أحاديث سودانية

 

 

قبل عدة أيام نشر موقع "دبكا" الاسرائيلى المقرب من الدوائر الإستخبارية للدولة العبرية خبرًا يؤكد أن هناك تعاونا وثيقا بين ثلاثة أجهزة مخابرات دولية هى: المخابرات الأمريكية CIA، والموساد الإسرائيلي والمخابرات الخارجية الفرنسية (DGSE) تسعى لتنفيذ مخطط لتقسيم السودان إلى ثلاث دول، وان هذا التعاون قد تم تكثيفه مؤخرا بشكل لافت عبر العمل المنظم لإسقاط نظام الرئيس عمر البشير من خلال تغذية حركات التمرد السودانية فى مختلف الانحاء والحيلولة دون تسوية هذه النزاعات, للوصول بهذه النزاعات بعد ذلك الى قيام ثلاث دول مستقلة بالسودان، يكون بينهما ارتباط كونفيدرالى هش، تتمثل فى:

 

1-دولة السودان الإسلامية: وتقع في وسط وشمال السودان.

2-دولة دارفور: تقع في إقليم دارفور غربي السودان.

3-دولة جنوب السودان المسيحية: تقع في جنوب السودان وتضم المناطق الغنية بالنفط ومصادر مياه النيل الابيض.

 

وذكر موقع "ديبكا " أنه من أجل تنفيذ هذا المخطط المعقد، أقام الموساد بالتعاون مع جهازي الاستخبارات الآخرين قاعدتي عمل لاستخدامهما في تنفيذ المخطط، إحداهما تقع في تشاد وهي قاعدة عمليات، والثانية في جيبوتي ومهمتها تنسيق العمل بين أجهزة الاستخبارات الغربية في السودان. وأن قاعدة تشاد يتواجد بها ضباط مخابرات إسرائيليين وفرنسيين،  يقومون من خلالها بمتابعة ما يجري في دارفور وجنوب السودان، وتربطهم علاقات واتصالات بمجموعة عبد الواحد نور. كما تتعاون تلك العناصر الإستخبارية "الإسرائيلية" في الجنوب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان .

 

فى هذا السياق تجدر الإشارة أيضا  إلى أن مصادر سودانية قد ذكرت مؤخراً أن عبد الواحد نور قام بزيارة سرية لـ"إسرائيل"، حل خلالها ضيفاً على الموساد "الإسرائيلي"، وقام بالتوقيع هناك على سلسة اتفاقيات مع "إسرائيل" لتزويده بالسلاح ودعمه إستخباراتياً. في المقابل شرعت تل أبيب في الآونة الأخيرة بتزويد حكومة اقليم جنوب السودان بكميات ضخمة من الأسلحة تتضمن دبابات ومروحيات ومدفعية لتمكين قوات الحركة الشعبية من الاستعداد لاحتمال تجدد القتال بينها وبين النظام الحاكم في الخرطوم. وقد سبق وأن كشفت عناصر إستخباراتية أن "إسرائيل" وأمريكا وفرنسا تعمل على تزويد سيلفا كير بالأسلحة اللازمة ليمتلك القوة الكافية قبيل إجراء الاستفتاء العام على مستقبل جنوب السودان المزمع إجراءه في يناير 2011 استعداداً للحظة قطع العلاقات بين الشمال والجنوب وإعلان جنوب السودان كدولة مستقلة. وليس بيعيد حادثة السفينة الاوكرانية المحملة بالدبابات والتى وقعت فى ايدى القراصنة الصوماليين وكانت مرسلة الى الجنوب السودانى بواسطة تجار اسلحة اسرائيليين.

 

خلاصة التقرير الذى نشره هذا الموقع الاسرائيلى تتفق بشكل كامل مع ماورد فى تقرير وزير الامن الاسرائيلى افى ديختر الذى صدر فى نهاية العام الماضى، والذى كان يتحدث من خلاله الى مجموعة من صناع القرار الاسرائيليين عن تقدير موقف إستراتيجى تجاه الساحات المحيطة باسرائيل وبالنسبة للسودان كانت خلاصة ما ذكرة أن اسرائيل قد دخلت بالفعل على خط أزمة دارفور منذ عام 2003 لأخذ هذه الازمة إلى نفس المسار الذى سلكته من قبل مشكلة جنوب السودان، أى الحصول على حق تقرير المصير ثم الانفصال بعد ذلك، وتبجح ديختر بالدور الاساسى الذى لعبته اسرائيل فى هذا السياق ، وذكر أن هذا كله يأتى فى إطار إستراتيجية إسرائيل الثابته منذ وقت مبكر لتقسيم السودان وحصار مصر من الجنوب، وأن السودان بمواردة الضخمة ومساحته الشاسعة يجب ألا يبقى موحدًا لانه سيمثل خطرا على اسرائيل.

 ديختر ذكر أيضا أن إسرائيل تعمل فى دارفور منفردة وتعمل أيضا بالتعاون مع الوجود الامريكى البريطانى_ حيث لم يكن الدور الفرنسى قد تزايد بعد، والذى بدأ فى التزايد مع وصول ساركوزى الى الحكم، وهذا يتطابق مع ما أورده تقرير موقع "دبكا"، الأمر الذى يعزز صحة ودقة هذا التقرير بالإضافة إلى أن الوقائع على الارض تصدق هذه الاخبار أيضا.

 

هذه الإفادات والمعلومات توضح لنا لماذا تستعصى ازمة دارفور على الحل، رغم كل المحاولات والجهود. وتوضح لماذا ومن أين  ينطلق هذا الهجوم الكاسح الذى يتعرض له المبعوث الرئاسى الامريكى جريشن لمجرد انه تجرأ وحاول انتهاج سياسية تهدئة للأوضاع فى السودان سعيا لحل الازمات القائمة بدلا من تعقيدها. وهذا يوضح أيضا –مع وجود أسباب داخلية- لماذ تتوالى الأزمات والاحتقانات داخل السودان بلا نهاية.. وفى كل الملفات تقريبا، بما فى ذلك ملف الانتخابات- النزيهة المراقبة دوليا- التى كانت فى السابق مطلبا يبلغ حد التقديس.

 

والسؤال الذى يطرح نفسه بكل قوة.. أين الدور المصرى؟

 

إن أهمية ومحورية هذا السؤال تنبع من عدة إعتبارات، على رأسها أن مصر هى الدولة الوحيدة فى الجوار السودانى التى تبدو قادرة على موازنة أو تحييد هذة التدخلات الخارجية والسلبية، وعلى رأسها أيضا أن مصالح الأمن القومى المصرى سوف تتأثر بشكل سلبى بتفتت أوصوملة السودان السودان، ومن ثم فان مصر هى الدولة الوحيدة فى الجوار السودانى الحريصة على أمن واستقرار السودان.. وهذا لاينبع من رباط المصالح فقط  فروابط مصر والسودان لا تضاهيها او تقترب منها روابط أى منهما مع أى دولة اخرى .

 

  إذن لماذا يبدو الدور المصرى خجولا؟ ولماذا يترك لاعبين آخرين إقليميين ودوليين يلعبون أدوارا متزايدة فى الأزمة السودانية والجميع يعلم أنها أدوار سلبية تعمق الازمة وتضخمها حتى لو ادعت غير ذلك، والحديث هنا يشمل الادوار الليبية والإرترية والقطرية.. ناهيك عن دور إسرائيل الذى هو موجه لمصر أساسًا قبل السودان .

 

لماذا لاتنهض مصر بدورها التاريخى فى هذا المنعطف الحرج؟ ولماذا لاتتحمل مسئوليتها لبناء الوفاق الوطنى الداخلى فى السودان كما تسعى طوال الوقت على الساحة الفلسطينية، والجميع يعلم ان ما يحدث فى السودان ليس أقل اهمية بالنسبة لنا من قضية فلسطين.

إن كل الأعذار التى يمكن إستنباطها أو التحجج بها- وبعضها موضوعى- غير مقبولة.. لأن كل هذه الحجج يمكن إيجاد حلول لها وتجاوزها. إن مصر قادرة على الفعل إن توافرت  الرؤية والارادة السياسية.. ومن ثم فإن الغياب يعبر عن  تقصير غير مفهوم وغير مبرر.