نشرت هذه الدراسة فى سلسلة كراسات استراتيجية الصادرة عن مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، العدد رقم 138، ابريل 2004

-------------------------------------------

 

خامسا: القضايا المصيرية ومقررات أسمرا 1995

على الجانب الآخر للمعادلة، حيث تقف المعارضة الشمالية فى مواجهة نظام الإنقاذ، وجدت القوى الشمالية نفسها فى موقف صعب حيث أنها غير قادرة على التعاطى مع النظام الذى أعلن فى أكثر من مناسبة أنه لن يتفاوض إلا مع من يحمل السلاح، وأن حكومة الإنقاذ جاءت بالقوة، وأن من يريد منازعتها أو مشاركتها السلطة ليس أمامه سوى هذا السبيل، لذا قامت فصائل المعارضة بتكوين "التجمع الوطنى الديمقراطى" من أجل تكتيل جهودها، والتنسيق فيما بينها. وقد سعت القوى السياسية المكونة للتجمع المعارض إلى جذب الحركة الشعبية إلى عضويته، إذ أن هذا الانضمام كان يمثل ولاشك إضافة هائلة إلى التجمع باعتبار أن الحركة الشعبية هى القوة الوحيدة القادرة على مواجهة نظام الإنقاذ وإزعاجه عسكرياً، فالأحزاب والقوى السياسية الشمالية مثل الحزب الاتحادى وحزب الأمة والحزب الشيوعى وغيرها، لا تمتلك قدرة عسكرية تذكر، بل أن بعضها مثل الحزب الاتحادى لا تاريخ له على الإطلاق فى هذا المجال.

وفى مواجهة سياسات الإقصاء التى اتبعتها حكومة الخرطوم، أعلن التجمع الديمقراطى المعارض فى يونيو 1995 ما عرف فيما بعد باسم "مقررات القضايا المصيرية" فى أسمرا، والتى جرى الاتفاق من خلالها على المبادئ المتعلقة بإنهاء الحرب الأهلية، وقد أقرت هذه المبادئ حق تقرير المصير كمدخل أساسى لإنهاء الحرب كما يلى (2):-

1-خيار التجمع الوطنى المفضل هو وحدة الوطن المؤسسة على التنوع والاعتراف بأن السودان بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات واللغات، وأن تلك الوحدة ستقوم على حق المواطنة وعلى المساواة فى الحقوق والواجبات وفق المعايير المضمنة فى المواثيق العالمية حول حقوق الإنسان .

2-الاعتراف بأن حق تقرير المصير يوفر حلاً لقضية إنهاء الحرب الأهلية لتسهيل استعادة الديمقراطية فى السودان وتعزيزها وإتاحة فرص تاريخية فريدة لبناء سودان جديد قائم على العدالة والديمقراطية.

3-أن المناطق المتأثرة بالحرب هى جنوب السودان ومنطقة إبيى وجبال النوبة والانقسنا.

4-أن أهل جنوب السودان بحدوده القائمة فى أول يناير 1956 سيمارسون حقهم فى تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية.

5-يستفتى أهل إبيى خلال الفترة الانتقالية حول بقائهم ضمن إقليم كردفان أو الانضمام إلى إقليم بحر الغزال.

6-تسعى الحكومة الانتقالية للتوصل إلى حل سياسى ورفع المظالم التى عانى منها أهل منطقة جبال النوبة والانقسنا.

7-الخيارات التى تطرح فى الاستفتاء بالجنوب هى:

أ- الوحدة              ب – الاستقلال

وهكذا وافقت القوى السياسية الشمالية، على حق تقرير المصير واعتبرته بنداً أساسياً فى مواثيقها، ورأى بعض المراقبين أن تقرير المصير قد فرض فرضاً على أحزاب الشمال عبر "البندقية الجنوبية"، لأن تحالف القوى الشمالية غير المسلحة تاريخياً، وضع هذه القوى فى موقف الشريك الأضعف رغم ثقلها الجماهيرى فى الشمال، وأن البندقية الأكثر فعالية فى الصراع مع نظام الإنقاذ كانت هى البندقية الجنوبية، وبذلك أدى فقدان الأمل فى الوصول إلى حل وطنى للأزمة السودانية إلى القبول بهذا الحل، الذى يعرف الجميع أنه قد يؤدى إلى الانفصال، إلا أن الإفرازات المزمنة الناتجة عن طول أمد الصراع و التحولات المتسارعة فى الواقع السياسى، جعلت القوى السياسية الشمالية تلهث وراء مناورات نظام الإنقاذ وتقلباته السياسية، وتسعى ما وسعها الجهد إلى مواجهته ومحاولة إسقاطه بأى وسيلة. 

سادسا : اتفاقية الخرطوم للسلام

على الجانب الحكومى، وبعد فترة وجيزة من إعلان مقررات القضايا المصيرية فى أسمرا وقعت الحكومة السودانية على اتفاقية الخرطوم للسلام فى إبريل 1997، غير أن هذه الاتفاقية لم تكن فى إطار رد الفعل على مقررات أسمرا 1995، بل تعد فى الحقيقة تتويجاً للمسار الذى كان قد بدأه نظام الإنقاذ فى محادثات فرانكفورت فى يناير 1992، وقد مرت هذه الاتفاقية من الناحية الإجرائية بعدة خطوات، بدأت بالتوقيع على ميثاق للسلام فى إبريل 1996، الذى كان بمثابة إعلان للمبادئ وقعت عليه كل من الحكومة، وحركة استقلال جنوب السودان بقيادة الدكتور رياك مشار، والحركة الشعبية لتحرير السودان (مجموعة بحر الغزال) بقيادة كاربينو كوانين، وبعد أن استمرت التعبئة السياسية حول هذا الميثاق عاماً كاملاً تم توقيع اتفاقية الخرطوم بين الحكومة والأطراف الجنوبية التالية:-

-حركة استقلال جنوب السودان بقيادة رياك مشار.

-الحركة الشعبية لتحرير السودان (مجموعة بحر الغزال) بقيادة كاربينو كوانين.

-تجمع أبناء بور بقيادة القائد أروك طون أروك.

-الحركة المستقلة لجنوب السودان بقيادة كواج مكواى.

-قوة دفاع الاستوائية بقيادة توبولوس أوشانج

وبعد التوقيع على الاتفاقية، كونت هذه الفصائل فيما بينها جبهة موحدة هى الجبهة الديموقراطية للإنقاذ، وتم دمج قواتها فى حركة عسكرية موحدة أطلق عليها أسم "قوة دفاع جنوب السودان" أسندت قيادتها السياسية والعسكرية للدكتور رياك مشار. 

وعقب توقيع اتفاقية الخرطوم بأشهر قليلة، أدت بعض المساعى إلى توقيع الدكتور لام أكول لاتفاقية "فاشودة" مع الحكومة السودانية فى 20 سبتمبر 1997، وذلك بعد الاستجابة لبعض التحفظات التى أبداها وقد تم توقيع الاتفاق بحضور رث "ملك" الشلك، وهو الزعيم الروحى للقبيلة التى ينتمى إليها لام أكول، وقد أجاز البرلمان السودانى اتفاقية الخرطوم التى تم تحويلها إلى مرسوم دستورى هو المرسوم الرابع عشر عام 1997.

وتنص اتفاقية الخرطوم التى تقع فى ديباجة وثمانية فصول، على قضايا الدين والدولة والضمانات الدستورية وتوزيع السلطة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، وكذلك توزيع الثروة ومشاركة الجنوبيين فى مؤسسات الحكم الاتحادى، إلا أن أهم فصولها هو ذلك المتعلق بحق تقرير المصير لمواطنى جنوب السودان، بعد فترة انتقالية تمتد لأربعة أعوام من تاريخ إنشاء المجلس التنسيقى للولايات الجنوبية التى تم تحديدها بعشرة ولايات، ويجرى فى نهاية الفترة الانتقالية استفتاء على خيارى الوحدة أو الانفصال، على أن يجرى هذا الاستفتاء تحت رقابة المنظمات الإقليمية والطوعية الوطنية والأجنبية.

أما فيما يتعلق بقضايا الدين والدولة فقد نصت الاتفاقية على أن المواطنة هى أساس الحقوق والواجبات ويشارك جميع السودانيين بحكم المواطنة، على وجه المساواة فى المسئولية السياسية.

ومن ناحيتها اعتبرت الحكومة السودانية أن هذه الاتفاقية تمثل خطوة كبيرة فى الاتجاه نحو إنهاء الحرب الأهلية وأنها ستكون نموذجاً لحل المشاكل المماثلة فى القارة الإفريقية، وإنها سبقت بمراحل اتفاقية أديس أبابا 1972، بينما قللت المعارضة من أهمية الاتفاقية، وأن الهدف الحقيقى منها هو تحويل الحرب إلى حرب جنوبية / جنوبية، على نطاق واسع، وأعلن جون قرنق أن المنشقين على حركته وكذلك الحكومة السودانية، كاذبون فى المناداة بحق تقرير المصير. وطبقاً لقرنق فإنه كان ينبغى على المنشقين الذين تحالفوا مع نظام الإنقاذ، أن يكونوا حرباً على النظام بدلاً من الانخراط فى جيشه الذى يحارب أهلهم فى الجنوب، إذا كانوا جادين فى دعواهم التى برروا بها انشقاقهم، وأن الذى يحول دون الانفصال أو الاستقلال ليس الحركة الشعبية لتحرير السودان، أو التجمع الوطنى المعارض، بل نظام الإنقاذ.

ومن ناحيته أصدر التجمع الوطنى الديمقراطى بياناً أوضح فيه رفض التجمع اتفاقية الخرطوم باعتبارها إطاراً لتكريس انفصال جنوب السودان، وأنها لا تحقق السلام فى الجنوب لأنه تم بين أقلية فى الشمال وأقلية فى الجنوب وفى غياب الشرعية والضمانات الدولية.

وعلى المستوى الإقليمى والدولى جاءت ردود الأفعال على اتفاقية الخرطوم فاترة، حيث أعلنت إدارة الرئيس كلينتون أنها تتضمن بعض الإيجابيات، إلا أنه لا يمكن اعتبارها حدثاً كبيراً، إذ لم يشارك فيها لاعب رئيسى مثل قرنق، أما الخارجية المصرية فقد أعلنت أن هذا الاتفاق سيكون له تأثير سلبى على عملية الاستقرار وجددت موقفها الرافض لانفصال جنوب السودان لتنافيه مع مبادئ ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية.

وحين دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، برزت الكثير من الخلافات وسط القوى الجنوبية الموقعة على الاتفاق حول المواقع السياسية والمناصب الدستورية، ووصلت هذه الخلافات إلى حد الاقتتال الضارى وتبادل اختطاف بعض القادة والمسئولين فى العديد من المواقع بالإضافة إلى الفساد المالى و الإدارى، وكثرت الاحتجاجات وكذلك التذبذب فى المواقف وهو أمر بدا أن حكومة الخرطوم كانت تتوقعه، بل ربما هدفت إليه من البداية، وساعدت حسبما رأى الكثير من المراقبين على تفاقم الخلافات الجنوبية واشتعالها، وقد انتهى الأمر فى نهاية المطاف، وبعد الكثير من التفاصيل إلى إعلان رياك مشار عن انسحابه من الاتفاقية وعودته إلى الحركة الشعبية بقيادة قرنق وذلك بعد أن اهتز موقف مشار تجاه أحد منافسيه "فاولينوماتيب" والذى كان يحظى بدعم غير مباشر من الحكومة، وقد استمر سريان الاتفاقية مع باقى الأطراف، كما تم تمديد الفترة الانتقالية المحددة لإجراء الاستفتاء حول تقرير المصير والتى كان مقرراً انتهاؤها فى مارس 2002، لمدة سنتين آخريتين حتى عام 2004، وذلك بموافقة الطرفين طبقاً لأحد بنود الاتفاقية. وعند نهاية هذا التجديد تم مد العمل بالاتفاقية لعام آخر بطلب من مجلس تنسيق الولايات الجنوبية الذى يرأسه الآن الدكتور "رياك قاى" الذى ينتمى إلى قبائل النوير.

لقد مثلت اتفاقية الخرطوم بالنسبة للحكومة لبنة أساسية فى استراتيجية "السلام من الداخل"، التى سعت إلى خلق تحالف عريض من القوى السياسية الجنوبية والفصائل المناهضة للقرنق، بهدف تقويض وضع قرنق وتهميشه عملياً، فالشروط السخية التى قبلت بها الحكومة فى الاتفاقية، عبرت عن محاولة جادة لسحب البساط من تحت أقدام قرنق، فقد منحت الاتفاقية لمجموعة الفصائل المكونة للجهة الديمقراطية للإنقاذ، حق تقرير المصير، والانفصال إذا شاء أهل الجنوب، وحكما فيدرالياً واسعاً ذا سلطات واسعة، يكون الجنوب بموجبة موحدا وشبه مستقل حتى قبل الاستفتاء، ولكن الكثير من المشاكل ظهرت فى تطبيق الاتفاقية، حيث بدأت تظهر الانشقاقات والصراعات فى جبهة الجبهة الديمقراطية للإنقاذ، وكان من أبرزها انشقاق القائد "كاربينو كوانين بول"، الذى ينتمى إلى الدينكا وعودته للانضمام إلى جون قرنق، قبل أن ينشق عليه مرة أخرى ويعود إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية، حيث قتل فى  المعارك مع الفصائل الجنوبية الأخرى، كما أن التطبيق أظهر ضعف فاعلية السلطات والصلاحيات التى منحتها الخرطوم للجبهة الديمقراطية للإنقاذ من الناحية العملية، ومن الناحية الأخرى كان نظام الإنقاذ يراوح فى موقفه السياسى من هذه الفصائل ويوظفها كأداة فى إطار الاستراتيجية الخاصة بإضعاف قوات قرنق، حيث كان معلوماً للجميع، أن الوصول إلى اتفاق مع هذه الفصائل وحدها لن يكون كافياً لجلب السلام أو إنهاء الحرب الأهلية. وقد تطورت الأوضاع بعد ذلك بعد البطء الذى صاحب المبادرة المشتركة التى قدمتها كل من مصر وليبيا فى 1999، وعدم قدرتها على تحقيق تقدم يذكر، إلى أن تبدلت السياسة الأمريكية تجاه السودان مع تعيين السيناتور جون دانفورث كمبعوث رئاسى لواشنطن فى السودان، الأمر الذى تمخض عن توقيع اتفاقية "جبال النوبا" فى يناير 2002، لتنطلق بعدها عملية التسوية فى كينيا والتى أحدثت اختراقاً هائلاً بتوقيع اتفاق مشاكوس الإطارى.

سابعا: حق تقرير المصير فى إطار ماشاكوس

نص الاتفاق الإطارى الذى جرى توقيعه فى ماشاكوس فى 20 يوليو 2002، على منح حق تقرير المصير لجنوب السودان بعد مرحلة انتقالية قدرها 6 سنوات، وذلك من خلال استفتاء تحت رقابة دولية.

وقد نص الاتفاق الإطارى أيضاً على اتفاق الطرفين على العمل سوياً على إعطاء الأولوية للوحدة وجعلها جاذبة لأهل جنوب السودان، ولضمان التنفيذ أشار الاتفاق إلى آلية محددة (3) تتمثل فى تأسيس مجلس مستقل وهيئة تقييم خلال الفترة الانتقالية، على أن تقوم هذه الهيئة بإجراء تقييم فى منتصف المدة لترتيبات الوحدة، وتتشكل هيئة التقييم من ممثلين  متساوين من حكومة السودان والجيش الشعبى لتحرر السودان، ومما لا يزيد عن ممثلين اثنين من الدول والمنظمات الآتية:-

أ-الدول الأعضاء فى اللجنة الفرعية حول السودان التابعة لمنظمة الإيجاد وهى جيبوتى وإريتريا وأثيوبيا وكينيا وأوغندا.

ب-دول مراقبة دولية وهم إيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ج-أى دول أو هيئات دولية أخرى يتم الاتفاق عليها من قبل الأطراف.

وناط الاتفاق بالأطراف والهيئة العمل خلال الفترة الانتقالية على تحسين المؤسسات والترتيبات المؤسسية طبقاً للاتفاقية والتى تهدف إلى جعل وحدة السودان جاذبة لأهل الجنوب.

فى هذا السياق يمكننا أن نشير إلى ملاحظتين أساسيتين، الملاحظة الأولى تتعلق بوجود نوع من التعارض فى بنية الاتفاق الإطارى نفسه فيما يتعلق بمسألة الوحدة أو الانفصال، إذ أنه يمنح الجنوبيين الحق فى إدارة شئون إقليمهم، الأمر الذى يقتضى إنشاء هياكل ومؤسسات وأجهزة إدارية خاصة بالإقليم الجنوبى لتمكين حكومة هذا الإقليم من إدارة شئونه، وهذه خطوة قد تشجع على الانفصال فى وقت لاحق. وفى الوقت نفسه ينص الاتفاق على تشجيع الوحدة وجعلها جاذبة بمعنى أنه يدعو إلى التركيز على الآليات المفضية إليها، والتى تقتضى إنشاء ودعم الهياكل والمؤسسات والأجهزة ذات البعد القومى والتى تشجع الطرفين على التفاعل والعمل سوياً بشكل منفتح من أجل مستقبل مشترك، مع محاولة التقارب وتخطى المشاكل الناتجة عن الحرب طويلة الأمد، والتى أفرزت مناخاً عاماً من التوجس وعدم الثقة. وعلى ذلك فإن المحصلة النهائية للفترة الانتقالية ستكون رهناً لعوامل غير منظورة وقد لا يمكن السيطرة عليها، إذ أنها تعتمد على ظروف وأسلوب تطبيق الاتفاق التى تعتمد بدورها على فهم الطرفين لنصوصه والمناخ الذى سيجرى التطبيق من خلاله وكيفية تجاوز المشاكل المعقدة التى ستنشأ خلال التطبيق.

ولمحاولة فهم هذا التعارض الخفى فإننا نشير إلى النص الوارد فى تقرير دانفورث فيما يتعلق بحق تقرير المصير(4)، الصادر فى أبريل 2002 حيث عرض التقرير حق تقرير المصير للجنوبيين باعتباره وسيلة لحماية أنفسهم من الاضطهاد، وأشار إلى رأى الشمال الرافض لتقرير المصير المؤدى للانفصال، ثم ذهب دانفورث إلى "أن وجهة النظر الممكن تحقيقها أكثر والتى يعتقد أنها الأفضل لتحقيق حق تقرير المصير هى التى تضمن حق الشعب فى جنوب البلاد بالعيش تحت حكم يحترم دينه وثقافته، وذلك فى إطار إعطاء ضمانات جدية داخلية وخارجية بحيث لا يمكن للحكومة أن تتجاهل فى الممارسة أى وعود تقدمها أثناء مفاوضات السلام".

وهكذا فإنه من الواضح أن الفهم الأمريكى الوارد فى تقرير دانفورث، والذى يحاول جعل تقرير المصير وسيلة وليس غاية مقصودة فى ذاتها، ويستخدمه أداة للضغط والتلويح بإمكانية إنقاذه للحصول على الحقوق، قد يتحول كما هو واضح من التفاعلات الجارية حتى الآن إلى نقطة بدء لمسار جديد فى العمليات السياسية السودانية برمتها، فبمجرد التوقيع على هذا الحق بدأت التفاعلات تأخذ شكلاً جديداً، ومنحى آخر فاحتلت قضية المناطق المهمشة حيزاً كبيراً وبخاصة قضية منطقة "ابيى" التى من المرجح أنها ستتحول إلى "كشمير" جديدة فى السودان، بالإضافة إلى أزمة دارفور الذى اشتعلت إلى حد غير مسبوق وتحولت الآن من قضية داخلية إلى قضية ذات بعد دولى، بمعنى أنها خرجت من حيز التفاعلات الداخلية فى السودان إلى التدويل مع رفع سقف المطالب والمطالبة بحصة من البترول وقوات عسكرية مستقلة وحكم ذاتى واسع النطاق، وكل ذلك على خلفية صراع أثنى وعرقى وجهوى موجه ضد المركز أو الشمال النيلى بالتحديد.

أما الملاحظة الثانية فتقودنا إلى المشاكل التطبيقية لحق تقرير المصير، لجنوب السودان (5) والتى يمكن إيجازها فيما يلى:

أ-قضية حدود الجنوب: نص الاتفاق الإطارى على أن حدود الجنوب هى الحدود المعروفة عند استقلال السودان فى يناير 1956، إلا أن الحركة الشعبية ومنذ الشوط الأول فى الجولة الثانية للمفاوضات طرحت تصوراً مختلفاً لحدود الجنوب، وذلك بأن ضمت إلى الولايات الثلاث المتعارف عليها، مناطق كل من إبيى وجبال النوبا (كلاهما تقع فى ولاية جنوب كردفان الحالية)، وجبال الانقسنا جنوب (ولاية النيل الأزرق).

وقد رفضت الخرطوم النظر فى هذا الطرح باعتبار أن حدود جنوب السودان معروفة بالضرورة وأن هذه مسألة محسومة فى الاتفاق الإطارى، إلا أن الحكومة السودانية وللعديد من الاعتبارات رضخت جزئياً لمطلب الحركة الشعبية وأجرت مفاوضات حول هذه المناطق فى مسار منفصل وموازى لمسار مبادرة الإيجاد فى محاولة لتحاشى الاعتراف بحق تقرير المصير لهذه المناطق، وذلك طبقاً للتصور السائد آنذاك بأن الحركة الشعبية تتشبث بمطلب التفاوض حول قضايا المناطق كمطلب تكتيكى بالنظر إلى انتماء جزء من قواتها العسكرية إلى هذه المناطق. إلا أن التجربة العملية ومسار المفاوضات أثبتا خطأ هذا الاعتقاد، فرغم الوصول إلى تفاهم عام حول حكم ذاتى بصلاحيات معينة لجبال النوبا وجبال الانقسنا، إلا أن الموقف أصبح معقداً للغاية بخصوص "إبيى" وتحول إلى أزمة كبيرة فى المفاوضات بسبب إصرار الحركة الشعبية على موقفها بضم أبيى إلى بحر الغزال، ورغم محاولة الولايات المتحدة الأولية لاتخاذ موقف ضاغط على الطرفين لدفعهما إلى التوصل إلى اتفاق، إلا أنها انحازت فى النهاية إلى موقف الحركة الشعبية من خلال اقتراحها جعل المنطقة تابعة إدارياً لكل من حكومتى ولاية كردفان وولاية بحر الغزال فى الوقت نفسه إلى أن يجرى تحديد وضعها النهائى بعد 6 سنوات عبر الاستفتاء. وهذا أمر ستقابله مشكلة أخرى فى حينها وهى من هم الذين يحق لهم التصويت على مستقبل منطقة أبيى؟ فالحركة الشعبية تصر على أن حدود أبيى تقف عند خط العرض 10 شمالاً وهذا يعنى أن "الدينكا نقوك" هم المعنيون وحدهم بالتصويت، فى حين أن الحكومة ترى أن حدود المنطقة هى خط العرض 11.5 شمالاً وهذا يعنى أن قبائل المسيرية التى تتمركز فى بابنوسة والمجلد وترتحل إلى الجنوب صيفاً يحق لها التصويت. وبالنظر إلى الأغلبية العددية للمسيرية فإن النتيجة ستكون فى هذه الحالة لصالح الشمال وهو الأمر الذى ترفضه الحركة الشعبية بالطبع.

ب-حق التصويت: السؤال الأساسى المطروح قبل الدخول فى عملية الاستفتاء والمطلوب الإجابة عليه هو: من هو الجنوبى؟ أو بمعنى آخر من يحق له التصويت فى الاستفتاء؟ قد تكون الإجابة على هذا السؤال غاية فى البساطة فى الأحوال العادية، ولكنها فى الوضع السودانى تثير العديد من القضايا الإشكالية، بالنظر إلى المتغيرات التى حدثت فى السودان فى السنوات العشرين الماضية، حيث نزح مئات الآلاف من الجنوبيين إلى وسط وشمال السودان، هرباً من الحرب أو المجاعة. فهل من يحق له التصويت هو الشخص القاطن فى الجنوب؟ وما هى وضعية الجنوبيين النازحين؟ وما هو الوضع بالنسبة للشماليين الذين استقروا فى مدن الجنوب، هل يحق لهم التصويت أم لا؟ وهل إذا صوت الجنوب لصالح الانفصال سيبقى الجنوبيون القاطنون فى الشمال فى أماكنهم؟ أم سيتم ترحيلهم؟ وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن مسمى "جنوبى" ليس ذا دلالة قانونية، وإنما هو إشارة إلى انتماء جغرافى إلى جهة من جهات السودان. ويزداد الأمر تعقيداً بالنظر إلى التركيب المعقد للجنوب الذى يتكون من فسيفساء عرقى وثقافى ودينى شديد التنوع، مع عدم وجود سجلات رسمية منتظمة لإثبات الهوية، وبذلك تكون عملية تسجيل وتحديد من يحق لهم التصويت مسألة بالغة الصعوبة.

وطبقاً لآخر إحصاء تم إجرائه فى عام 1983، يبلغ عدد سكان الجنوب حوالى 5.4 مليون نسمة، أى ربع عدد سكان السودان البالغ آنذاك 22.5 مليون نسمة (عدد السكان الحالى حوالى 38 مليون نسمة)، كما أنه من الصعب العثور الآن على إحصاءات دقيقة للجنوبيين، بسبب الظروف الأمنية الصعبة، إلا أن تقديرات الحكومة السودانية وعدد من منظمات الإغاثة العاملة فى جنوب السودان تشير إلى أن عدد الجنوبيين النازحين إلى الشمال بلغ حوالى 2 مليون جنوبى، فى مقابل حوالى 1.5 مليون مازالو فى الجنوب، وأن اللاجئين إلى دول الجوار فى اثيوبيا وأوغندا وكينيا وأفريقيا الوسطى بلغوا نحو نصف مليون جنوبى، وأن هناك أكثر من 50 ألف جنوبى فى دول العالم الأخرى. وهذه التقديرات قد تزيد أو تنقص بنسبة ما، إلا أنها توضح بكل تأكيد أن نصف الجنوبيين على الأقل يعيشون الآن فى الشمال.

وقد حددت الحركة الشعبية لتحرير السودان موقفها من هذه النقطة فى الورقة التى قدمتها إلى مؤتمر "قضايا الانتقال إلى الديمقراطية والسلام" الذى عقد فى كمبالا عام 1999، وذلك على النحو التالى:-

- السودانيون الجنوبيون هم المواطنون الأصليون من أهل المنطقة والذين يقيمون فى أحد الأقاليم الجنوبية الثلاثة (بحر الغزال والاستوائية وأعالى النيل)، وينتمون إلى إحدى المجموعات العرقية أو القبلية من السكان الأصليين من خلال أحد الأبوين أو كليهما.

-        السودانيون الجنوبيون الذين يقيمون فى مدن السودان الشمالية يجب أن يعودوا إلى مناطقهم لكى يستطيعوا الاقتراع فى الوقت المحدد للاستفتاء، ولا يسمح لهم بالاقتراع من مناطقهم فى شمال السودان (بحجة أنهم قد يكونون تحت تأثير حكومة الخرطوم).

-        اللاجئون الجنوبيون فى الخارج، يسمح لهم بالاقتراع خارج السودان فى بلدان اللجوء أو فى مقار البعثات الدبلوماسية السودانية.

ويلاحظ على هذه الرؤية أنها تهدف إلى إغلاق الطريق أمام حكومة الخرطوم فيما يتعلق بالجنوبيين المقيمين فى الشمال، حيث أن هؤلاء قد يكونوا من مؤيدى الوحدة، بسبب عدم رغبتهم فى التخلى عن حقهم فى العودة إلى مواطنهم الأصلية، فى الوقت الذى قد لا يستطيعون فيه العودة إلى الجنوب لأسباب تتعلق بأوضاعهم المعيشية أو بسبب مخاوف أمنية أو قبلية. كما أن الحركة لا توضح الطريقة التى سوف يتم بها ترحيل هؤلاء إلى الجنوب مرة أخرى، وهل سيتم ذلك طوعاً أو عن طريق الإكراه؟

قد يكون هذا الموقف من جانب الحركة الشعبية تفاوضياً، بحيث يجرى التنازل عنه فيما بعد، إلا أنه فى هذه الحالة سيحتاج أيضاً إلى الكثير من الترتيبات الخاصة بإثبات الهوية وتسجيل من يحق لهم التصويت بحكم وجود أعداد هائلة أخرى من النازحين من الغرب ومن المناطق الملاصقة للجنوب، وهذا قد يقود إلى إحداث خلافات ومشاكل هائلة فيما يتعلق بالتفاصيل التى تحكم هذه العملية.

ج-كيفية التصويت: المؤسسة السياسية والإدارية والقانونية الموجودة حالياً فى الجنوب هى "الولاية" مع وجود "القبيلة" كوحدة اجتماعية مهمة داخل الولاية. وحسب التوزيع الحالى فإن الجنوب مقسم إلى 10 ولايات، وكل ولاية منها تمثل تقريباً قبيلة واحدة، أو قبائل مترابطة الأواصر على نحو ما، ولكل ولاية دوائرها الانتخابية الخاصة بالتصويت للمجلس الوطنى (البرلمان)، وبداخل كل ولاية توجد المجالس المحلية كوحدات إدارية وقانونية على مستوى أدنى.

وبالنظر إلى هيمنة القبيلة على الحياة فى الجنوب، فإن المتوقع هو أن يصوت أبناء كل قبيلة فى اتجاه موحد، غايته نصرة القبيلة أو الولاية فى الاتجاه الذى تريد، فإذا كان سؤال الاستفتاء الموجه لكل جنوبى له حق التصويت كالتالى:- "هل ترغب فى بقاء الجنوب فى الوحدة الحالية أم تريد الانفصال" فإن مثل هذا السؤال قد يقود إلى نتيجة غير عادلة لبعض القبائل، التى قد تجد نفسها فى مواجهة نتيجة (لم تصوت لها)، ولا ترضى عنها أو لا تحقق مصالحها. ويمكن توضيح ذلك كما يلى:-

- قبيلة الدنيكا هى أكبر قبائل الجنوب من حيث العدد، ولها أربع ولايات من الولايات العشر، تقع ثلاث منها فى إطار بحر الغزال الكبرى، وفى المقابل فإن قبيلة النوير هى القبيلة الأولى فى أعالى النيل الكبرى، وتليها من الناحية العددية قبيلة الدنيكا.

- أما قبيلة الشلك وهى ثالث أكبر القبائل الجنوبية فهى موزعة بين أعالى النيل والمديرية الاستوائية.

- هناك مجموعة كبيرة من القبائل المتصارعة فى المديرية الاستوائية وهى قبائل تحمل مشاعر عدائية تجاه القبائل الثلاث الكبرى خوفاً من الوقوع تحت سيطرتها.

وعلى ذلك فإن قبيلة الدنيكا والنوير لو تحالفتا معاً فإنهما ستحسمان اتجاه التصويت سواء للوحدة أو للانفصال، ومن ثم فإن باقى القبائل ستجد نفسها مضطرة للرضوخ لنتائج هذا الاتجاه التصويتى أو ذاك، وكأن تصويتها لا قيمة له، أو هو من باب تحصيل الحاصل، وهذه مسألة بالغة الحساسية فى الوضع الجنوبى فمن المعروف أن خسائر الجنوبيين نتيجة للقتال الضارى بين بعضهم البعض هى أكثر من خسائرهم فى القتال ضد الشمال، كما أن هناك العديد من القبائل الجنوبية التى ما زالت تقاتل مع حكومة الخرطوم ضد قوات قرنق، حيث قاتلت قوات "فاولينوماتيب" – على سبيل المثال - بضراوة إلى جانب القوات الحكومية من أجل تحرير مدينة "توريت" واستعادتها من قوات الحركة الشعبية، وكانت على رأس أحد المحاور الثلاثة الرئيسية التى قامت القوات الحكومية من خلالها باقتحام المدينة.

أما إذا كان السؤال المطروح للاستفتاء "هل ترغب فى أن تبقى ولايتك فى إطار النظام القائم أم تكون فى إطار جنوب منفصل" فمن المؤكد أن نتائج الاستفتاء سوف تختلف، ففى هذه الحالة من الممكن أن تصوت بعض الولايات للانفصال عن الشمال فى حين أن بعضها الآخر قد يفضل البقاء فى إطار السودان الموحد، الأمر الذى يعنى أن الكيان الجنوبى المنفصل فى دولة جديدة قد يشتمل على أربع أو خمس ولايات فقط -على سبيل المثال- فى الوقت الذى قد تختار الولايات الأخرى صيغة مختلفة مثل الكونفدرالية مع الشمال، وإن كان من غير المتصور أن يلقى مثل هذا الاقتراح موافقة الحركة الشعبية، لأنه سوف يقود إلى تفتيت الجنوب المعروف بحدوده الحالية، وسيؤدى أيضا إلى فقدان الحركة الشعبية لموقعها كممثل للجنوبيين.

ومن ثم فإن القضايا الفنية المتعلقة بالاستفتاء والتى ينتظر حسمها فى الاتفاق النهائى ستكون ذات أثر بالغ الأهمية فيما يتعلق بنتائج الاستفتاء ومن ثم وحدة التراب السودانى، أو حدوث الانفصال، وهى فى كل الأحوال تشير إلى أن عملية تطبيق اتفاق ماشاكوس برمتها، ستواجه تعقيدات صعبة.