقائق على الأكثر تكون كافية لتجمع عدد كبير من الناس، فتبدأ مسيرة حاشدة ينضم اليها المزيد من الناس فى الطريق تنتهى الى الشارع الرئيسى بالقرب من الجامع الكبير.. وهناك يجلسون مثل جلوسهم للتشهد فى صفين طويلين متقابلين على حصائر من القش، العدد فى كل صف يتراوح بين الاربعين والخمسين .. ينخرطون فى الذكر والانشاد بصوت منغم ومتناسق .. ضخامة العدد وارتفاع الصوت وطريقة توقيع الابيات تخلق جوا روحانيا تشعر معه بفرح من نوع فريد يسمو بك الى اجواء خاصه لاتعرف كنهها ولكنك تدرك انها تتعلق بهذا العالم البعيد المحلق، والمحمل بالقرب وبالوعود .. يستمرون نحو ساعة أو أكثر قليلا ثم يتصافحون ويكررون التهئة بالعيد وينصرفون. كل الناس.. الكبار والصغار يسلّمون على بعضهم البعض باليد فى حبور واضح ودعاء بالصحة والعافية ودوام الستر.. بعد ان تصل المسيرة الى ناحية المسجد بربع ساعة أكون قد اكتفيت من المشاهدة والمراقبة، فأتسلل بهدوء الى حيث تجمع باعة الحلوى والألعاب التى يحضرونها خصيصا من "يندر قنا " لمناسبة العيد.. يكون جيبى ممتلئا بالعيديات التى حصلت عليها فأصرف معظمها ويبقى جزء صغير منها أنفقه فى اليوم التالى بعد العودة من زيارة المقابر والتى تبدأ عقب آذان فجر اليوم التالى، وتنتهى عند شروق الشمس، حيث يسلم الناس على المتوفين ويقرأون لهم الفاتحة وما تيسر من القرآن ويوزعون الصدقات ويستذكرونهم بالخير ويعددون مناقبهم .

 

الآن لم تعد القرية قرية .. ولم تعد هناك سهرات إلا النادر، وهذا النادر أيضا لا يرتاده احد، اصبح الناس يتحلقون حول التلفزيون يتابعون المسلسلات .. مسيرة الصوفية توقفت منذ زمن بعد أن توفى الشيخ بكرى وبعد ان إنتقل عمى " أحمد" من بيتنا الكبير فى البلد الى بيت خاص ابتناه فى بستان النخيل الذى يحيط بالساقية القديمة لجدى رحمه الله .

 

انظر من حوالى أتابع مشاهد وطقوس رمضان ، وأتساءل أين هذه الصورة الرمضانية أو الاحتفال بالعيد مما يحدث الآن.. فرغم انتشار مظاهر التدين وإمتلاء المساجد والمغالاة فى التمسك بحرفية الطقوس والشكليات ومظاهر التدين.. إلا ان ذلك لا يعكس نفسه كثيرا فى سلوك الناس أو معاملاتهم اليومية، ولا نجد هذا التراحم والتسامح والعطاء بمحبة وأريحية وطيبة نفس. فأقول يا ليتنا نلتفت بصدق الى حديث الرسول الكريم " انما الدين المعاملة "، وياليتنا نتأسى بأيام زمان.. كان الناس أكثر صدقا وأكثر تدينا دون كثير حذلقة أو اهتمام بالمظاهر دون المضامين.

 كل عام وانت بخير.

نقلا عن جريدة " صوت قنا "