نشرت هذه الورقة فى العدد الاول من الدليل السنوى للحركات الاسلامية فى العالم ، الصادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام ، 2006.

----------------------------------------------------------------------------

 

ولد حسن عبد الله دفع الله الترابى فى مدينة كسلا شرق السودان عام 1932 فى أسرة متدينة محافظة، وتلقى عن والده – الذى كان يعمل قاضياً شرعياً – علوم الفقه واللغة العربية وحفظ القرآن الكريم ببضع قراءات ( )، كما درس أصول الأحكام وفقه المذاهب فى المعاهد الدينية إضافة إلى العلوم المدنية فى المدارس الابتدائية والثانوية المدنية والتى كان من بينها مدرسة حنتوب الثانوية الشهيرة التى تخرج فيها أيضاً جعفر النميرى وصفوة المتعلمين فى السودان، وذلك بتشجيع من والده العالم بفقه وأحكام القضاء والشرع. وكان جده محمد النحلان بن محمد البدير المشهور بـ "ود الترابى" شاعراً صوفياً اشتهر فى السودان بالصلاح والتقوى. وهكذا جاءت النشأة الأولى لحسن الترابى فى بيئة أسرية دينية جمعت بين الاتجاهين الصوفى والشرعى، الأمر الذى أسهم لاحقاً فى اعتماده على الأصول الشرعية والانطلاق فى رؤيته السياسية من منظور إسلامى.

وفى عام 1951 انتقل حسن الترابى بعد حصوله على الثانوية العامة لدراسة القانون فى جامعة الخرطوم التى تخرج فيها بدرجة البكالوريوس على 1955، كما حصل على شهادة البكالوريوس فى القانون أيضاً من جامعة لندن، إضافة إلى الماجستير عام 1957، ثم التحق بجامعة السوربون فى باريس ودرس فيها مدة أربع سنوات، وحصل على درجة الدكتوراه فى القانون المقارن عام 1964  ( )، كما أتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية تحدثاً وكتابة وله إلمام واسع باللغة الألمانية وجمع بذلك بين الثقافتين الإسلامية الأصولية إضافة إلى الثقافة الغربية الحديثة.

تزوج الدكتور الترابى أثر عودته من الخارج من السيدة وصال المهدى ابنة الإمام الصديق بن عبد الرحمن المهدى وشقيقة الصادق المهدى، الأمر الذى أثار فيما بعد الكثير من اللغط من جانب خصومه السياسيين الذين اتهموه دائماً بالسعى إلى الحصول على مواقع متقدمة فى السودان على المستويين السياسى والاجتماعى وأن مصاهرته لبيت المهدى أوضحت طموحاته المبكرة لتولى المواقع القيادية، وإن كانت هذه الاتهامات قد توارت بعد ذلك بالتدريج بعد أن أصبح الترابى الرجل القوى فى السودان فى الفترة الممتدة من 1989 إلى 1999 اعتماداً على قوة الحركة الإسلامية الحديثة التى ساهم بشكل رئيسى فى بلورة ملامحها الأساسية وبناء قدراتها الفكرية والتنظيمية والسياسية، مما أوضح قدراته الشخصية الفذة التى أهلته إلى بلوغ هذه المرتبة من القيادة والزعامة اعتماداً على كسبه الشخصى بعيداً عن مؤثرات النسب والمصاهرة.

نشط حسن الترابى فى العمل العام منذ وقت مبكر حين كان طالباً فى صفوف جامعة الخرطوم، حيث اختاره الإخوان المسلمون فيها مسئولاً عن الحركة فى الجامعة بعد اجتماع دام لأربعة أيام عام 1954، كما ظهرت مواهبه القيادة خلال العامين اللذين قضاهما فى لندن لنيل درجة الماجستير، إذ تولى منصب الأمين العام لاتحاد الطلبة السودانيين فى المملكة المتحدة، والأمين العام للجمعية الإسلامية لنصرة القضية الجزائرية، التى أسهم فى تأسيسها مع طلبة مسلمين آخرين فى نفس العام، إضافة إلى مناصرته للقضية الفلسطينية التى كانت تمثل فى حينه مع القضية الجزائرية أبرز قضايا الأمة العربية ( ).

وقد عاد الترابى إلى السودان عام 1964 ليعمل أستاذاً للقانون الدستورى فى جامعة الخرطوم ثم عميداً لكلية القانون بنفس الجامعة، وحتى ذلك الوقت لم يكن حسن الترابى شخصية معروفة على المستوى العام، حيث كان قليل الكلام، قليل الاختلاط بالناس، وكان معروفاً بالكاد خارج الدوائر العلمية فى جامعة الخرطوم ومحيطها بعد أن قضى معظم السنوات التسع التى أعقبت تخرجه خارج البلاد. وحتى ذلك الوقت لم يكن أيضاً ميالاً إلى العمل السياسى العام بل كان يفضل عليه الاشتغال بأمور الفكر والعلم، ولهذا كان يتجنب الأضواء ولا يسعى إلى الشهرة أو الحديث فى المحافل العامة، حتى مساهماته السياسية تميزت بهذا المنحى إذ أنه اقترح فى عام 1962 أن تتحول حركة الإخوان المسلمين إلى جماعة ضغط ومدرسة فكرية، ضارباً المثل بالجمعية الفابية فى بريطانيا، وأن تتخلى نهائياً عن دور الحزب السياسى، ولكن اقتراحه لم يلق حماساً من زملائه ( ). إلا أن كل ذلك قد تغير بعد دورة المشهود فى إطلاق ثورة أكتوبر 1964 فى السودان، ويقدم لنا عبد الوهاب الأفندى ( ) صفاً شيقاً لتلك اللحظة الفارقة فى التاريخ الحافل لحسن الترابى والتى شكلت أيضاً انعطافه هامة فى تاريخ السودان فيذكر: أن الترابى كان قد دعى ليتحدث فى ندوة نظمتها جامعة الخرطوم حول قضية الجنوب، حيث كانت الحكومة العسكرية التى يرأسها الفريق إبراهيم عبود تواجه أزمة متصاعدة بسبب عودة حرب الجنوب إلى الاشتعال، وقررت أثر تفاقم الوضع العسكرى أن تفتح حواراً عاماً حول القضية، فى خطوة نظر إليها فى ذلك الوقت أنها مناورة من جانب الحكم العسكرى لشغل الرأى العام وصرف الأنظار عن الضغوط المتزايدة التى يرزح تحتها، وقد دعى الترابى للحديث فى هذه الندوة ليس بصفته سياسياً بارزاً، بل بصفته عميداً لكلية القانون وخبيراً فى القانون الدستورى، وحين جاء دورة فى المداخلة قال الترابى أن أزمة الجنوب ليست إلا حالة خاصة من الأزمة الدستورية الشاملة فى البلاد. فهناك سلطة غير دستورية سلبت الشعب فى الجنوب والشمال حرياته وحقوقه الأساسية، مما تحتم معه انفجار معارضة لمثل هذا الوضع. وهناك ظروف خاصة فى الوضع الجنوبى جعلت المعارضة هناك تتطور إلى معارضة مسلحة، ولكن الحل للأزمة الشاملة، بما فيها الحرب الأهلية، يكمن فى إعادة الوضع الدستورى فى السودان إلى نصابة السليم، كان لهذه العبارات البسيطة وقع الصاعقة فى الساحة السياسية السودانية فقد تناقلتها الصحف وأحاديث المدينة وأثارت تحركات سياسية واسعة وخلقت توتراً جعل البلاد على حافة الانفجار، وهو الأمر الذى حدث بالفعل بعد أن قررت الحكومة العسكرية منع الندوات وقمعت إحدى التظاهرات الطلابية مما نتج عنه مقتل أحد الطلاب فانطلقت شرارة ثورة أكتوبر التى أطاحت بالحكم العسكرى خلال أسبوع واحد من العصيان المدنى.

ويقول الترابى أنه لم يكن يقصد إطلاقاً خلق وضع ثورى وأن الأمر لا يتعدى أنه كان عائداً لتوه فى باريس ولم يكن قد تشرب بعد مناخ الحذر الذى خلفته ست سنوات من الدكتاتورية العسكرية، إلا أن هذه الواقعة جعلت من الترابى نجماً سياسياً ورمزاً للثورة ( ) أصبح اسمه منذ ذلك الوقت على كل لسان، وبدأت مسيرة الترابى فى الحياة السياسية فى السودان وخارجها ترتبط بالحركة الإسلامية، كما أصبح إسم الترابى وشخصه يعتبران من قبل أعداءه قبل أصدقاءه واحداً من أبرز رموز الإسلام السياسى والحركة الإسلامية الحديثة، وبعدها بفترة قصيرة استقال الترابى فى 1965 من عمله فى الجامعة ليتفرغ للعمل السياسى العام.

منذ ذلك الوقت وحتى الآن، أصبح الدكتور حسن الترابى أحد أعمدة العمل السياسى فى السودان فى الحكم وفى المعارضة على السواء. وسواء كانت هذه المعارضة سرية أو علنية. وقد أظهر على امتداد هذه الفترة مميزات خاصة اتسمت بها شخصيته وقدراته التنظيمية والفكرية، مما ضمن له دوراً مميزاً فى ساحة العمل السياسى والفكرى داخل السودان وخارجه، ويعتبره الكثيرون المؤسس والصانع الحقيقى للحركة الإسلامية الحالية فى السودان فهى وليدة فكرة وممارساته ونشاطاته بشكل أو بآخر، وهناك إجماع عام على أنه أهم شخصية قيادية فى هذه الحركة.

كانت الحركة الإسلامية فى السودان قد شهدت عقب عودته من الخارج ودوره المميز فى ثورة أكتوبر بداية لنشاط سياسى وحركى مكثف أخذ ينتقل من طور إلى طور مصطبغاً بآراء الترابى واجتهاداته، فعقب عودته من الخارج كانت الحركة الإسلامية فى السودان تعانى طورا من الجمود على أثر اعتقال مراقبها العام الرشيد الطاهر بكر عام 1959 أثر اشتراكه فى الإعداد لانقلاب عسكرى على حكم الفريق إبراهيم عبود، وكانت الحركة تتأرجح بين التأثير الغالب عليها من فكر حركة الإخوان المسلمين الأم فى مصر وبين كونها حركة نشأت فى ظروف خاصة لمواجهة المد الشيوعى المتنامى فى جامعة الخرطوم آنذاك، إضافة إلى الظروف المحلية فى السودان والسمات الاجتماعية الغالبة على طريقة فهم السودانيين للإسلام واندراج معظمهم فى طرق صوفية أو انتماءهم لطائفة الأنصار التى تدين بالولاء لأسرة المهدى. الأمر الذى جعل هناك فروقاً واضحة فى الظروف والتحديات التى واجهت الحركة الإسلامية حديثة النشأة فى السودان عن تلك التى تواجه الحركة الأم فى مصر، مما جعل هناك نوع من النقاش والجدل داخل الحركة السودانية حول اتباع أى من المنهجين التربوى أو السياسى فى عملها. فأتباع منهج التربية يريدون السير على خطى الحركة الأم فى مصر، بينما رأى الترابى والفريق الذى تبعه ضرورة الاهتمام بالواقع والتفاعل معه فى إطار الثوابت المنهجية للعمل الإسلامى، وفى إطار فهم ينادى بالتجديد والعودة للأصول. وقد كان لشخصية الترابى وقدرته الهائلة على الحشد والتعبئة ومهاراته المتعددة فى الكتابة والخطابة وتميزه بدرجة عالية من الديناميكية والحركية أثرها فى اجتذاب الكثير من الشباب الذين كانوا يمثلون معظم عضوية الحركة الإسلامية وقاعدتها إلى صفه، وتطبيقاً لهذا الاتجاه استطاع الترابى أن يقنع التنظيم الإخوانى بالتحالف مع جماعة أنصار السنة وبعض الطرق الصوفية لتكوين جبهة إسلامية فى مواجهة المد الشيوعى والعلمانى لخوض الانتخابات البرلمانية التى أعقبت انتصار ثورة أكتوبر 1964، وقد تكونت هذه الجبهة تحت اسم "جبهة الميثاق الإسلامى" واختير الترابى أميناً عاماً لها واستطاعت هذه الجبهة أن تحرز سبعة مقاعد فى الجمعية التأسسية فى انتخابات 1965وجعلت من مسألة إقرار دستور إسلامى للسودان همها الأول مما دفع بالأحزاب الأخرى وأهمها حزبى الأمة والاتحادى تحت تأثير شعاراتهما الإسلامية إلى الموافقة على مسودة دستور عام 1967 ذى السمة الإسلامية.

وفى هذه الفترة ذاتها كان الدكتور الترابى أحد القادة الأساسيين فى الحملة التى تم شنها على الحزب الشيوعى السودانى لإخراجه وطرده من البرلمان عام 1968 بعد الحادثة المشهورة التى وقعت فى إحدى الندوات التى انعقدت بمدرسة "دار المعلمين" بالسودان والتى تناول فيها أحد الطلاب المنتمين للحزب الشيوعى "حادثة الإفك" المعروفة فى التاريخ الإسلامى بطريقة تنال من السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، الأمر الذى أحدث رد فعل بالغ العنف والهياج فى الشارع السودانى أججه تنظيم الإخوان ولعب فيه الدكتور الترابى دوراً قائداً لخبراته ومهاراته القانونية فى صياغة التعديلات الدستورية التى أقرها البرلمان والتى انتهت إلى إسقاط عضوية الأعضاء المنتمين للحزب الشيوعى وطردهم من الجمعية التأسسية. وتكمن أهمية هذه الحادثة فى أنها كانت أحد الأسباب الأساسية لوقوع انقلاب 25 مايو 1969 فيما بعد بقيادة العقيد جعفر نميرى. ويجمع الكثير من المراقبين على أن طرد الحزب الشيوعى من البرلمان بهذه الصورة كان انقلاباً سياسياً حقيقياً دون استخدام للقوة العسكرية، وأصبحت مسألة إقرار الدستور الإسلامى هى القضية الغالبة فى مناقشات الجمعية التأسسية، وبعد أن تم إقرار المسودة الأولى للدستور وقع الانقلاب المايوى بتحالف الضباط الأحرار مع اليسار السودانى بقيادة الحزب الشيوعى السودانى، وقد أعلن البيان الأول للانقلاب أنه قد جاء لكى يحرق "الوريقات الصفراء" – فى إشارة لمشروع الدستور الإسلامى – ولكى يعيد ثورة أكتوبر 1964 إلى وجهها التقدمى وطبيعتها الاشتراكية باعتبار أن هذا هو الخط الأصلى لهذه الثورة بالنظر إلى سيطرة النقابات والتجمعات المهنية التى سيطر فيها الشيوعيون على مجريات الثورة وعلى حكومة سر الختم خليفة الانتقالية التى تشكلت عقب سقوط الحكم العسكرى ريثما تتم العودة للحياة البرلمانية.

فى تلك الاثناء وخلال الفترة التى سبقت انقلاب نميرى استمرت التوترات داخل حركة الإخوان المسلمين حيث تصاعدت الخلافات الداخلية التى تسببت فيها التركيبة الجديدة لجبهة الميثاق الإسلامى، وبرز الخلاف مرة أخرى بين تيارين الأول الذى ينادى بالتربية اقتداءاً بنهج الإخوان التقليدى الذى يدعو إلى التركيز على تزكية الأعضاء ووضع شروط قاسية للعضوية وبين التيار السياسى الذى يميل إلى الاستكثار من الأنصار ويركز على النتائج. وقد كان محور الاتهامات التى وجهت إلى الترابى أنه التفت إلى السياسة وركز عليها على حساب التربية والانتقائية فى العضوية، رغم أنه كان اقترح من قبل أن تنصرف الحركة عن العمل السياسى وأن تتفرغ للدعوة وتقتصر على دور جماعة الضغط إلا أنه رأى أيضاً، أنه إذا تحولت الحركة إلى حزب سياسى فإن هذا يدعو من وجهه نظره، إلى الجدية فى هذا العمل. وبعد أن اختار التنظيم أن يكون حزباً هو "جبهة الميثاق" واختير الترابى زعيماً له ركز على المهمة السياسية، وحين تصاعد الجدل حول هذه الناحية منذراً بالانقسام، قدم الترابى تنازلاً لمنتقديه بأن تخلى عن زعامة تنظيم الإخوان المسلمين، وأصبح هناك نوع من توزيع الوظائف والأدوار، بحيث أصبح التنظيم الداخلى (أى الإخوان) يركز على التربية والصفوية والعضوية المنتقاة بينما تفرغ الترابى للعمل السياسى وإدارته عبر التنظيم الموسع "جبهة الميثاق" التى كانت تضم مدارس ومشارب متعددة يجمعها اتفاق على الحد الأدنى من الموجهات ( ).

غير أن هذه التوترات استمرت ربما نتيجة للتعارض بين موقعى أمين عام جبهة الميثاق الذى كان يشغله الترابى، وكان يجتذب الأضواء ويستقطب الاهتمام، وبين التنظيم الداخلى الذى بدا دورة هامشياً ومتوارياً عن الأنظار، ومن ثم فقد حاولت مجموعة من العناصر المعارضة للترابى إزاحته من القيادة فى المؤتمر الذى انعقد فى إبريل 1969، إلا أن هذه المحاولة لم تكلل بالنجاح بل جاءت نصراً للترابى، إذ قرر المؤتمر إلغاء الثنائية بين التنظيمين الداخلى والخارجى وتوحيدهما تحت قيادة الترابى، وكان من المفترض أن يتم فصل المجموعة المعارضة من التنظيم، إلا أن الانشقاق تأجل بسبب وقوع انقلاب مايو وحظر التنظيم مما أدى إلى بقاء المعارضين داخل التنظيم تحت قيادة الترابى.

أعتقل الترابى عقب انقلاب 25 مايو 1969 مع مجموعة من كبار السياسيين المطاح بهم، وباستثناء فترة قصيرة أطلق خلالها سراحه من 1972 – 1973، بقى الترابى فى السجن زهاء سبع سنوات، وفى تلك الفترة انشغل الترابى بتقوية الحركة الإسلامية وإحكام بناءها التنظيمى، فشهدت الفترة 1974 – 1975 ثورة فى اللوائح التنظيمية التى كان يقوم الترابى بصياغتها فى منزله بحى المنشية (كان تحت الإقامة الجبرية آنذاك)، وقد حددت هذه اللوائح اختصاصات كل مكتب وطبيعة وظائفه وهياكله وكيفية اتخاذ القرار وصلته بالمكاتب الأخرى، وأصبح المكتب التنفيذى للحركة يقوم على شعبتين هى المكتب الإدارى والمكتب السياسى، كما أصبحت هناك مكاتب فئوية ومناطق وشعب وأسر، وكذلك مكتب مالى ومكتب للعلاقات الخارجية. وامتدت يد التنظيم إلى تجمعات الإخوان فى أوروبا ودول الخليج والمملكة السعودية وكذلك إلى نيجيريا وحدثت طفرة فى كتابة التقارير والإحصائيات ووضع التصورات والتخطيط، مما مكن قيادة الحركة لأول مرة من تلمس المقدرات الحقيقية للتنظيم .. وبدأت الأمور تسير منتظمة فى الداخل والخارج. مما دفع الترابى إلى التطلع إلى قيام حركة إسلامية قومية تستوعب فى إطارها الجبهة الوطنية. ووضع لذلك استراتيجية مكتوبة أدى وقوعها فى أيدى رجال الأمن إلى إعادة اعتقال الترابى مرة أخرى مما أدى إلى انحسار الانطلاق التنظيمى للحركة الإسلامية فى السودان ( ).

تجدد الصراع داخل الحركة الإسلامية مرة أخرى فى النصف الثانى من السبعينيات حول التوجهات العامة لها، ففى يوليو 1976 شارك الإخوان فى المحاولة التى جرت لقلب نظام الحكم بالقوة عبر محاولة الغزو التى قام بها تنظيم "الجبهة الوطنية" المعارض لنميرى والذى كان يتخذ من ليبيا قاعدة له، وكان يضم الأنصار بقيادة الصادق المهدى إضافة إلى الشريف حسين الهندى وتنظيم الإخوان المسلمين، وبعد فشل الغزو تطورت الأحداث باتجاه المصالحة الوطنية مع نظام نميرى التى جرت بالفعل عام 1977 وشارك الإسلاميون من خلالها فى السلطة، الأمر الذى فجر الخلاف مجدداً داخل تنظيم الإخوان، وانتهى ذلك بإعلان انشقاق المجموعة المعارضة بزعامة الصادق عبد الله عبد الماجد عام 1980 وأطلقت هذه المجموعة على نفسها "حركة الإخوان المسلمين" وتبنت النهج الإخوانى فى التربية وانضمت رسمياً للتنظيم الدولى للإخوان، وكان محور الانشقاق هو الاعتراض على نهج الترابى فى القيادة خاصة البراجماتية التى تميز بها والتى رأى فيها هؤلاء ضرباً من الانتهازية ودعوا إلى التركيز على انتقاء الأعضاء وتربيتهم وسلوك الطريق الشاق الطويل إلى الإصلاح.

الانطلاق من المصالحة إلى الجبهة القومية الإسلامية

فى الفترة التى تلت المصالحة الوطنية عام 1977 والتى استمرت إلى سقوط نظام نميرى عام 1985، استطاعت الحركة الإسلامية تحقيق مكاسب ضخمة وغير مسبوقة من خلال استراتيجية محكمة لعب الدكتور حسن الترابى الدور الأبرز فى صياغتها، حيث قامت الحركة باختراق نظام نميرى والتغلغل فى صفوفه دون أن تتماهى معه أو تندرج فيه بشكل حقيقى، فظل تنظيم الحركة قويا وفاعلاً رغم القيود الأمنية بل إزداد قوة نتيجة للحرية النسبية التى أتيحت للعمل الإسلامى الدعوى، والذى كان متاحاً بمقتضى صيغة المصالحة الوطنية نفسها.

وطبقا للاستراتيجية الموضوعة سلفا، التحقت أعداد كبيرة من الإخوان بوحدات الاتحاد الاشتراكى السودانى الأساسية، كما أصبح الدكتور الترابى مساعداً للأمين العام للاتحاد الاشتراكى السودانى، إلا أن منطق الظروف الداخلية للحركة الذى دعاها إلى الدخول للمصالحة، جعلها تركز بصورة أساسية على تحقيق أهدافها دون التعويل على محاولة خلق تحالف حقيقى مع نظام نميرى، ومن ثم تمكنت الحركة من إعادة رص صفوفها، وتمكنت من شئ آخر أكثر أهمية وكان له أثر كبير فى مستقبلها بعد ذلك، وهو حرية مخاطبة الجماهير من خلال الخطاب الدعوى، وهو الشئ الذى كانت تفتقده خلال السنوات الثمانى الأولى من حكم الرئيس نميرى، الأمر الذى أدى إلى ازدهار الحركة بشكل كبير، حتى وإن كان هذا الازدهار مستتراً خلف واجهات مجتمعية أو دعوية عامة، مثل "منظمة الدعوة الإسلامية" و"جماعة الفكر والثقافة"، وجمعية "رائدات النهضة"، ومنظمة "شباب البناء"، وكذلك "الوكالة الإسلامية الأفريقية للإغاثة"، وفى هذا السياق حرصت الحركة أيضا على تجنب الظهور فى مناسبات النظام، فدرج حسن الترابى على الاستجابة لدعوات المشاركة فى مؤتمرات اتحاد الطلاب المسلمين فى أمريكا كل عام والتى كانت تتوافق مع احتفالات مايو.

وقد قام العمل التنظيمى الذى استؤنف بعد المصالحة على ذات الهندسة التنظيمية التى اكتمل بناؤها فى عام 1975 وتم تركيز الجهد على العمل وسط الطلاب، فتم خلال 3 سنوات فقط أى مع حلول عام 1980 مضاعفة عضوية الحركة من الطلاب ثلاث مرات، ونتيجة للتوسع المطرد فى الحركة الإسلامية واتساع خطابها محلياً وعالمياً، فقد وضع لها دستور جديد من خلال لجنة شكلت لذلك، إلا أن الترابى هو الذى قام بعمل الصياغة النهائية للمسودة التى أجازها مجلس الشورى فى فبراير 1982، وترافق ذلك مع الأخذ بالتوجه اللامركزى فى تنظيم الحركة الإسلامية، فبدءاً من عام 1981 كانت هناك تنظيمات مستقلة فى الأقاليم بمؤتمراتها العامة ومجالس شوراها ومكاتبها التنفيذية وأمناءها الإقليميين ( ).

وحين بدأت التوجهات الإسلامية لنظام نميرى فى التبلور منذ عام 1982، لا سيما مع إقرار قوانين سبتمبر 1983، ورغبة من الرئيس نميرى فى نسبة الفضل فى التوجه الإسلامى للنظام آنذاك إلى شخصه، فقد قام فى 1983 بإعفاء الترابى من منصب النائب العام وعينه مستشاراً للرئيس للشئون الخارجية دون صلاحيات تذكر، كما حرص على أن تقوم بصياغة هذه القوانين مجموعة من المقربين له بمعزل عن الدكتور الترابى أو أولئك المعروف عنهم ارتباطهم التنظيمى بالحركة الإسلامية. وبالرغم من ذلك فقد أيد الترابى هذه القوانين المنقوصة التى شابتها الكثير من الشوائب والأخطاء فى الصياغة والتطبيق، وذلك على أساس أنه من الممكن تدارك الأخطاء فيما بعد، كما أن اتجاه النظام برمته إلى النهج الإسلامى دفع بقوى الدعوة والعمل الجماهيرى برمته إلى آفاق جديدة، حيث أصبحت الدولة لأول مرة إسلامية التوجه والقوانين، واستثمرت الحركة الإسلامية هذه الحالة إلى حدها الأقصى محاولة الاستفادة من هذا المناخ ما أمكنها ذلك.

إلا أنه وقبل شهر واحد من سقوط نظام نميرى، وعقب زيارة جورج بوش إلى الخرطوم فى مارس 1985، حيث كان نائبا للرئيس الأمريكى ريجان آنذاك، وبتأثير من واشنطن اتهم النميرى ما أسماهم "الإخوان المسلمين" بالتدبير لمحاولة انقلابية وألقى بالترابى معظم قادة الحركة الإسلامية فى غياهب السجون، وقد ساهم هذا الأمر إلى حد كبير فى التخفيف من الآثار السلبية لتحالف الحركة الإسلامية مع نميرى، حيث ردد الدكتور الترابى مقولته الشهيرة "لقد بايعنا الشريعة ولم نبايع نميرى"، وذلك رداً على خصومة السياسيين ومنتقديه الذين كانوا يتهمون الحركة بالانتهازية السياسية من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للتنظيم والأفراد التابعين له على حساب معاناة جموع الشعب السودانى، فى الوقت الذى من المفترض أن تلتزم فيه الحركة الإسلامية بالمثاليات والأسس الأخلاقية التى تدعو إليها.

وبالرغم من الهجوم السياسى والإعلامى الواسع النطاق ضدها، استطاعت الحركة الإسلامية أن تجنى ثمار استراتيجيتها فى المصالحة، حيث تمكنت من العودة إلى الساحة وهى فى أصح وأقوى حالاتها، فتوافرت لها البنية التنظيمية والقدرات المالية والواجهات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، فى مواجهة القوى السياسية الأخرى العائدة لتوها من صراع طويل استغرق معظم فترة حكم نميرى وكانت خلالها مستبعدة من الساحة. ولذا استطاعت الحركة أن تحرز المفاجأة الأكبر فى انتخابات 1986 البرلمانية، إذ حلت فى الترتيب الثالث بعد حزبى الأمة والاتحادى، وحصلت على 51 مقعداً بفارق ضئيل عن الحزب الاتحادى الذى كان يتمتع بسيطرة تقليدية فى البرلمانات السابقة إلا أنه تراجع إلى المركز الثانى ليفسح الصدارة لحزب الأمة بقيادة الصادق المهدى.

هكذا انتقلت الحركة الإسلامية من حزب صغير هو "جهة الميثاق الإسلامى" لم يكن له سوى ثلاث مقاعد فى آخر انتخابات برلمانية تم إجراؤها قبل مايو 1969، إلى ثالث أكبر حزب فى السودان متخطية بذلك الحزب الشيوعى الذى لم تقم له قائمة بعد الضربات المميتة التى وجهها له نميرى عقب فشل انقلاب هاشم العطا عام 1971، ولم تكن المفاجأة فى تخطى الحزب الشيوعى – العدو التقليدى للحركة الإسلامية فى السودان - بل كانت فى تحول الحركة إلى حزب ثالث كبير ذا ثقل ووزن مؤثر بعد أن كانت المنافسة فى السابق محصورة بين الحزبين التقليديين الكبيرين الأمة والاتحادى.

ومن الصحيح أن خصوم الحركة الإسلامية السياسيين كانوا يتهمونها بأن معظم مقاعدها جاءت من دوائر الخريجين حيث حازت على 26 مقعداً من إجمالى 28 مقعداً فى هذه الدوائر، إلا أن ذلك كان يوضح من ناحية أخرى مدى حداثة هذه الحركة وديناميكيتها وقدرتها على التغلغل فى هذه الفئة من المجتمع السودانى التى تتمتع بالفاعلية والحيوية والقدرة الفائقة على العمل مقارنة بجماهير الحزبين التقليديين، حيث تتشكل معظم جماهير هذين الحزبين من المنتمين إلى طائفتى الختمية والأنصار، وهى جماهير تغلب عليها الأمية والانقياد التلقائى لزعاماتها الدينية وما تضعه هذه الزعامات من سياسات أو تتخذه من قرارات.

وطبقا لطبيعة المرحلة واستمراراً على نفس نهج الترابى الذى أرساه فى إنشاء "جبهة الميثاق الإسلامى" فقد جرى اتخاذ اسم جديد وكيان جديد للحركة الإسلامية، فأعلن عن قيام "الجبهة القومية الإسلامية" وثم توسيع إطار العضوية الانضمام بشروط مسيرة للانضمام إليها تركز على الالتزام الأولى بشعائر الدين مع مناصرة برنامج الجبهة وأهدافها، وأن ظلت القيادة المؤسسية والفعلية فى التنظيم فى أيدى الكوادر الأساسية للحركة سواء من جيل الشيوخ الذين رافقوا الترابى منذ الستينيات، أو القادة الشباب الذين تمرسوا فى العمل الطلابى والمقاومة أثناء فترة الصدام مع نظام نميرى وخاصة فى انتفاضة شعبان 1973 وفترة العمل المسلح التى أعقبتها فى المعسكرات بليبيا وغزو 1976، وكان هؤلاء  قد تخرجوا وارتقوا فى مواقع القيادة فى التنظيم وفى الواجهات العلنية التابعة له.

فى كل تلك التطورات ظل حسن الترابى حاضرا فى القلب منها بمثابة العقل المدبر والمخطط الأساسى لها، كما كان ممسكا بزمام الأمور بقوة، ومنحته فترة الديموقراطية الثالثة بريقا إعلاميا حيث برز كخطيب مفوه ذا قدرات رفيعة فى الجدل والحوار على المستويين الفكرى والسياسى كما أظهر براعة متميزة فى التعامل مع وسائل الإعلام وطرح نفسه فى المنابر المختلفة باعتباره ناطقا ومعبراً عن حركة إسلامية حديثة تؤمن بالشورى والديمقراطية وتجعل هذا النهج ملزماً لها فى أطرها التنظيمية كما تنادى به كمبدأ حاكم للتداول على السلطة، وعمل الترابى كذلك على طرح رؤاه التجديدية فى الفكر الإسلامى ووضع المرأة ورقام بجولات واسعة فى العالم العربى وأوروبا والولايات المتحدة، مستغلا الوهج الإسلامى الناتج عن ظهور حركته كحزب كبير ومؤثر فى الحياة السياسية فى السودان.

وعلى المستوى الداخلى بقيت "الجبهة القومية الإسلامية" بقيادة الترابى فى موقع المعارضة، ثم غيرت رأيها واتجاهها بعد ذلك لكى تشارك فى حكومة ائتلافية مع الحزبين الكبيرين، إلا أن هذه الشراكة لم تلبث أن انفضت بسبب الخلاف حول منهجية التعامل مع حركة التمرد التى كان يقودها جون قرنق، الذى رفض كل النداءات التى وجهت له عقب سقوط نظام نميرى بالقدوم إلى الخرطوم والتفاوض بشكل مفتوح مع القادة السياسيين، مما أدى إلى استمرار الحرب، ومع مضى الوقت بدأت قوات التمرد تزداد قوة وكذلك اتسعت المساحات الجغرافية الخاضعة لها، نتيجة لضعف الحكومات الائتلافية القائمة فى الخرطوم نتيجة التنازع الحزبى والحسابات الصغيرة، وبدأت مدن الجنوب فى التساقط، وجاءت مذكرة الجيش الشهيرة فى فبراير 1989 التى وجهها القادة العسكريون إلى حكومة الصادق المهدى وطالبوا فيها بتوفير الدعم اللوجستنى والمعنوى للقوات المسلحة بمثابة الإنذار الأخير الذى أوضح تدهور الأوضاع إلى درجة غير مسبوقة، وبالرغم من ذلك لم يكن هناك رد فعل من جانب الحكومة يتناسب مع خطورة الأزمة، وبدأ للجميع أن هناك انقلابا على وشك الوقوع، وهو ما حدث بالفعل فى 30 يونيو 1989.