فى الرابع من إبريل الحالى قام الرئيس محمد مرسى بزيارة الى الخرطوم، قوبل فيها بقدر كبير من الحفاوة والترحيب ، وجرى الإعلان عن بعض الاتفاقيات لإنشاء منطقة صناعية مصرية فى الخرطوم ومزرعة للإنتاج الحيوانى والاعلان عن مشروعات للربط الكهربائى وربط السكك الحديدة بين البلدين، وتحديد مواعيد قريبة لانجاز بوابات العبور على الطرق البرية الرابطة بين البلدين ، وهما طريقى ( قطسل/ وادى حلفا ، دنقلا / أرقين ) .
على الجانب السودانى كان هناك تركيز كبير على ان هناك صفحه جديدة سوف تفتح فى العلاقات بين البلدين بما يعنى قدرا كبيرا من التساند والتآزر وإنطلاق المصالح المشتركة إلى الأمام ، وأنه قد أصبح هناك نوعا من التناغم لأول مرة بين النظامين الحاكمين فى مصر والسودان باعتبار الانتماء المشترك لكليهما للمشروع السياسى الإسلامى. وعلى الجانب المصرى  كان هناك تركيز كامل على الأبعاد والجوانب الاقتصادية للزيارة وبخاصة موضوع الزراعة وفتح الطرق وزيادة التبادل التجارى ، وظهر ذلك فى عقد مؤتمر صحفى للوزراء الذين رافقوا الرئيس محمد مرسى فى الزيارة لكى يتحدثوا عن تفاصيل ما تم الإتفاق عليه.
غير أن المتابع للزيارة يمكنه أن يلحظ أن الطرفان قد التزما الصمت أو على الأقل تحاشيا التعليق العلنى على الموضوعات التى أثارها الجانب السودانى مرارا عدة ، وهى اتفاقية الحريات الأربع ومدى تطبيقها بشكل كامل من قبل الجانب المصرى ، والوضع فى منطقة حلايب .

قضية حلايب


ويبدو أن ذلك كان بمثابة نوع من الحرص على إنجاح الزيارة إعلاميا ، ومن ثم التحول لتوظيف هذا النجاح سياسيا على الناحيتين ، إلا ان إثارة موضوع حلايب عبر التصريحات التى أدلى بها موسى محمد احمد مساعد رئيس الجمهورية السودانى ، والتى أشار فيها الى أن محمد مرسى قد أعطى وعدًا للسودان بإعادة الوضع فى حلايب إلى ما قبل عام 1995( رغم غموض معنى هذا التعبير ) ، قد أدى إلى تركز اهتمام الاعلام المصرى بشكل مكثف حول مسأله حلايب، والخشية من حدوث أى تفريط فى وحدة التراب المصرى ، وذلك تماشيا مع ما عرف عن جماعة الإخوان من توجهات فوق قطريه، وهو الأمر الذى أكدته تصريحات قديمه لمرشد الإخوان السابق مهدى عاكف، أُعيد نشرها حول رأى جماعة الإخوان بأنه ليس مهما أن تكون حلايب على أى جانب من الحدود .

انفجار قضية الخلاف حول مثلث حلايب على هذا النحو أحرج كلا الطرفين، ودفع محمد مرسى تحت طائلة الضغوط الهائلة التى تعرض لها إلى إصدار نفى رسمى فورى، ثم كرر هذا النفى بطرق وصياغات مختلفة فى عدة مناسبات تاليه ، حرصا على تهدئه الراى العام والقوى السياسية والقوات المسلحة المصرية، لا سيما وأن هناك ربطا ما قد جرى،  مع ما راج فى فترات سابقة عن ترتيبات يتم إعدادها بخصوص قطاع غزة وخلق امتدادات له فى سيناء . وفى المقابل شعر قادة نظام الإنقاذ السودانى بالحرج خاصة مع التناول الإعلامى المصرى الذى لم يخلو من خشونة لا تراعى حساسية هذا الأمر لدى الشعب السودانى الشقيق، فخرج موسى محمد احمد مرة ثانية فى مؤتمر صحفى عقده خصيصا ليدافع عن سودانية حلايب من وجهة نظره، وليؤكد صحة تصريحاته عن الوعود التى أطلقها مرسى .

المسار المتعرج لعلاقات البلدين

ومن الواضح ان التناول الإعلامى  للزياره قد جذب الانتباه بعيدا عن القضية الأكثر أهمية ، وهى المتعلقة بمسار العلاقات المصرية السودانية، والذى ظل طوال الوقت أسيرا لدورات متعاقبه  من التحسن والتوتر منذ استقلال السودان فى عام 1956 . حيث تمر العلاقات بمرحلة من التحسن والوفاق لكى تعقبها مرحلة اخرى من التوتر المكتوم او المعلن .. وهكذا دواليك . كانت أخر دورات التوتر هذه فى عقد التسعينات، حين وصل التدهور إلى مستوى غير مسبوق وأصبح صراعا مفتوحا ، ثم أعقب ذلك عقد من التحسن والوفاق بدءا من عام 2000 حين خرج الدكتور الترابى من الحكم فى السودان . . حيث تم إنشاء اللجنة العليا المشتركة بين البلدين وتم توقيع 19 إتفاقية تغطى مختلف المجالات ثم إتفاقية الحريات الاربع فى عام 2004، وكذلك الشروع فى مسألة شق الطرق ، ودراسة عمليات الربط الكهربائى وربك السكك الحيدة وغير ذلك من موضوعات التعاون .. أى أن العلاقات بين البلدين كانت تسير فى إطر حسنة وفى الاتجاه الصحيح الذى يهدف الى التعاون وليس الى التنافر أو التنابذ ، وحتى إذا كانت هذه العلاقات أقل من الطموح المستهدف، فانه من الممكن- لو حسنت النيات -  تحديد هذه النواقص والتفاهم حولها واستكشاف كل الطرق المناسبة لتغطيتها ، وليس نقض كل ما سبق وإهداره . غير ان اللافت للنظر هو الاصرار على إشاعه مجموعة من المقولات التى تزعم بأن هناك صفحة جديدة تفتح فى العلاقات المصرية السودانية ، وأنه قد حان الوقت لكى تنتقل العلاقة من حيز الأقوال الى حيز الأفعال .. وغير ذلك كثير من التفاصيل التى تدور حول هذا المعنى سواء فى التصريحات او المواقف الرسمية أو فيما يكتبه بعض المعلقين وأصحاب الرأى، وبما يعنى ان الهدف لم يكن دعم هذه العلاقات ، بقدر ما كان استخدامها كأداة من أجل الحصول على دعم سياسى وتنسيق أكبر يخص مصالح السلطة الحاكمة فى الخرطوم لمواجهه تحدياتها الداخلية والخارجية المتكاثره والتى تتوالد باستمرار .

علاقات بين شعبين ودولتين :

أن هذه العلاقات لن تشب عن الطوق ولن تكون قادرة على تحقيق الاهداف المبتغاة منها مالم تُبنى على التراكم، وعلى أساس متين يرتكز على مفهوم واضح، هو أنها علاقات بين شعبين وبين دولتين شقيقتين ، وليست بين هذا النظام هنا أو هناك .. كما لا ينبغى لها أن تتأثر بتغير النظام الحاكم هنا أو هناك .
إلا أن الأكثر أهمية فى الوقت الحالى هو الإلتفات الى العوامل الاسترتيجية ، وترتيبات الأمن الإقليمى والخرائط الجديدة التى ترسم للمنطقة، بدلا من التركيز الواضح على مغريات غير واقعية ومحدودة الأهمية من الناحية  العملية مثل التركيز عن مساحات أراض للاسترزاع.. الخ ، وهو أمر غير متحقق من الناحية الفعلية بسبب العديد من المعوقات من اهمها عدم توافر المياه لدى الجانبين لزراعه هذه المساحات ، التى سوف تحتاج ما بين 6 الى 7 مليارات م3 من المياه سنويا ، فى الوقت الذى تعانى فيه مصر عجزا سنويا قدره 7 مليار م3 ، بينما وصل السودان الى سقف حصته السنوية البلغة 18.5 مليار متر مكعب . بالاضافة إلى غياب البنيات التحتية ومصادر الطاقة والحاجة الى استثمارات ضخمة،ليست متوافره لدى كلا البلدين  والدليل على ذلك الفارق الهائل بين ما هو قائم بالفعل وهى مزرعة تجريبية محدودة المساحة ( تبلغ ألفى فدان وفى قول آخر تصل الى أربعة آلاف فدان ) ، وبين ما يتم الترويج له وهو أكثر من مليون فدان . وفى الوقت نفسه يمكن ملاحظة أن هناك نوع من عدم القبول الشعبى فى السودان بمثل هذه المشروعات.. وهذا حق للشعب السودانى أن يرفض او يرحب بما يجده محققا لمصالحه.
وعلى الجانب الآخر الشعبى من العلاقة فى مصر يتم حصر أو تجسيد هذه العلاقة بتصوير ان السودان هو ( أرض العسل واللبن والفرص الضائعة ) وانه ليس على مصر سوى إرسال العمالة .. هذا بطبيعة الحال قول غير صحيح ويحمل العلاقات المصرية السودانية أوزارا واعباءا من ذلك النوع الذى يغذى سلبياتها ولايضعها على المسار الصحيح الذى ينبغى ان يستهدف بناء  شراكة إستراتيجية تقوم على ساقى الأمن والاقتصاد، وتقوم أيضا على الندية والتوازن فى المنافع، وينشأ عنها تكتل استراتيجي جديد يمتد من الإسكندرية على شواطئ المتوسط إلى خط 12 شمال الاستواء . مثل هذه الشراكة يكون دور الدولتين فيها هو توفير الأرضية القانونية والغطاء السياسى اللازم لتذليل العقبات وإطلاق حركة السلع والأفراد ورؤوس الأموال على الجانبين، بما يعظم المصالح ويوسع الفئات الاجتماعية المستفيدة منها ويوفر الحماية لهذه العلاقات فى المستقبل، ويردع كل التهديدات القائمة والمحتملة ، ويضع الأساس الصحيح لتكتل قادر على ان يقود وان يؤثر بدلا من حالة المراوحة ورد الفعل والتعرض للاختراق والتفكك .
نقلا عن الاهرام لوموند دبلوماتيك 27 ابريل 2013