نشرت هذه الدراسة فى سلسلة كراسات استراتيجية الصادرة عن مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، العدد رقم 138، ابريل 2004

-------------------------------------------

 

ثامنا : الدعوة الانفصالية فى شمال السودان:

عقب الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس والتى انتهت فى 15 سبتمبر 2002، بدأت تنتشر فى الصحافة السودانية وبشكل واسع النطاق الدعوة لفصل شمال السودان عن جنوبه، عقب فترة انتقالية لا تتجاوز سنة واحدة، وأن الشماليين لهم الحق أيضاً فى استطلاع رأيهم فيما إذا كانوا يرغبون فى الاستمرار مع الجنوب فى دولة واحدة، أم يرغبون فى الانفصال، ورأى أصحاب هذا الاتجاه أن الغالبية من الشماليين لو سئلوا عن آرائهم لرغبوا فى الانفصال كحل نهائى لهذه الحرب المستمرة منذ استقلال السودان وحتى الآن، باعتبار أن الجنوب يشكل عبئاً على الشمال ويجب على الشمال أن يكون حريصاً على التخلص منه وليس التشبث به، حتى يستطيع الحفاظ على هويته العربية والإسلامية ويحقق تنميته ورفاهيته، ويتحول إلى منطقة جذب حضارى بدلاً من الضعف والتفكك الذى سيلحق بالسودان من جراء التسوية مع الحركة الشعبية.

ويبدو أن هذه الدعوة قد لقيت بالفعل استحساناً وقبولاً لدى قطاعات واسعة من الشماليين، الأمر الذى أدى إلى انتشار مقولاتها بشكل واسع حيث استقطبت اهتمام الناس وأحاديث المنتديات، ونشرت حولها عشرات المقالات فى مختلف الصحف ما بين مؤيد ومعارض، وأدى ذلك إلى تحول هذه الدعوة إلى ما يشبه الظاهرة فى الحياة السياسية السودانية، الأمر الذى جعل الكثير من المراقبين، وأيضاً السياسيين الرسميين يشفقون من التأثير السلبى للجدل الذى أثارته هذه الدعوة على مجريات التفاوض الذى مازالت رحاه تدور بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية فى كينيا.

بدأت هذه الدعوة  بمقال للطيب مصطفى بعنوان: "آما أن للشماليين الطالبة بتحرير شمال السودان من قبضة الجنوب"، نشر فى ثلاث صحف سودانية فى يوم واحد(6)، ثم أعقب الكاتب مقاله هذا بمقال ثان دعا فيه إلى تكوين حركة لفصل شمال السودان عن جنوبه بطريقة ساخرة حيث اقترح تسميتها "الحركة الشعبية لتحرير شمال السودان" على وزن حركة قرنق المسماة "الحركة الشعبية لتحرير السودان". وقد يتساءل البعض لماذا أدى نشر هذا المقال إلى مثل هذه الضجة الهائلة والتفاعلات واسعة النطاق التى خشى البعض معها أن تضعف من موقف الوفد الحكومى المفاوض. فى الحقيقة هناك عدة عوامل جعلت هذا المقال بمثابة الشرارة التى أطلقت جدلاً فكرياً وسياسياً واسع النطاق، من الممكن أن نوجزها فيما يلى:

1-إن الطيب مصطفى ليس كاتبا أو مثقفا عادياً، بل هو أحد قيادات الحركة الإسلامية فى السودان، وهو فى الوقت نفسه أحد الكوادر القيادية فى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم، وشغل بصفته هذه مواقع مرموقة فى جهاز الدولة حيث كان وزيراً للدولة فى وزارة الإعلام كما شغل حتى وقت قريب منصب مدير تليفزيون السودان، ويشغل فى الوقت الحالى موقع "أمين المجلس الأعلى للاتصالات والهاتف"، كما أنه يمت بصلة قرابة قوية إلى الفريق عمر البشير، فضلاً عن أنه فقد أحد أبناءه فى حرب الجنوب، أى أنه ذا صلات سياسية وتنظيمية وإنسانية بالدعوة التى تصدى لها، وطرح نفسه معبراً عنها.

2- أن نشر المقال فى ثلاث صحف فى يوم واحد، يعنى أو يشير إلى أن وراءه تدبيراً ما، فليس من المعتاد أن يتم النشر بهذه الطريقة فى الأحوال العادية، وبالتالى فقد ظن الكثيرون أن هذا المقال لا يعبر عن رأى كاتبه فحسب، بل أنه يعبر عن اتجاه قائم بالفعل، وأنه يمثل الواجهة العلنية لإحدى المجموعات داخل سلطة الانقاذ، والتى توصف عادة بأنها تتخذ اتجاهاً متشدداً فى المفاوضات سعياً لإفشالها، وذلك رغبة من هذه المجموعة فى الحفاظ على مواقعها ونفوذها فى الحكم والسلطة، باعتبار أن الوصول إلى تسوية، سيؤدى إلى إعادة توزيع المقاعد والمناصب بين الحركة الشعبية وسلطة الإنقاذ، ومن ثم فإن البعض سوف يفقدون مواقعهم نتيجة لذلك، خاصة فى رئاسة الجمهورية وقطاعات النفط والحكم الاتحادى والأمن.

3- فى ظل الأزمات المتلاحقة التى تعرضت لها المفاوضات، رأى آخرون أن هذه المقالات ربما تمثل إحدى مناورات الإنقاذ للضغط على الجنوبيين فى المفاوضات، حيث شهدت الفترة التالية للإعلان عن اتفاق ماشاكوس فى 20 يوليو 2002 العديد من الأزمات كان من أهمها قيام الحركة الشعبية باحتلال مدينة "توريت" الاستراتيجية فى الجنوب على نحو مفاجئ، الأمر الذى ترتب عليه تعليق الخرطوم للمفاوضات وإعلان التعبئة العامة حتى تمت استعادة المدينة بعد معركة ضارية، وكان سقوط "توريت" مدعاه لقلق كبير فى الشمال، إذ أن بقاءها فى أيدى الحركة الشعبية كان سيؤدى بلا شك إلى التأثير على التوازن الاستراتيجى فى المفاوضات لصالح الحركة، كما أنه كان ليجعل مدينة "جوبا" التى هى عاصمة الجنوب، والتى حرصت الخرطوم على الاحتفاظ بها على الدوام كرمز لسلطتها ووجودها فى الجنوب، تحت تهديد دائم من قوات الحركة الشعبية. وبعد أن عادت الحكومة السودانية إلى مائدة المفاوضات عقب تحرير "توريت"، فوجئت بالطرح المتشدد للحركة الشعبية، التى أصرت على إدخال قضايا المناطق المهمشة إلى المفاوضات، ثم المغالاة والتشدد فى الطرح التفاوضى حول اقتسام السلطة والثروة، بالمطالبة بالحصول على 60% من إجمالى موارد البترول والثروات الطبيعية الأخرى، بالإضافة إلى الحصول على موقع النائب الأول للرئيس مع صلاحيات استثنائية تخوله حق الفيتو ضد قرارات الرئيس فى مجالات دستورية عديدة، فى الوقت الذى يحتفظ فيه نائب الرئيس بصلاحيات مطلقه فى حكم الإقليم الجنوبى دون تدخل من رئيس الجمهورية.

فى هذه الأجواء رأى البعض أن الدعوة لفصل الشمال عن الجنوب تهدف إلى خلط الأوراق وتجريد الجنوبيين من أهم وسائل الضغط على الشمال من خلال إشعار الجنوبيين بأن هناك بدائل أخرى يمكن طرحها للتفاوض، وبمعنى أدق أن حرص الخرطوم على تحقيق الوحدة لن يجعلها تمضى فى طريق التنازلات إلى ما لا نهاية، وأنها قد تعدل من اتجاهها فى حالة تعنت الحركة الشعبية، من خلال انتهاج استراتيجية مضادة تدعو لتقديم خيار الانفصال وإعطاءه الأولوية أو على الأقل إبداء قدر أقل من الحرص أو التشبث بأن يكون مآل الفترة الانتقالية هو الوحدة، الأمر الذى سوف يربك حسابات الحركة الشعبية بكل تأكيد ويجعلها تقف فى مواجهة كل الأخطار والمشاكل الناجمة عن فصل الجنوب فى كيان مستقل هو غير مستعد وغير مؤهل له فى هذه اللحظة بأى معنى من المعانى. وترى وجهة النظر هذه أن تشدد الموقف التفاوضى لجون قرنق يرجع أساساً إلى الفهم القائم على أساس أن وحدة الإقليم السودانى هى بمثابة خط أحمر للحكومة السودانية تعمل بكل جهدها للحافظ عليه من خلال التدابير والإجراءات التى سيتم اتخاذها فى الفترة الانتقالية، ومن ثم فإن الحركة تقوم فى الواقع بابتزاز الوفد الحكومى من هذه الزاوية، مستغلة فى ذلك الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالمفاوضات للحصول على أكبر قدر من المكاسب لصالح الحركة والجنوبيين، باعتبار أن هذه المكاسب سوف تمثل مكاسب دائمة للجنوب فى حالة انتهاء الفترة الانتقالية بإقرار خيار الوحدة، وفى حالة ما إذا كان الخيار هو الانفصال، فإن ما تحصل عليه الحركة فى الفترة الانتقالية سوف يمثل رصيداً مهماً لها من ناحية تدريب كوادرها وموظفيها وإنشاء بنيتها الأساسية ومعالجة الأوضاع والمشاكل والانقسامات الجنوبية بما يمهد للانفصال.

ومن ناحية أخرى رأى البعض أن إطلاق هذه الدعوة فى هذا التوقيت ليس إلا مناورة من جانب الإنقاذيين، لتفادى إعادة النظر فى البرنامج السياسى للإسلاميين، ووضعه موضع التساؤل والمحاكمة النقدية، بعد أن أخذ هذا البرنامج فرصته فى التطبيق لمدة ثلاثة عشر عاماً، كانت محصلتها الفشل والإحباط، وأن هذه الدعوة تحرف النقاش إلى قضية جديدة هى التساؤل حول جدوى وحدة البلاد، وتتبنى مشروعاً لصوملة السودان، بدلاً من تفكيك المشروع الإسلامى لسلطة الإنقاذ، بعد وضوح عدم قدرته على معالجة القضايا الرئيسية للبلاد، وبدعوى احتمال صلاحية هذا المشروع لبعض السودان دون بعضه الآخر(7).

مرتكزات الدعوة لانفصال الشمال:

تتركز المقولات الداعية إلى التعجيل بفصل الشمال عن الجنوب حول ثلاثة محاور أو بنود رئيسية، سوف نتناولها فى إيجاز – كما وردت فى مقالات الطيب مصطفى - باعتبارها ممثلة للحجج والأسانيد الرئيسية لهذه الدعوة ومؤيديها، حيث أن هؤلاء المؤيدين لم يخرجوا عن مضمون هذه المحاور، وإن اختلفت بعض طرق التعبير بشكل طفيف هنا أو هناك(8).

المحور الأول: طرح فيه الكاتب فهمه لأصل مشكلة الجنوب وتداعياتها كما يلى:

1-إن رأس المشكلة يعود علاوة على الاعتبارات التاريخية، وعلى سياسة بريطانيا الاستعمارية (قانون المناطق المغلقة عام 1928)، إلى انعدام عوامل التوحد بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب سواء من حيث اختلاف الدين أو اللغة أو العرق أو العادات والتقاليد أو الوجدان والمشاعر المشتركة، وأن هذه العوامل متوافرة بين أبناء الشمال وكل من الشعبين التشادى والإريترى، وكذلك مع الشعب المصرى بأكثر مما هى متوافرة بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب. وأن أبناء الجنوب أقرب من حيث المشاعر إلى الشعبين الأوغندى والكينى، أو على الأقل لا يضمرون تجاههم مشاعر البغض التى يكنونها للعرب وللجلابة وغير ذلك من التعريفات العنصرية التى يطلقونها على أبناء الشمال.

2-أن قضية الجنوب أخذت أبعاد الصراع الاجتماعى الممتد الذى ليس من السهولة حله من خلال الاتفاقيات والتسويات القانونية، إذ أنه يشمل جوانب عديدة ثقافية واجتماعية واقتصادية عميقة الغور، وليس من السهل حلها، حيث عبر الكاتب عن ذلك بالقول بأن الجنوبيين يكنون مشاعر عدائية عميقة، تجاه الشمال، ويستشهد بمقاطع من رسالة وجهتها مجموعة من أبناء المديرية الاستوائية إلى جون قرنق بعد توقيع اتفاق ماشاكوس، يهنئونه فيها على الانتصار على العدو ويدعونه للاستمرار فى العمل من أجل تحرير الأرض من العرب، كما يورد الكاتب المقولة المشهورة لجون قرنق (إن العرب مكثوا فى الأندلس أكثر مما مكثوا فى السودان، وكما خرجوا من الاندلس سيخرجون من السودان)، وأن جون قرنق يقول أيضاً بأن (العرب فى الشمال لا يختلفون عن البيض فى جنوب أفريقيا)، ويشير الكاتب إلى أن قرنق بذلك يضاهى نفسه بمانديلا وأنه جاء ليحرر السودان من نير الاستعمار الشمالى العربى كما حرر مانديلا جنوب أفريقيا من التفرقة العنصرية، ويستنتج الطيب مصطفى أن المعركة لن تنتهى حتى لو تم اقرار الوحدة فى الاستفتاء، بل سوف تنتقل إلى الخرطوم وعبر كل مؤسسات الدولة وأبنيتها، ويتساءل هل سينتهى الحقد الدفين لدى الجنوبيين بمجرد توقيع اتفاق السلام مع جون قرنق، وما الذى يضمن فى ظل هذه الأحقاد ألا يهب قرنق آخر، ليحمل السلاح ويخرق هذه التسوية من جديد.

3-أن قضية الجنوب تتمدد وتتعقد بمرور الوقت، ويتساءل كيف كانت مشكلة الجنوب عند فجر الاستقلال، وكيف أصبحت عام 1972 عند توقيع اتفاق أديس أبابا بين نميرى وحركة أنانيا بقيادة جوزيف لاجو، والتى كانت تخاطب قضية جنوب السودان لوحدها، وكيف صارت اليوم والجنوب حسب تعريف قرنق، غير الجنوب بحدوده القديمة، والحركة الشعبية لا تخاطب قضية الجنوب التى عبر عنها لاجو، وإنما أصبحت حركة لتحرير السودان كله من (المستعمرين) العرب، أن التدخل الخارجى لم يكن شيئاً مذكوراً أيام جوزيف لاجو، ولم يكن موجوداً أصلاً أيام وليم دنيق عام 1965، فى حين أن العالم كله الآن بما فيه الصغار مثل أريتريا و أوغندا، والكبار مثل أمريكا وبريطانيا يحشر أنفه فى مشاكل السودان السياسية من بوابة الجنوب، ومن ثم فإن هذه المشكلة تتفاقم مع الأيام ولا تسير باتجاه الحل أو التناقص، مما يستدعى معالجتها بالمنطق الذى أقره الدين، وهو إجراء الطلاق حين تستحيل الحياة الزوجية وتتحول إلى جحيم.

المحور الثانى: يناقش المنطق الداعى إلى الوحدة ويتساءل لماذا يتشبث الساسة فى شمال السودان منذ الاستقلال بالجنوب، ونوجز حجته فيما يلى:-

1-أن تعرض الجنوب للمظالم ليس إلا فرية رددها الجنوبيون وصدقها الشمال، حيث أن الجنوب هو الذى ظلم الشمال، وأعاق انطلاقه ونهضته، وحال بينه وبين التنمية أو الاستقرار، ويقول الكاتب كم خسر السودان اقتصادياً من جراء حرب الجنوب، وكم هى تكلفه التنمية التى أجريت فى المناطق الجنوبية طوال السنوات الخمسين منذ الاستقلال، ويشير إلى أن هذه التكلفة تدفع من موازنات الشمال، إذ ليس للجنوب إيرادات، ويتساءل كيف سيكون حال الشمال فيما لو صرفت عليه تلك الأموال الطائلة التى أهدرت فى الحرب وفى تحمل عبء الجنوب، ويخلص إلى أن الجنوب كان عالة على الشمال منذ الاستقلال، وأن الجنوب هو المسئول عن تدمير نفسه وعن إعاقة تطور الشمال بالإصرار على الحرب كوسيلة لنيل الحقوق.

2- إن السودان ونتيجة لمشكلة الجنوب تعرض لسلسلة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما فيها المقاطعة الاقتصادية وفرض العقوبات والتهديد بها (يشير إلى قانون سلام السودان) وكذلك مقاطعة خطوط الطيران العالمية للسودان، والإدانات فى المحافل الدولية، وإشانه السمعة فى وسائل الإعلام من خلال الاتهامات الزائفة حول تجارة الرقيق ومن خلال الصور الطافحة بالبؤس التى تفرزها الحرب، والتى تبثها الفضائيات ليل نهار.

3- يشير الكاتب أيضاً إلى الشهداء الذين ضحى بهم الشمال فى سبيل الحفاظ على الوحدة من الجنوب، وأنه ليست هناك عائلة لم تفقد واحداً أو أكثر من أعز أبناءها.

4- أن الشمال مطالب بالتخلى عن دينه وهويته استرضاء للجنوبيين (يشير إلى المطالبة بإباحة زواج المسيحى الجنوبى من المسلمة الشمالية والإصرار على علمانية العاصمة القومية)، ويرى بأن حديث الجنوبيين عن قضية الاستعلاء العرقى حديث مغلوط، حيث أن ذلك موجود ويمارس بشكل أقوى بين القبائل الجنوبية، ويذكر أن قبيلة الدينكا (التى ينتمى إليها قرنق) تمارس استعلاءاً بغيضاً على قبيلة الفرتيت الجنوبية، وأن هذه المشاعر نفسها موجودة بدرجة أخف بين القبائل الشمالية نفسها، كما أن مثل هذه المشاكل موجودة فى أفريقيا وأوروبا والهند، إلا أنها لم تفجر حرباً ضروسا كالتى يشهدها السودان، ويستغلها الجنوبيون فى تشويه صورة السودان وابتزاز أهل الشمال.                

5- طبقاً لرأى الكاتب فإن الجنوب يصبح بهذا الشكل بمثابة "الغدة السرطانية" التى استنزفت الشمال خلال فترة الحرب، ويراد لها أن تستنزفه خلال فترة السلام، وتجرده من هويته وتحرمه من عوامل النهوض كما حرمته طوال فترة الحرب، وأنه إذا كانت الحرب بعيدة عن الخرطوم والشمال بصورة عامة، خلال هذه الفترة فإنها سوف تنتقل إلى الخرطوم خلال فترة السلام، حيث سيحكمها قرنق نائباً أول للرئيس مع وزرائه الذين سيشكلون أربعين فى المائة من الحكومة الاتحادية، ومن قادة وقاعدة الخدمة المدنية فى الشمال، علاوة على حكم الجنوب بكامله بدون مشاركة الشماليين، أى أن جون قرنق سيدخل الخرطوم فاتحاً وحاكماً بسلطات استثنائية تمنح لنائب الرئيس بعد أن قتل خيرة أبناء الشمال، فأى انتصار له أكبر من هذا، وأى هزيمة ستلحق بالشمال.

المحور الثالث : ويقدم فيه الكاتب تصوره لكيفية الحل، للخلاص من هذه المشكلة المستعصية"، وذلك على النحو التالى:

1-      يستشهد الكاتب بمقولة للرئيس عمر البشير ذكر فيها "إذا خيرنا بين استمرار الحرب وبين الانفصال فسوف نختار الانفصال"، وينطلق من هذه المقولة إلى أن هناك خيارات ثلاثة أمام السودان هى : سلام مخز، أو حرب مستمرة، أو انفصال تام. ويقول الكاتب أن الانفصال هو أكثر الاختيارات يسراً، وأن الحرب وإن كانت اختياراً مراً فإنها أفضل من معاهدة ماشاكوس التى لا يوجد مثيل لها فى رأيه غير معاهدة نورمبرج التى وقعها الحلفاء المنتصرون مع ألمانيا الجريحة فى نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك لأن السلام المخزى يعنى الرضوخ لمطالب قرنق المستفزة، التى تعنى أن يتحول السودان إلى مسخ مشوه لا لون له ولا طعم ولا رائحة، بعد أن يتم تجريده من ثرواته وموارده وهويته وأمنه الاجتماعى والثقافى.

2-      أن الخيار الوحيد المتاح هو العمل من أجل إنقاذ المستقبل حتى لا يصيبه ما أصاب الماضى الطويل المهدر فى قضية الجنوب، وأن الحل هو أن تكون الفترة الانتقالية لمدة عام واحد، فليس هناك معنى أن تكون هذه الفترة ست سنوات يختار بعدها الجنوب الانفصال بعد أن يكون قد استنزف الشمال.

3-      أن الاستفتاء يجب أن يشمل الشعبين الشمالى والجنوبى بحيث يصار إلى ما يقرره الشعبان ولا يجوز لأحدهما أن يقر الوحدة فى ظل رفض الآخر، بمعنى أن قرار أى منهما بالانفصال ينبغى أن يكون كافياً لفصل (البلدين) عن بعضهما حتى ولو قرر الآخر الاستمرار فى الوحدة، وأنه لا ينبغى أن نرضى بأن يقرر الجنوبيون البقاء مع الشمال فى وطن واحد حتى لو كان الشمال كارها لذلك.

4-      يطمئن الكاتب أهل الشمال بأن مساحة بلادهم الجديدة ستكون ضعف مساحة مصر بكل حضارتها وجغرافيتها وتاريخها ويطالبهم بأن يثقوا فى مستقبل كريم يسوده السلام والوئام الاجتماعى، ويضرب أمثلة يعتبرها إيجابية مثل انفصال بنجلاديش عن باكستان وانفصال التشيك عن السلوفاك .. الخ.

معارضه عنيفة

رغم أن الدعوة إلى فصل شمال السودان عن جنوبه قد لقيت بعض الاستجابة والصدى، إلا أنها لقيت معارضة عنيفة للغاية من العديد من الكتاب وأصحاب الرأى من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، كما أشار لها بعض كبار المسئولين باعتبارها تعبر عن موقف سلبى ليس له نتيجة غير إضعاف الجبهة الشمالية والتشويش على أجواء التفاوض، وكان من بين من تناولوا هذه الدعوة بالنقد، كل من غازى صلاح الدين مستشار السلام برئاسة الجمهورية الذى كان يقود عملية التفاوض آنذاك، وأيضاً مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية، وإبراهيم أحمد عمر الأمين العام للحزب الحاكم.

وقد ساق المعارضون لهذه الدعوة انتقادات عنيفة يمكن أن توجز خطوطها العريضة فيما يلى:-

1- من زاوية عسكرية وأمنية قال البعض أنه لا تجوز مناقشة قضية فصل جنوب السودان حتى لو كان ذلك متعارضاً مع حرية الإعلام، وأنه إذا لم يكن هناك بُد من ذلك، فإنه يجب على المتخصصين فى الأمن القومى أن يدلوا بدلوهم لتوجيه النقاش بما يخدم التوجه العام للدولة، رغم أن هذا سوف تواجهه أيضاً محاذير أخرى تمنع الكشف عن الكثير من الملفات ذات الأهمية الاستراتيجية والأمنية والتى يغلب عليها الطابع السرى فى أغلب الأحوال. (9)

2- إن إطلاق مثل هذه الدعوة فى ذلك التوقيت يعد تخذيلاً للمقاتلين فى الجنوب ويؤثر سلباً على الروح المعنوية، حيث أن المعركة أو الحرب ما زالت مستمرة، وأن ما هو حادث حتى الآن ليس إلا وقفاً لإطلاق النار، وأن هناك تأثير سلبى للغاية أيضاً على أبناء الجنوب الذين يقاتلون مع القوات الحكومية مثل بعض أبناء الشلك والنوير والمورلى وغيرهم.

3- أنه ليس هناك ما يضمن أن يقبل التمرد بما يطرحه المطالبين بفصل الشمال، فمن الممكن أن يطالب فريق بالمزيد من الأراضى كما يفعل الآن فى محاولته لتمثيل المناطق المهمشة، وأن الحركة الشعبية كانت قد انتهت بالفعل من الناحية العسكرية بعد عمليات صيف العبور إلا أن التدخل الأمريكى والدعم المالى والعسكرى الذى تم توفيره لقرنق ساهم فى منع الوصول إلى نتيجة سياسية لهذا الأداء العسكرى المتفوق، وأن الضغط الخارجى على السودان تزايد فى عام 1995 حين هوجمت القوات الحكومية وتعرضت للعديد من المخاطر، ولم يحدث الانفراج إلا حين دب النزاع بين عدد من الدول المجاورة للسودان، ويخلص أصحاب هذا الرأى إلى أن هناك ضبابية هائلة يفرضها الموقف الأمريكى، وأن هناك العديد من المخاطر والتهديدات التى تعمل الدولة على مواجهتها من خلال العديد من  المحاور المتمثلة فى جهود وزارة الخارجية السودانية لإيجاد نوع من التفاهم المشترك مع مصر والتحرك الذى تقوم به الجامعة العربية، وكذلك استعادة القوات الحكومية لمدينة توريت، وأن هذه الأجواء الإيجابية تواجه بالدعوة إلى التقوقع والتقزم، فى حين أنه يجب الثقة فى توجه الدولة وأدائها تجاه الوضع الضبابى الذى يفرضه التدخل الأمريكى.

4- ذهب البعض إلى أن وحدة الوطن والحفاظ على مكونات تركيبته الاجتماعية وحدوده الجغرافية أمر لا يمكن التلاعب به أو أن يقرر بشأنه فرد أو مجموعة حسب أمزجتها الخاصة، ونتيجة لردود أفعال مفرطة فى الحساسية، قد تكون واقعة تحت تأثير أسباب عاطفية، فمصالح الوطن لا تقرر نتيجة الانفعالات الوقتية وإنما بالتأنى والاحتكام إلى العقل وبالإرادة الجماعية وأن هناك دعاوى مغلوطة لدى المطالبين بالانفصال حيث أن من استشهدوا فى الحرب من الجنوبيين أكثر من الشماليين، والكثير من الجنوبيين قتلوا وهم يحاربون فى صفوف القوات الحكومية.

5- ركز البعض فى تناولهم لهذه القضية على الأبعاد الاستراتيجية والأكثر شمولاً، حيث أن انفصال الجنوب لن يكون خاتمة المطاف، بل سوف تنشأ نتيجة لذلك مشاكل هائلة يمكن إيراد أهم النقاط الأساسية لها فيما يلى(10):-

أ- سيكون هنا اختلاف حول حدود الجنوب نتيجة للتداخل السكانى واسع النطاق الحاصل على التخوم أو الحدود المعروفة بحدود 1956، فمن المعروف أن القبائل الشمالية العربية تنتقل فى بعض المواسم إلى داخل الجنوب سعياً وراء الماء والمرعى والعكس.

ب- هناك مشكلة ليست بالهينة وهى المتعلقة بتعريف من هو الشمالى ومن هو الجنوبى؟ بحكم أن هناك روابط كثيرة قد حدثت وعمقت من نسيج الترابط اجتماعياً وثقافياً بين الشمال والجنوب، كما أنه فى حالة الانفصال سينشأ سؤال آخر متعلق بمصير الجنوبيين المقيمين بالشمال فهل سيتم ترحيلهم للجنوب أم سيبقون فى أماكنهم، وفى حالة ترحيلهم هل سيقبلون بذلك أم سيتم ترحيلهم بالقوة، وكذلك الأمر بالنسبة للشماليين المتواجدين فى الجنوب.

جـ-  أن فصل الجنوب قد يترتب عليه ازدياد أو ظهور المطالب الانفصالية فى الكيان الشمالى، حيث يوجد إحساس عميق بالظلم وعدم العدالة لدى أبناء دارفور فى الغرب وأبناء البجا فى الشرق، وانفصال الجنوب قد يدفع هذه الجهات للانفصال أيضاً فماذا سوف يتبقى من السودان حينئذ.

د- الأمر نفسه ينطبق على المناطق التى توصف بأنها مهمشة، هل ستبقى فى السودان الشمالى مع تمتعها بحكم ذاتى أو بأى صيغة أخرى أم أنها سوف تطالب بالانفصال وهل سوف يُسمح لها بالالتحاق بالجنوب باعتباره الأقرب لها عرقياً وثقافياً وتربطها به روابط أكبر من تلك التى تربطها بالشمال، خاصة فى ظل وجود مقاتلين من أبناء هذه المناطق فى صفوف الحركة الشعبية.

هـ- أن الجنوب نفسه لو انفصل سيكون منطقة عدم استقرار حيث هناك العداوات القبلية والمستوى المنخفض من التنمية وانعدام أو ندرة الكفاءات البشرية المؤهلة، وكل ذلك سوف ينعكس على الدولة الشمالية اضطرابا وعدم استقرار.

و- أن العالم يسير فى اتجاه التكتل والاتحاد فكيف يمكن المناداة بتقسيم السودان، وتقطيعه إلى أشلاء تحت دعاوى وهمية بأنه سيصبح منطقة جذب حضارى يقودها المشروع الإسلامى الذى أثبت وباعتراف مخططيه وواضعيه عدم قدرته على استيعاب التنوع والتعدد فى السودان.

ز- أن تعدد الثقافات والأعراق والأديان فى السودان ليس مدعاة للضعف بل هو مصدر للقوة (11) إذا أحسن استغلاله، وأن الولايات المتحدة خير شاهد على ذلك، وأن هناك العديد من الأمثلة التى حدث فيها انفصال ولم تنته المشاكل مثل انفصال باكستان عن الهند حيث ظل العداء بين البلدين قائماً حتى الآن وأصبحت كشمير المتنازع عليها سبباً لاستنزاف لا ينتهى.

خاتمة : جدلية الوحدة والانفصال والتفكك:

يمكن القول أن الدعوة الانفصالية فى الشمال التى بدأت بمقالات الطيب مصطفى وما تبعها من ردود أفعال فى شكل مقالات أو ندوات قد عبرت فى الحقيقة عن انتقال الموجة الانفصالية إلى الشمال، وكأنها نوع من رد الفعل العصبى على ما أفرزته خطابات النخبة الجنوبية عبر كتبها وصحفها، وقبل ذلك عبر موقف الحركة الشعبية التى بادرت فى مارس 1997 إلى تقديم خريطة تقسيمية فاجأت بها حلفاءها الشماليين فى التجمع الوطنى الديمقراطى، وأزعجت المفاوض الحكومى، وأخذت فى ذلك الوقت تبرر لموقفها بأنه موقف تكتيكى فرضته مداولات التفاوض وضرورات الأخذ والرد، وهى نفس الحجة التى قدمتها الحركة وهى تطالب بوضع "حق تقرير المصير" كمبدأ أساسى فى ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية فى 15 يونيو 1995، مبررة ذلك بأن إقرار المبدأ سيؤدى إلى إغلاق الباب أمام مزايدات "مجموعة الناصر" التى كان يتزعمها آنذاك كل من رياك مشار ولام أكول، والتى رفعت الانفصال كمطلب أساسى لها، أى أن الحركة الشعبية قدمت مطلبها فى هذه المرة أيضاً باعتباره "مطلباً تكتيكياً"، إلى أن أعلن قرنق فى مايو 2000، وأثناء احتفال الحركة بالذكرى السابعة عشرة لتأسيسها، إنها تضع الانفصال كخيار ثالث لها إضافة إلى خيارى إزالة نظام الإنقاذ أو التصالح معه. ومنذ ذلك الحين أصبح الخيار الانفصالى أحد خيارات الحركة الثابتة فى أجندتها، وخفت الصوت الوحدوى الذى لم يعد قرنق يتحدث به سوى فى أماكن بعينها، حيث يتلون خطابه السياسى تبعا لجمهور مستمعيه، يعلو صوته الوحدوى حين يتحدث فى القاهرة أو يخاطب حلفاؤه من القوى الشمالية المتحالفة معه، أما فى خطاباته فى معسكرات الحركة أو فى أوروبا أو الولايات المتحدة فإن يسهب فى الحديث عن الكونفدراليه والانفصال حيث يلقى ذلك هوى فى وجدان سامعيه وحيث يحظى بالتأييد الحماسى والتصفيق الملتهب.

وفى الجانب الآخر بدأت حكومة سلطة الإنقاذ فى أول عهدها، وهى تسعى ليس لاحتواء الجنوب فقط، بل بدت طامعة فى مد نفوذها إلى دول الجوار، وكانت تظن أنها قادرة على حسم التمرد وإدراج الجنوب فى ثقافة الشمال وتحويله إلى جسر للعبور إلى العمق الإفريقى، وبعد أن رفضت "مبادئ الإيجاد" لأنها تحتوى على حق تقرير المصير، عادت لتقبل بها، ثم تدخل فى مراجعة شاملة لمواقفها ومقولاتها، وجاءت اتفاقيات الخرطوم وفشودة عامى 1997، 1998 فى هذا السياق، حيث اعترفت الخرطوم بحق تقرير المصير وجعلته نصاًَ فى الدستور، وبعد تمرد "كاربينو كوانين" وهو أحد أهم الموقعين على هذه الاتفاقيات ثم عودة "رياك مشار" إلى إلغابة والحرب من جديد، وتمرد "لام أكول" من داخل الخرطوم، وما ترافق مع ذلك من بروز المبادرة المشتركة (الليبية المصرية) فى أغسطس 1999، الرافضة لمبدأ حق تقرير المصير، بدأ خطاب الحكومة يبحث عن مخرج من التزامها بذلك المبدأ فبرزت التصريحات الصحفية التى تتحدث عن وحدة السودان كثابت أساسى لا يمكن التنازل عنه، ولكن جاءت ماشاكوس أخيراً لتقفل الباب كليا أمام أى تراجع فى هذا المجال(12).

وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن الحركة الشعبية بدأت كحركة وحدوية، حيث جاء فى منفستو تأسيسها "لابد من التأكيد على أن الهدف الأساسى للحركة الشعبية والجيش الشعبى ليس هو فصل الجنوب.. فالجنوب جزء لا يتجزأ من السودان، وقد تمت تجزئة أفريقيا بما فيه الكفاية بواسطة الاستعمار والاستعمار الجديد، وأن المزيد من التجزئة لن يخدم إلا أعداء أفريقيا"، هكذا كان وضوح الموقف الوحدوى للحركة الشعبية فى بداياتها. إلا أن الخطاب الوحدوى داخل حركة قرنق أخذت مساحاته تتقلص مع الوقت، وتدفع به رغبة جنوبية متزايدة فى الحديث عن الانفصال لم يكن ممكنا لقرنق أن يظل معها ممسكا بزمام القيادة دون أن يسايرها أو يتجاوب معها، حيث أن كل الانشقاقات الداخلية فى الحركة الشعبية كانت ترفع مطلب الانفصال شعاراً سياسياً ثم تسرد من بعده الأسباب الأخرى المتعلقة بديكتاتورية قرنق وبطشه بالمنافسين والخصوم فضلا عن العدوات والحساسيات القبلية الملتهبة فى الجنوب.

وعلى الناحية الأخرى نجد أن الموقف الحكومى من الوحدة بدأ يتراجع أيضاً مع الوقت بعد إقراره فى إطار ماشاكوس، حيث يجرى الدفع به إلى مرحلة جديدة الآن هى السماح بمناقشة خيار الانفصال على نطاق واسع وكأنها تتحسس هذا المسار، وتحاول قراءة ردود الأفعال وموقف الرأى العام منه تحسبا لمستقبل غير معلوم لها حتى الآن بشكل واضح، حيث لم تعد الوحدة أو الانفصال هما الخياران الوحيدان المطروحان بالنسبة لمستقبل السودان، بل أصبح هناك خيار ثالث يفرض نفسه الآن على الساحة بعد الاتجاه إلى تدويل أزمة دارفور وهو خيار "التفكك"، فمن الممكن إذا لم يتم انتهاج السياسات المناسبة أن يتفكك الشمال نفسه إلى عدة كيانات صغيرة فى الغرب والشرق بحيث يبقى الشمال والوسط النيلى فى كيان واحد، وإلى الغرب منه كيان لدارفور، وفى الشرق كيان ثالث لقبائل البيجا والهدندوة وغيرهم، والذين يرتبطون بأواصر قوية مع إريتريا، وفى هذه الحالة فإن مناطق جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق ستجد نفسها أقرب إلى جنوب السودان منها إلى شماله. ولعل هذا يفسر لنا بعض التصريحات التى أطلقها الفريق عمر البشير إبان اشتداد أزمة المفاوضات حول المناطق الثلاث بأن وحدة الشمال خط أحمر بالنسبة لنظامه. فالملاحظ هنا أن الحديث عن مسألة الوحدة والدفاع عنها قد تراجع من الحفاظ على وحدة السودان إلى الدفاع عن وحدة الشمال.

ورغم كل ما سبق فإنه يمكن القول أن إطار ماشاكوس وإن يكن هو الحل الأمثل فإنه يوفر الحل الأفضل حتى هذه اللحظة لأزمة السودان، فجولات التفاوض الماراثونية المتطاولة والمرهقة التى سبقت كل التفاهمات والاتفاقات الجزئية التى تم التوصل إليها حتى الآن مع تعثر المفاوضات أكثر من مرة حتى تكاد توشك على الانهيار رغم الاهتمام الدولى والإقليمى غير المسبوق، توضح بشكل عملى مدى تعقد الأزمة السودانية وتداخل عناصرها ومكوناتها وتساندها مثل الدومينو، بحيث إذا حدث الانهيار فإن أثره لن يقف عند نقطة معينة بل سيتعداها إلى نقاط أخرى. وقد بات واضحاً أنه إذا لم تنجح هذه المفاوضات فقد لا يكون هناك بديل آخر سوى التفكك بعد أن استفحلت أزمة دارفور وانتقلت إلى حيز التدويل فى أقل من عام، وترتب عليها نزوح مئات الآلاف من أبناء مواطنى دارفور بعيداً عن مواطنهم الأصلية، فى صورة مكررة من سيناريو الحرب الأهلية فى الجنوب، لاسيما بعد تدخل أطراف خارجية ذات أجندة سياسية ومصالح قد لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الفئات التى تحمل السلاح الآن فى دارفور.

وعلى الناحية الأخرى ورغم الاعتراف بالصعوبات الهائلة التى قد تواجه تطبيق اتفاق السلام بعد توقيعه، إلا أن القوى السياسية السودانية فى الشمال والجنوب والغرب قد تستطيع أن تنجح فى الحفاظ على وحدة السودان وعلى تحقيق مصالح الفئات والمناطق التى تمثلها من خلال هذه الوحدة، إذا استطاعت أن ترتقى بسلوكها ورؤيتها وتحالفاتها من إطار التكتيك والمناورات الصغيرة والضيقة إلى مصاف الاستراتيجية القائمة على التسامح والتعدد وقبول الآخر من خلال رؤية شاملة.

 

 

أهم المراجع:

(1)     لمزيد من التفاصيل أنظر: هانئ رسلان، جنوب السودان وحق تقرير المصير: المسار والأبعاد، القاهرة، مجلة السياسة الدولية، أكتوبر 2002، ص 237.

(2)     التقرير الاستراتيجى السودانى الأول، ص ص 121، 129.

(3)     نبيل عبد الفتاح، إطار ماشاكوس: المرجعية والبنية والدوافع، القاهرة، مجلة السياسة الدولية، أكتوبر 2002، ص 232.

(4)     النص الكامل لتقرير دانفورث على موقع وزارة الخارجية الأمريكية على الشبكة الدولية للمعلومات. www. Usinfo.State. gov

(5)     أنظر هانئ رسلان، المشكلات العملية لتطبيق اتفاق ماشاكوس فى جنوب السودان، القاهرة، مؤسسة الأهرام، ملف الأهرام الاستراتيجى، العدد 95، نوفمبر 2002.

(6)     هانئ رسلان، السودان: الدعوة الانفصالية قد تأتى أيضاً من الشمال، القاهرة، مجلة الديمقراطية، العدد العاشر، مارس 2003، ص 213.

(7)     عبد الله رزق، صوملة السودان أم تفكيك المشروع السياسى الإسلامى، جريدة الرأى العام السودانية، 8 فبراير 2003.

(8)     هانئ رسلان، السودان: الدعوة الانفصالية قد تأتى أيضاً من الشمال، مرجع سابق، ص 215.

(9)     اللواء ضحوى يتهم الطيب مصطفى بتخذيل الجيش، جريدة البيان الإماراتية، 2 فبراير 2003.

(10)   الأمين أحمد نور، لا لانفصال جنوب السودان، جريدة الصحافى الدولى السودانية، 26 يناير 2003.

(11)   إدريس حسين، وحدة السودان بين مغالاة قوى جنوبية ورد فعل بعض الشماليين، جريدة الرأى العام السودانية 22 يناير 2003.

(12)   ضياء الدين بلال، شليل الوحدة وكابوس الانفصال، جريدة الرأى العام السودانية، 27 فبراير 2003.