أحاديث سودانية

 

 

جاءت الأزمة الأخيرة بين مصر والسودان من ناحية وباقى بلدان حوض نهر النيل – وخاصة بلدان المنابع الاستوائية- لتثير الكثير من القضايا المنسية أو المسكوت عنها حول طبيعة العلاقات التى تربطنا بهذه الدول فى الوقت الحالى؟ وماهى دوافع هذه البلدان فى اتخاذ مواقفها الحالية التى تتسم بالتعنت الواضح، وهل هذه المواقف مبنية على حجج موضوعية وذات أبعاد عملية تتصل باحتياجات هذه البلدان التنموية، أم أنها رد فعل يعبر عن اتجاهات غير ودية تجاة العالم العربى بشكل عام ومصر بشكل خاص، أم أن هناك مجموعة من الأزمات المتراكمة فى هذه المنطقة والتى تتحكم فى مسارها مجموعة متشابكة من المصالح والتقاطعات الإقليمية والدولية خلقت مناخا معاديا نتج عنه هذا التعنت الذى وصل إلى حد التلويح بالتوقيع المنفرد على اتفاقية الاطار القانونى وتجاهل الموقف المصرى السودانى المشترك لدولتى المصب؟.

 

لفحص هذه الاحتمالات يلزم الاحاطة ببعض الخطوط الاساسية التى تحكم ابعاد الازمة الحالية،  فمن المعروف ان كمية المياة التى تصل خلف بحيرة السد العالى عند أسوان لا تتجاوز 84 مليار متر مكعب أى حوالى 5% فقط من جملة إيرادات نهر النيل البالغة 1600 مليار متر مكعب، أى ان هناك حوالى 95% فاقد من مياه النهر تضيع فى البخر والمستنقعات. وإذا عرفنا ان حصة مصر من مياه النيل يأتى منها 84% من الهضبة الاثيوبية – أى ليس من دول المنابع الاستوائية- وان هذه الدول غير قادرة من الناحيتين الفنية والتمويلية على إقامة مشروعات يمكنها ان تؤثر سلبا على حصة مصر من المياه. إذن يصبح السؤال المنطقى: لماذا تتعنت هذه الدول ضد المطالب المصرية؟.. وهى فى جملتها مطالب معقولة ومنطقية ومتوافقة مع قواعد القانون الدولى التى تنظم العلاقات والاستخدمات فى احواض الانهار.

 

فالموقف المصرى غاية فى البساطة والوضوح ويعتمد على حقائق منطقية ، وهى ان حصة مصر الفعلية لا تتجاوز 3% من اجمالى ايرادات النهر ،  ومن ثم فلا يمكن بأى حال من الاحوال التفريط فى أى متر مكعب من المياة، وبمعنى آخر بدلا من تمحور علاقات وتفاعلات دول الحوض حول الاختلاف او التنازع على هذه الحصة الضئيلة، فانه من الاجدى والأنفع للجميع التطلع للمستقبل عبر مبادرة حوض النيل  والمشروعات المنبثقة منها والتى تهدف الى اقامة عدد من المشروعات التى يمكنها ان توفر جزءا من الفاقد الهائل من ايرادات النهر ، ثم اقتسام ما يتم توفيره بالتوافق بين بلدان الحوض، وهذه المشروعات ليست فقط لتوفير حصص اضافية من المياة لصالح كل الدول الاعضاء، بل ايضا لتوفير مصادر من الطاقة الرخيصة لصالح عمليات التنمية.

 

ومن المثير فى هذا السياق أن نعرف ان معظم دول المنابع الاستوائية لا تعانى من نقص فى المياه، حيث تنقسم هذه الدول الى مجموعتين : الإولى تشمل رواندا وبورندى والكونغو، وهى دول وفرة مائية، والمجموعة الثانية تتكون من الدول الثلاث المتشاطئة على بحيرة فيكتوريا، وهى إوغند وكينيا وتنزانيا، وفى هذه المجموعة توجد دولة ذات وفرة مائية هى إوغندا بينما تعانى كل من كينيا وتنزانيا بعض النقص فى احتياجاتهما المائية، الأمر الذى يمكن مناقشته ومعالجته من خلال مشروعات المبادرة المشتركة، فضلا عن أن مصر لا تمانع من الأصل فى أى مشروعات داخل هاتين الدولتين لسد هذا النقص طالما أن هذه المشروعات لن تلحق الضرر بحصة المياه المتدفقة إلى مصر، بل أن مصر ومن باب التعاون قامت بحفر أكثر من مائتى بئر فى هاتين الدولتين على النفقة المصرية وبأيدى الخبراء المصريين، بالإضافة إلى قيامها فى الوقت نفسه بمشروع ضخم لتطهير المجارى المائية فى إوغندا.

 

إذن لماذا تواجه مصر بهذه المواقف غير التعاونية والتى لاتبالى فى الحقيقة بامكانية حدوث تحول أو انتقال من الاطار التعاونى الذى يربط بين بلدان حوض النهر إلى إطار آخر يحمل سمات صراعية لن تكون فى مصلحة أى طرف.

 

 فى اعتقادى ان ذلك يعود الى ثلاثة اسباب رئيسية اولها هو الغياب المصرى عن هذه المنطقة لفترة طويلة واهمال ازماتها وتفاعلاتها باعتبارها شأنا بعيدا عنا وعن مصالحنا ولن نتاثر به، والسبب الثانى يعود الى تغلغل النفوذ الاسرائيلى الذى لايجب الاستهانه به على الاطلاق كما يظهر فى بعض التصريحات المصرية، فاسرائيل اكتسبت مهارات كبيرة فى الاختراق والقدرة على التاثير فى النخب المسيطرة فى هذه البلدان عبر تقديم الخدمات الامنية والاستخبارية والتقنية خاصة فى المجالات المتعلقة بامن النظم والقيادات الحاكمة ، فضلا عن تواجدها فى بعض المجالات الاقتصاية وعلى راسها التشاط المكثف فى القطاعات السياحية، اما السبب الثالث فيمكن تلخيصة فى صعود روح غير ودية فى هذه البلدان تجاه مصر والعالم العربى نتيجة عودة بعض القادة لما يسمى بالتوجه الافريقانى الذى تمت تغذيتة من جانب الكنائس الغربية لخلق حاجز بين هذه البلدان وبين المد العربى المصحوب بالثقافة الاسلامية. وفى هذا السياق اذكر قبل حوالى عامين حين دعيت والصديق الكبير الاستاذ نبيل عبدالفتاح لحضور مؤتمر ضخم للشباب العربى الافريقى فى العاصمة الاوغندية كمبالا ، حيث شاركت وفود ضخمة من كل البلدان العربية والافريقية تقريبا على نفقة ليبيا التى كان من نصيبها رئاسة للمؤتمر، وكانت هناك ورش عمل ومحاضرات وتفاعلات مكثفة لمناقشة القضايا محل الاهتمام المشترك، الا اننا فوجئنا بالرئيس الاوغندى موسيفينى  وفى اثناء الخطاب الذى القاه بحضور كل الوفود وبعد ان اصطحب معه كل اركان الدولة الاوغندية ، يخاطب الحاضرين بالقول " اذا كان العرب سوف يتعاملون معنا ( يقصد الافارقة) بقدر من التعالى ، فاننى اقول لهم اذهبوا للجحيم" وكرر مقولته هذه ثلاث مرات فى وجه الوفود العربية التى كانت ذاهبة من الاصل لكى تنشد التعاون والعلاقات الودية فى ظل هذه الضيافة غير المهذبه.

نقلا عن مجلة الاهرام الاقتصادى